مقالات

التضخم لا يعرف الحدود: كيف نحمي الناس من الغلاء العالمي؟

 

بقلم/ د. محمد الشبشيري
 Elshebshiry@outlook.com

حين ترتفع أسعار الغذاء والطاقة والنقل، لا يختبر الناس التضخم بوصفه رقمًا في تقرير اقتصادي، بل يلمسونه في مشتريات أقل، وادخار يتآكل، وقرارات معيشية مؤجلة. وغالبًا ما نبحث عن السبب داخل حدود بلدنا، في السياسات العامة أو الأجور أو أسعار الفائدة. لكن تزامن ارتفاع الأسعار في بلدان كثيرة يشير إلى أن الصورة أوسع، وأن الروابط الاقتصادية الدولية تؤثر في كلفة الحياة محليًا.

تنطلق دراسة «التضخم عابر للحدود: جدول أعمال بحثي» الصادرة عن معهد التفكير الاقتصادي الجديد، من إعداد كارلو ديبوليتي ودانييلي توري ولوتشيو غوبي، من هذا السؤال. وتستند إلى بيانات أسعار المستهلكين في عدد من الاقتصادات المتقدمة لأكثر من ستة عقود، لتلفت إلى التزامن بين معدلات التضخم، وإلى محدودية تفسيره بالعوامل المحلية وحدها.

كيف يعبر التضخم الحدود؟

تتحدد أسعار الغذاء والطاقة والمواد الأولية في أسواق دولية، وتتأثر بالتجارة والتمويل وتوقعات المستثمرين. كما تؤثر سلاسل الإمداد العابرة للحدود وحركة رأس المال في كلفة الإنتاج، وفي العلاقة بين الشركات والعمال والأجور. وتبحث الدراسة أيضًا في أثر الاختلالات التجارية بين الدول، وكيف تنتقل ضغوط التنافس والتكيف من اقتصاد إلى آخر.

لا يعني ذلك أن السياسات المحلية بلا أثر، أو أن كل ارتفاع في الأسعار مصدره الخارج. لكنه يوضح أن التضخم المستورد، أي انتقال ارتفاع الأسعار عبر الواردات أو سعر الصرف، جزء من صورة أوسع هي التضخم العابر للحدود، حيث تسهم العلاقات الدولية نفسها في تشكيل ظروف الإنتاج والتسعير والدخل داخل الدول.

ماذا يعني ذلك للناس؟

يساعد هذا الفهم على تجنب التفسيرات المتسرعة التي تلقي اللوم على طرف واحد، كالأجور أو السياسات المحلية، ويوضح أن الغلاء قد يرتبط باضطراب عالمي لا يملك المستهلك السيطرة عليه. كما يبين أن رفع أسعار الفائدة ليس علاجًا كافيًا لكل الحالات. فقد يخفف الطلب، لكنه لا يخفض مباشرة سعر الطاقة العالمية أو كلفة الغذاء المستورد، وقد يرفع كلفة الاقتراض ويبطئ الاستثمار.

وتزداد صعوبة الخيارات عندما تواجه الدول ضغوطًا مالية أو توجهات دولية، ومنها توصيات صندوق النقد الدولي التي تنتقد عادة الدعم الشامل والمفتوح بسبب كلفته واحتمال تشويهه للأسعار. لكن هذا لا يعني أن جميع أشكال المساندة مرفوضة. فالتمييز مهم بين دعم واسع ودائم، وإجراءات مؤقتة ومحددة تحمي الأكثر تضررًا. كما أن المواقف الدولية لا تلغي مسؤولية أصحاب القرار عن اختيار بدائل تناسب ظروف كل بلد وموارده.

بدائل عملية لا تقتصر على رفع الفائدة

يمكن تخفيف أثر التضخم المستورد عبر خفض كلفة وصول السلع، من خلال تحسين الموانئ والتخليص والنقل والتخزين، وإزالة الرسوم والعوائق غير الضرورية عن السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج. كما يمكن تنويع مصادر الاستيراد والموردين، وتحسين المخزونات الاستراتيجية للسلع الحيوية وفق قواعد معلنة، لتقليل أثر الانقطاعات المفاجئة.

وفي الأسواق المحلية، يساعد تعزيز المنافسة والشفافية على الحد من ارتفاع الكلفة بسبب الاحتكار أو تعدد الوسطاء، وذلك عبر نشر بيانات الأسعار والمخزون، ومراقبة التواطؤ، وتسهيل دخول الموردين الجدد. أما دعم الإنتاج المحلي، فيكون أجدى حين يعالج اختناقات واضحة، كالنقل أو التخزين أو نقص مدخلات الإنتاج، لا حين يحمي إنتاجًا مرتفع الكلفة إلى أجل غير محدد.

وإذا سمحت الموارد، يمكن تقديم مساندة محدودة ومؤقتة للفئات الأشد تضررًا، عبر برامج الحماية القائمة أو إعفاءات محسوبة، مع إعلان الكلفة والمدة ومعايير الإنهاء. وإذا تعذرت المساندة المباشرة، فلا ينبغي أن تكون النتيجة ترك الأسر وحدها، بل إعطاء الأولوية لتخفيض كلفة الإمداد، ومكافحة الاحتكار، ومراجعة الضرائب والنفقات بما يحمي الخدمات الأساسية.

من الاستجابة المنفردة إلى التوازن

لا توجد أداة تلغي أثر الأسعار العالمية بالكامل. لذلك يتطلب التعامل مع التضخم تشخيص مصدر الصدمة أولًا، ثم اختيار استجابة تناسبها ومراجعة آثارها على الأسعار والموازنة والناس. كما أن التنسيق الدولي، واتفاقات التوريد، والحد من القيود المفاجئة على التصدير، قد يخفف انتقال الأزمات من بلد إلى آخر.

والخلاصة أن مواجهة التضخم لا تقتصر على سؤال: هل نرفع الفائدة أم نقدم الدعم؟ بل تتطلب سؤالًا أوسع: كيف نخفض كلفة الصدمة، ومن يتحمل عبئها، وكيف نحمي الناس من دون إنشاء التزامات لا يمكن الاستمرار فيها؟ فالاستجابة الأعدل هي التي تجمع بين فهم الروابط الدولية، ومعالجة الاختناقات المحلية، وتوزيع كلفة الأزمة بشفافية ومسؤولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى