مقالات

سوق النفط بين التصعيد الجيوسياسي ومخاطر الإمدادات: هل يعود برنت إلى تجاوز 100 دولار؟

 

بقلم/ د. محمد الشبشيري
 Elshebshiry@outlook.com

 

لم تعد أسعار النفط تتحرك وفق العرض والطلب وحدهما؛ فالمخاطر الجيوسياسية وأمن طرق التجارة يؤثران فيها بوضوح. وعكست تعاملات الاثنين 12 أكتوبر 2026 ذلك، إذ ارتفعت الأسعار بنحو 2% رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ترتيبات لزيادة إمدادات الديزل الروسي والتوصل إلى هدنة بين روسيا وأوكرانيا بشأن منشآت الطاقة.

ووفقًا لرويترز، صعدت العقود الآجلة لخام برنت إلى 106.76 دولارات للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ 29 سبتمبر، بينما بلغ خام غرب تكساس الوسيط 93.69 دولارًا. ويعكس ذلك تغليب الأسواق مخاطر تعطل الإمدادات على أثر الزيادة المحتملة في المعروض.

مضيق هرمز في قلب معادلة الأسعار

أعاد التصعيد الأمني في المنطقة مخاوف اضطراب صادرات النفط الخليجية إلى الواجهة. فقد أشار التقرير إلى هجمات جديدة نُسبت إلى الحوثيين في السعودية، وإلى استهداف ناقلتين خلال عطلة نهاية الأسبوع: إحداهما قرب ميناء صحار العُماني، والأخرى أثناء عبورها مضيق هرمز.

ولا يشترط ارتفاع الأسعار توقف الإنتاج؛ فقد تكفي مخاطر تعطل النقل أو تأخر الشحنات وارتفاع التأمين البحري لزيادة «علاوة المخاطر». وبسبب أهمية مضيق هرمز، قد ترفع التهديدات كلفة وصول النفط حتى مع استقرار الإنتاج.

علاوة المخاطر تعود إلى الواجهة

رفع بنك غولدمان ساكس توقعه لسعر برنت في ديسمبر إلى 90 دولارًا للبرميل، مقارنةً بـ85 دولارًا سابقًا، وقدّر علاوة المخاطر الجيوسياسية بأكثر من 20 دولارًا للبرميل.

ويعكس الفارق بين السعر السائد وتوقع البنك عدم اليقين؛ فالسعر يتضمن تقدير المتعاملين لاحتمالات التصعيد أو التهدئة، إلى جانب توازن العرض والطلب.

وقد تتراجع العلاوة إذا استقرت الملاحة، لكن تعطل الإمدادات فعليًا قد يدفع الأسعار فوق التوقعات، خصوصًا مع محدودية الطاقة الفائضة وصعوبة التعويض السريع.

الديزل الروسي لا يعني بالضرورة انخفاض سعر الخام

تراجعت العقود الآجلة للديزل الأوروبي بنسبة 2.3% إلى 1,449 دولارًا للطن، عقب إعلان ترامب أن روسيا ستوفر أكثر من 300 ألف طن، مع توقع إتاحة كميات إضافية لاحقًا. كما سمحت موسكو جزئيًا باستئناف صادرات الديزل.

لكن أثر الخطوة رهن سرعة التنفيذ وقدرة المصافي على زيادة الإنتاج. كما أن هدنة الطاقة لا تضمن الاستقرار، إذ اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي موسكو بانتهاكها.

ويعكس اختلاف مسار الخام والديزل تزامن مخاوف نقص الخام مع تحسن توقعات بعض المنتجات المكررة؛ لذا لا تخفض زيادة الديزل سعر الخام تلقائيًا.

 آثار الارتفاع على التضخم والنشاط الاقتصادي

يمتد أثر النفط المرتفع إلى ما هو أبعد من تكلفة الوقود المباشرة. فزيادة أسعار البنزين والديزل ترفع كلفة تنقل الأفراد ونقل البضائع، وقد تنعكس تدريجيًا على أسعار الغذاء والسلع والخدمات، بفعل ارتفاع كلفة الشحن والتوزيع. كما تتحمل قطاعات الطيران والنقل البري والبتروكيماويات والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة أعباء تشغيلية أكبر، وقد تضطر الشركات إلى تقليص هوامش أرباحها أو تمرير جزء من الزيادة إلى المستهلكين.

وقد يؤدي استمرار هذه الضغوط إلى إبطاء تراجع التضخم، وإبقاء أسعار الفائدة مرتفعة مدة أطول، بما يزيد كلفة الاقتراض على الأسر والشركات ويحد من الاستثمار والاستهلاك. وإذا تزامن ارتفاع الطاقة مع ضعف النمو، فقد تواجه الاقتصادات معادلة صعبة تجمع بين تضخم أعلى ونشاط أبطأ. وتتضرر الدول منخفضة الدخل أكثر، لارتفاع حصة الطاقة والغذاء من إنفاق الأسر ومحدودية قدرتها على دعم الأسعار وتمويل الواردات.

وتواجه الدول المستوردة فاتورة أعلى وضغوطًا على الحساب الجاري والعملات والموازنات، وقد تزيد الدعم أو تقلص نفقات أخرى. أما الدول المصدرة فقد تحقق إيرادات إضافية، لكن تعطل التصدير أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين يحدان منها، كما قد يضعف السعر المرتفع الطلب العالمي لاحقًا.

 ثلاثة سيناريوهات لمسار النفط

يتوقف الاتجاه المقبل على ثلاثة احتمالات: التهدئة واستقرار الملاحة، بما قد يخفض علاوة المخاطر؛ واستمرار التوتر من دون انقطاع واسع، بما يبقي الأسعار مرتفعة ومتقلبة؛ والتصعيد الذي يعطل صادرات الخليج أو الملاحة عبر هرمز، ويدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع بحسب حجم النقص وسرعة تعويضه. وتظل هذه سيناريوهات مشروطة، لا توقعات مؤكدة.

الخلاصة

تؤكد تحركات 12 أكتوبر أن ضمان وصول الإمدادات لا يقل أهمية عن حجمها المعلن. وقد تخفف زيادة الديزل الروسي الضغط على سوق المقطرات، لكنها لا تعالج مخاطر صادرات الخام الخليجية. وستظل الملاحة عبر هرمز واستمرارية الصادرات والتطورات السياسية عوامل حاسمة.

ويبقى السؤال: هل تحتوي الدبلوماسية وزيادة المعروض علاوة المخاطر، أم يبقي التوتر النفط فوق 100 دولار ويضغط على التضخم والنمو؟

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى