من قاعة التحكيم إلى بوابة الاستثمار
قانون التحكيم الكويتي الجديد… فرصة المحامين الشباب لقيادة قطاع تسوية المنازعات
بقلم/ د. عدنان البدر
باحث ومستشار استراتيجي في سياسة الموارد البشرية وبيئة العمل ورئيس ومؤسس الجمعية الكندية الكويتية للصداقة والأعمال
ckbafa@gmail.com
-
السؤال الجوهري للمستثمر: ماذا يحدث إذا نشأ نزاع حول التنفيذ أو الدفعات أو التأخير؟ وكم من الوقت تستغرق تسويته؟
-
كل غموض إجرائي يُترجم إلى علاوة مخاطر إضافية أو ضمانات مشدّدة أو تأجيل في القرار الاستثماري.
-
قانون التحكيم محطة في حكاية مجتمع تجاري بنى اقتصاده على الصلح والوساطة والثقة قبل أن يبنيه على النص القانوني.
-
لا يقف قانون التحكيم الجديد عند حدود الإصلاح الإجرائي، بل يندرج ضمن مسار تنموي أوسع ترسمه رؤية الكويت «كويت جديدة 2035».
-
قد يبدأ بناء الثقة من بند واحد في عقد لكن أثره قد يمتد إلى بناء مكانة اقتصادية أقوى للكويت في خريطة التحكيم الإقليمي.
-
يجب أن يتحول هذا الإصلاح التشريعي إلى فرصة حقيقية لبناء خبرة وطنية قادرة على قيادة قطاع تسوية المنازعات إقليمياً.
-
النجاح الحقيقي للقانون يُقاس بما يحققه من ثقة متنامية من المستثمرين، وقدرة الكويت على استقطاب مزيد من الأعمال القانونية والتجارية المتخصصة.
-
يقف مركز الكويت للتحكيم التجاري في قلب أي نقاش عن مستقبل التحكيم في البلاد.
-
لتحويل الفرص المتاحة إلى سوق عمل فعلي نحتاج إلى مراكز تحكيم احترافية، وتدريب مستمر، وتسويق دولي، إلى جانب بيئة قضائية مساندة فعالة.
-
تهدف البرامج إلى تقليص الفجوة بين الدراسة الأكاديمية ومتطلبات سوق العمل، وتمكين الشباب من أدوات التحكيم الحديثة بما يدعم جذب الاستثمارات.
-
لدي مركز الكويت للتحكيم التجاري برنامج إعداد المحكمين، وبرنامج «تمكين» الموجّه أساساً لطلبة وخريجي كليات القانون.
-
مركز الكويت للتحكيم التجاري يلعب دور ملحوظ في نشر ثقافة التحكيم عبر الندوات وورش العمل والبرامج التدريبية الموجهة للمحامين والمستشارين القانونيين وأصحاب الأعمال.
لم تكن موافقة مجلس الوزراء الكويتي في سبتمبر 2026 على مشروع مرسوم بقانون جديد للتحكيم خبراً تشريعياً عابراً، بل محطة في حكاية أطول بكثير، تعود إلى مجتمع تجاري بنى اقتصاده على البحر والوساطة والثقة قبل أن يبنيه على النص القانوني. واليوم، تُطرح أسئلة أكبر من التشريع نفسه: كيف يُقرأ الفارق بين المشروع والقانون النافذ؟ وما الأثر الاقتصادي المتوقع لتحكيم أكثر رقمية وانضباطاً في مواعيده؟ وهل يملك المحامون الشباب في الكويت، عبر برامج مركز الكويت للتحكيم التجاري، مفتاح الدخول إلى سوق عمل قانوني جديد؟
أولاً: مشروع مرسوم بقانون بإصدار قانون التحكيم
وافق مجلس الوزراء على مشروع مرسوم بقانون بإصدار قانون التحكيم، ورُفع المشروع لاستكمال الإجراءات الدستورية، تمهيداً لإصداره في الجريدة الرسمية. فأي تقييم قانوني نهائي يجب أن ينتظر النص الرسمي المنشور وتاريخ بدء العمل به وأحكامه الانتقالية. وفق التصريحات المنشورة، يتجه المشروع إلى إلغاء قانون التحكيم القضائي رقم 11 لسنة 1995، وكذلك باب التحكيم (المواد 173 إلى 188) من قانون المرافعات رقم 38 لسنة 1980، ودمج أحكامهما وتطويرها في تشريع موحّد واحد. وهذا التوحيد بذاته خطوة إصلاحية: فتوزّع أحكام التحكيم بين قانونين كان يُضعف وضوح المرجعية القانونية أمام المستثمر والمحامي على حد سواء.
