مقالات

السجون في الكويت بين المعايير الدولية والعائد الاقتصادي وحقوق السجين

 

بقلم/ المحامي هشام الفهد

لم يعد السجن مجرد مكان لعزل مرتكبي الجرائم. دول العالم اليوم، بما فيها الكويت، تتبنى رؤية جديدة: “السجن مؤسسة تأهيل وإنتاج، لا مؤسسة عقاب فقط”.
ويأتي ذلك في إطار الالتزام بـ “قواعد نيلسون مانديلا” الصادرة عن الأمم المتحدة عام 2015، والتي تعتبر المرجع الدولي لإدارة السجون.

أولاً: ما الذي تطلبه المعايير الدولية؟

تُلخص قواعد نيلسون مانديلا الحد الأدنى لحقوق الإنسان داخل السجون في 6 محاور أساسية:

1. الكرامة: منع التعذيب والمعاملة القاسية وتوفير رعاية صحية عند الدخول وعلاج مجاني.
2. ظروف إنسانية: مساحة لا تقل عن 5.4 م² للفرد، تهوية، إضاءة طبيعية، ماء نظيف و3 وجبات صحية.
3. النظافة: مرافق صحية، استحمام، ملابس نظيفة.
4. الحقوق: زيارات الأهل، الاتصال بالمحامي، منع التمييز.
5. التأهيل: تعليم، مكتبة، رياضة، وتدريب مهني اختياري.
6. ضوابط صارمة: تقييد الحبس الانفرادي بـ15 يوماً كحد أقصى ومنع العقاب الجماعي.

وتكمل هذه القواعد معاهدات أخرى مثل قواعد بانكوك للنساء و قواعد بكين للأحداث.

ثانياً: البعد الاقتصادي… لماذا يهمنا تطبيقها في الكويت؟
قد يرى البعض أن تطبيق هذه المعايير “كلفة إضافية على الميزانية”، لكن الواقع الاقتصادي يقول العكس تماماً، الاستثمار في سجن إنساني ومؤهل هو توفير مباشر للدولة:

1. تخفيض نسبة العودة للجريمة
الدراسات العالمية تؤكد أن برامج التعليم والتدريب المهني داخل السجون وزيادة ثقافة التعليم أو الدين تخفض نسبة تكرار الجريمة بنسبة تصل إلى 40%. وكل سجين لا يعود يعني توفير ملايين الدنانير على الدولة في تحقيقات ومحاكمات وسجون جديدة وطاقة أمنية وطاقة كهربائية ومصاريف السجون.

2. خفض الإنفاق على الصحة والقضاء
البيئة الصحية والنظيفة تمنع انتشار الأمراض المعدية داخل السجون، مما يقلل فاتورة العلاج المكلفة على الدولة أو الوفيات بسبب التاخير لنقل السجين المريض للمستشفى

3. تحويل السجين من عبء إلى منتج
ورش التدريب المهني داخل المؤسسات الإصلاحية يمكن أن تخرج نجارين، كهربائيين، خياطين، وفنيين. عند خروجهم يصبحون جزءاً من القوى العاملة ويساهمون في المشاريع التنموية بدل أن يكونوا عبئاً على الضمان الاجتماعي.

الخلاصة
تطبيق المعايير الدولية في سجون الكويت ليس استجابة لضغط خارجي، بل هو قرار اقتصادي وأمني ذكي.
السجن الأرخص هو السجن الذي لا يخرج منه مجرم جديد.
والاستثمار الحقيقي هو الذي يحول فترة العقوبة إلى فرصة لإعادة تأهيل حقيقي للمواطن ليعود عضواً فاعلاً ومنتجاً في المجتمع.
إن رؤية الكويت يجب أن تقوم على “الإنسان أولاً”. وتبدأ هذه الرؤية من أضيق وأصعب الأماكن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى