نهاية التجميل المحاسبي: IFRS 18 يضع الشركات و الجمعيات التعاونية تحت المجهر
بقلم: د. علي عويد رخيص
خبير اقتصادي ومحاسبي – و رئيس لجنة مراقبي الحسابات
جمعية المحاسبين والمراجعين الكويتية
المقدمة
لطالما كانت “قائمة الدخل” في بعض الشركات و الجمعيات التعاونية أشبه بلوحة فنان… تُرسم فيها الأرقام لا كما هي، بل كما نريدها أن تبدو.
اليوم، مع اقتراب تطبيق المعيار المحاسبي الدولي رقم 18 “عرض البيانات المالية ومتطلبات الإفصاح”، انتهى زمن الفرشاة والألوان.
المعيار الجديد لا يخترع أرباحاً جديدة، ولا يلغي خسائر قديمة. كل ما يفعله هو شيء واحد فقط: يضع كل رقم في مكانه الصحيح.
تشغيلي هنا، استثماري هناك، وتمويلي في خانته. وبذلك يسقط القناع عن ممارسات تجميل البيانات التي أرهقت المساهمين لسنوات.
السؤال لم يعد: كم ربحت في الشركة أو الجمعية؟
السؤال الآن: من أين جاء هذا الربح؟ وهل هو حقيقي؟
الهدف: الشفافية ومنع التلاعب
يفرض المعيار رقم 18 تقسيماً إلزامياً لقائمة الدخل إلى 3 فئات رئيسية:
1- الأنشطة التشغيلية: ما يتعلق بنشاط الشركة أو الجمعية الأساسي من بيع وتوزيع.
2- الأنشطة الاستثمارية: مثل إيرادات تأجير المحلات والعقارات.
3- الأنشطة التمويلية: مثل الفوائد وتكاليف القروض.
الرسالة واضحة: لا يمكن بعد اليوم نقل بند من خانة إلى أخرى لتحسين الصورة. كل رقم سيوضع في مكانه الصحيح، وسيكون من السهل المقارنة بين شركة وأخرى أو جمعية وأخرى.
ممارسات خاطئة كشفها الواقع
خلال عملي كمراقب حساب تتجاوز الأربعين عاما ، رصدنا ممارستين رئيسيتين تتعارضان مع روح المعيار الجديد:
أولاً: معالجة “خصم الكمية” كإيراد
بدلاً من خصم الخصومات الممنوحة من الموردين مباشرة من “تكلفة البضاعة المباعة”، يتم تسجيلها كبند إيرادات مستقل. النتيجة؟ تضخيم رقم المبيعات وإظهار هامش ربح تشغيلي وهمي.
ثانياً: تحميل الإهلاك على “مخصص المعونة الاجتماعية في الجمعيات”
يتم استقطاع مصروف الإهلاك من بند المخصصات بدلاً من تحميله على قائمة الدخل. الهدف: تخفيض المصروفات الظاهرة، ورفع صافي الربح، وتقليل المبلغ المستقطع للمعونة الاجتماعية.
الأثر المتوقع على الجمعيات
المعيار لن يغير القوانين، لكنه سيكشف الانحرافات بسرعة.
* للوزارة: ستصبح متابعة الأداء أسهل وأدق.
* لمراقب الحسابات: ستقل المساحة الرمادية وسيكون الحكم المهني أكثر وضوحاً.
* للمساهم: سيحصل أخيراً على صورة مالية حقيقية وغير مضللة.
توصيات عاجلة
1- إصدار تعميم ملزم من وزارة الشؤون بتطبيق المعيار رقم 18 على جميع الجمعيات.
2- توجيه إيرادات الإيجارات إلى خانة “الاستثمار” وليس “التشغيل”.
3- تحديد معالجة محاسبية موحدة لخصومات الكمية.
4- التشديد على منع تحميل المصروفات التشغيلية مثل الإهلاك على بنود المخصصات.
الخاتمة
في النهاية، IFRS 18 ليس عقوبة للجمعيات، بل هو فرصة.
فرصة للجمعية الشفافة أن تبرز، وللإدارة الرشيدة أن تكافأ، وللمساهم أن يفهم أين تذهب أمواله بالضبط.
أما من اعتاد على إخفاء ضعف الأداء التشغيلي خلف إيرادات استثمارية، أو تحميل المصروفات على المخصصات… فالمعيار الجديد سيكون مرآته التي لا تكذب.
الرسالة الأخيرة واضحة:
من اليوم، لن يحميك التجميل. سيحميك الأداء الحقيقي لشركتك .
لأن المستقبل ليس لمن يجيد “عرض”بل لمن يجيد الأداء الجيد