ثانياً: الأثر الاقتصادي والاستثماري… التحكيم الرقمي وضبط المواعيد الإجرائية
عندما يدرس مستثمر مشروعاً عقارياً أو صناعياً أو لوجستياً، فإن حساباته لا تتوقف عند العائد وتكلفة التمويل، بل تمتد إلى سؤال جوهري: ماذا يحدث إذا نشأ نزاع حول التنفيذ أو الدفعات أو التأخير؟ وكم من الوقت تستغرق تسويته؟ فكل غموض إجرائي يُترجم إلى علاوة مخاطر إضافية أو ضمانات مشدّدة أو تأجيل في القرار الاستثماري. ومن أبرز ما أُعلن عن توجهات مشروع القانون: تحديد مواعيد إجرائية أكثر انضباطاً للحد من تطاول النزاعات، وتوسيع استخدام الوسائل الإلكترونية في إجراءات التحكيم بما يشمل الجلسات والمذكرات عن بُعد، إلى جانب تعزيز الحياد والشفافية والسرية، ووضع ضوابط خاصة بتحكيم عقود الجهات الحكومية. هذه العناصر مجتمعة تصب في اتجاه واحد: خفض كلفة عدم اليقين القانوني، وهي كلفة تدخل مباشرة في تسعير المخاطر الاستثمارية ومشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، من الموانئ والمطارات إلى الطاقة والمياه والنقل. وقد أشارت التصريحات المتعلقة بالمشروع إلى الاسترشاد بالقانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي الصادر عن لجنة الأونسيترال، مع مراعاة خصوصية النظام القانوني الكويتي؛ إلا أن الاسترشاد بمعايير دولية لا يعني تطابقاً تلقائياً في النتائج، فالعبرة في النهاية بوضوح الصياغة وجودة التطبيق القضائي والمؤسسي.
ثالثاً: تنظيم مراكز التحكيم… من التشتت إلى الانضباط المؤسسي
من بين ملامح الإصلاح المعلنة أيضاً تنظيم مراكز التحكيم ذاتها ضمن إطار قانوني أوضح، بعد أن كان نشاطها يدار إلى حد كبير بقواعدها الداخلية ومرجعيات متفرقة. وتنظيم هذه المراكز ليس تفصيلاً شكلياً، بل شرط لضمان جودة الإجراءات واستقلالية الهيئات وإدارة تضارب المصالح، وهي عناصر يزنها المستثمر الدولي عند تقييم موثوقية أي مركز تحكيم يُحتمل إحالة نزاعاته إليه.
التحكيم ليس طريقاً بديلاً لحسم النزاعات فحسب، بل جزء من البنية المؤسسية التي تصنع ثقة المستثمر وتخفض تكلفة المخاطر.
رابعاً: مركز الكويت للتحكيم التجاري… من الخبرة المؤسسية إلى صناعة الكفاءات
يقف مركز الكويت للتحكيم التجاري، التابع لغرفة تجارة وصناعة الكويت، في قلب أي نقاش عن مستقبل التحكيم في البلاد. أُقرّ نظامه الأساسي في 20 ديسمبر 1999، ليتولى منذ ذلك التاريخ إدارة إجراءات التحكيم والتوفيق وفق قواعده، إلى جانب دور متنامٍ في نشر ثقافة التحكيم عبر الندوات وورش العمل والبرامج التدريبية الموجهة للمحامين والمستشارين القانونيين وأصحاب الأعمال. فلدي المركز برنامج متطوّرمن «برنامج إعداد المحكمين»، يستمرثلاثة أسابيع ويستهدفت تأهيل كوادر وطنية راغبة في العمل محكمين وخبراء، عبر ثلاث مراحل: اتفاق التحكيم وشروط صحته، ثم تشكيل هيئة التحكيم وإدارة إجراءاتها، وأخيراً صياغة حكم التحكيم ومداولاته، على أن يُختتم البرنامج بمحاكم تحكيمية صورية يطبّق فيها المتدربون ما تعلّموه على قضايا شبيهة بالواقع. وتبرز في مسار هذا العمل المؤسسي أسماء ارتبطت بالعمل القيادي والمهني في المركز أو في مجال التحكيم عموماً، من بينها الأستاذ بدر سعود البدر، والسيد عبدالوهاب الوزان، والسيد عبدالله الشايع، إلى جانب الدكتور أنس فيصل التورة الذي اضطلع بدور إداري ومهني بصفته أميناً عاماً للمركز، والدكتور يوسف الصليلي الذي يمثّل الجانب الأكاديمي في نشر المعرفة المتخصصة؛ على أن يُنظر إلى هذه المسيرة باعتبارها نتاج منظومة متكاملة من المحكمين والخبراء والمدربين، مع ضرورة توثيق المناصب والفترات الزمنية الدقيقة لكل اسم بالرجوع إلى سجلات المركز والغرفة قبل أي نشر نهائي.
خامساً: برنامج «تمكين»… من مدرجات الجامعة إلى سوق التحكيم
إلى جانب برنامج إعداد المحكمين، يقدّم المركز برنامج «تمكين» الموجّه أساساً لطلبة وخريجي كليات القانون، وقد انطلقت نسخته الخامسة في 27 سبتمبر 2026 لتستمر ثلاثة أسابيع. ويهدف البرنامج صريحاً إلى تقليص الفجوة بين الدراسة الأكاديمية ومتطلبات سوق العمل القانوني، وتمكين الشباب الكويتي من أدوات التحكيم الحديثة بما يدعم جذب الاستثمارات. ويتوزع تدريب «تمكين» على مرحلتين: الأولى إجرائية تتناول الفرق بين التحكيم المؤسسي والحر، وصياغة شروط التحكيم، واختيار المحكمين وإجراءات ردّهم، إلى جانب الوساطة والتوفيق كوسائل ودية؛ والثانية تطبيقية تقوم على تحليل ملفات قضايا حقيقية، وصياغة صحف الدعاوى والمذكرات محلياً ودولياً، وقراءة العقود والمراسلات الإنجليزية في بيئات الأعمال الدولية، عبر محاكم صورية يتوزع فيها المشاركون على هيئات الدفاع والادعاء والتحكيم.
سادساً: أين تتجه فرص المحامين الشباب؟
يفتح تطوير منظومة التحكيم، إذا ما اكتمل بالتشريع والتطبيق، أبواباً عملية أمام المحامين الشباب في اتجاهات متعددة:
* مكاتب المحاماة المتخصصة: تزايد الطلب على محامين قادرين على صياغة شروط التحكيم ومتابعة إجراءاته أمام الهيئات والمحاكم المساندة.
* الإدارات القانونية للشركات: أدوار مستقرة في إدارة العقود والمطالبات ومتابعة النزاعات التجارية داخل الشركات والمشروعات الكبرى.
* مراكز التحكيم نفسها: فرص في إدارة الملفات والسكرتاريا القانونية ودعم هيئات التحكيم، إلى جانب مسار أطول نحو العمل محكّماً أو خبيراً معتمداً.
* إدارة المطالبات والعقود في مشروعات البنية التحتية: خصوصاً في عقود البناء والتشغيل والتحويل (BOT) والشراكة بين القطاعين العام والخاص، حيث يُعدّ بند تسوية النزاعات جزءاً من هندسة العقد منذ بدايته.
* النزاعات الدولية والتجارة العابرة للحدود: مسار يتطلب إتقان اللغة الإنجليزية القانونية والتعرّف إلى معايير الأونسيترال، ويفتح المجال للعمل مع أطراف وشركاء خارج الكويت.
ومع ذلك، يبقى تحويل هذه الفرص إلى سوق عمل فعلي مرهوناً بعوامل مؤسسية: مراكز تحكيم ذات إدارة احترافية، ومحكمين متخصصين، وتدريب مستمر، وتسويق دولي، إلى جانب بيئة قضائية مساندة فعالة.
سابعاً: خريطة طريق عملية لتأهيل المحامين الشباب
بالاستناد إلى ما تقدّمه برامج مركز الكويت للتحكيم التجاري وما تكشفه حاجة السوق، يمكن رسم خطة تأهيل عملية من ستة محاور متتابعة:
| # | المحور | الإجراء العملي |
| ١ | التأسيس المعرفي | دراسة قانون التحكيم الجديد مقارنة بقانون 1995 وقانون المرافعات، والتمرّن على صياغة شروط التحكيم في العقود. |
| ٢ | التدريب المؤسسي | الالتحاق ببرامج مركز الكويت للتحكيم التجاري، وأبرزها «تمكين» للطلبة والخريجين و«إعداد المحكمين» للكوادر الراغبة في العمل محكمين وخبراء. |
| ٣ | الخبرة الميدانية | التدرّج في مكاتب المحاماة أو الإدارات القانونية للشركات للعمل على ملفات نزاعات حقيقية، وإدارة المطالبات والعقود. |
| ٤ | التخصص القطاعي | بناء خبرة في قطاعات ذات طلب متزايد على التحكيم: الإنشاءات والبنية التحتية، الطاقة، التمويل الإسلامي، والتجارة الدولية. |
| ٥ | المهارات الدولية | تعزيز القدرة على صياغة وقراءة العقود والمذكرات باللغة الإنجليزية، والتعرّف إلى القانون النموذجي للأونسيترال. |
| ٦ | الاعتماد والشبكة المهنية | السعي للتسجيل في قوائم المحكمين والخبراء لدى مراكز التحكيم، والمشاركة في محاكمها الصورية وأنشطتها الدورية. |
لمحة إحصائية: محطات في مسار التحكيم الكويتي
| المحطة | الحدث |
| 1959 | المرسوم الأميري رقم 19 لسنة 1959 بشأن تنظيم القضاء — أول ملامح الإطار المؤسسي |
| 1978 | انضمام الكويت إلى اتفاقية نيويورك لسنة 1958 للاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها |
| 1995 | القانون رقم 11 لسنة 1995 بشأن التحكيم القضائي في المواد المدنية والتجارية |
| 1999 | إقرار النظام الأساسي لمركز الكويت للتحكيم التجاري في 20 ديسمبر |
| 2026 | موافقة مجلس الوزراء على مشروع مرسوم بقانون موحّد للتحكيم (سبتمبر) ورفعه لاستكمال الإجراءات الدستورية |
| 2035 | الأفق الزمني لرؤية «كويت جديدة 2035»: تحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري عالمي وتنويع مصادر الدخل |
ثامناً: الإصلاح التشريعي في قلب رؤية الكويت «كويت جديدة 2035»
لا يقف قانون التحكيم الجديد عند حدود الإصلاح الإجرائي، بل يندرج ضمن مسار تنموي أوسع ترسمه رؤية الكويت «كويت جديدة 2035»، التي تستهدف تحويل البلاد إلى مركز مالي وتجاري عالمي وتنويع مصادر الدخل بعيداً عن الاعتماد على النفط. فبيئة الأعمال الجاذبة للاستثمار لا تُبنى بالتحفيزات الضريبية والبنية التحتية وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى منظومة قانونية تمنح المستثمر المحلي والأجنبي يقيناً بشأن كيفية حسم خلافاته التجارية وكلفتها الزمنية والمالية.
* تنويع الاقتصاد: نمو قطاع الخدمات القانونية والتحكيمية يضيف مصدر دخل غير نفطي جديداً، وينسجم مع مستهدف الرؤية رفع مساهمة الإيرادات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي.\
* جذب الاستثمار الأجنبي المباشر: إطار تحكيمي أوضح وأسرع يقلّص علاوة المخاطر القانونية التي يحتسبها المستثمر الأجنبي قبل ضخ رأس المال في مشروعات البنية التحتية والطاقة واللوجستيات.
* تعزيز بيئة الأعمال: تسريع حسم المنازعات التجارية ينعكس مباشرة على مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال وتنافسية الكويت الإقليمية، وهو أحد المحاور التي تركز عليها الرؤية في تحويل البلاد إلى مركز مالي وتجاري عالمي.
وبهذا المعنى، لا يُقرأ قانون التحكيم كإصلاح تقني معزول عن سياقه، بل كأحد الأدوات التشريعية التي تترجم مستهدفات رؤية 2035 إلى واقع عملي، يربط بين استقرار القواعد القانونية وقدرة الكويت على المنافسة كمركز اقتصادي إقليمي بحلول الأفق الزمني للرؤية.
خاتمة: من إصلاح الإجراءات إلى بناء الثقة والكفاءات
تبقى موافقة مجلس الوزراء على مشروع قانون التحكيم محطة مهمة وليست نهاية الرحلة؛ فالنجاح الحقيقي للقانون لن يُقاس بعدد مواده أو حداثة صياغته، بل بما يحققه فعلياً: وضوح أكبر في تسوية النزاعات، وثقة متنامية من المستثمرين، وقدرة الكويت على استقطاب مزيد من الأعمال القانونية والتجارية المتخصصة. وبين هذه النتائج كلها، يبرز رهان إضافي لا يقل أهمية: أن يتحول هذا الإصلاح التشريعي إلى فرصة حقيقية لجيل من المحامين الشباب ، عبر برامج تأهيل مؤسسية كتلك التي يقدمها مركز الكويت للتحكيم التجاري، لبناء خبرة وطنية قادرة على قيادة قطاع تسوية المنازعات إقليمياً لا الاقتصار على استيراد خبراته من الخارج.
وقد يبدأ بناء هذه الثقة من بند واحد في عقد، أو من مقعد في برنامج تدريبي صيفي، لكن أثره، إن توفّرت له الاستمرارية المؤسسية، قد يمتد إلى قرار استثماري جديد، وفرصة عمل لمحامٍ شاب، ومكانة اقتصادية أقوى للكويت في خريطة التحكيم الإقليمي.



