مقالات

«دفعنا سعر وجبة فاخرة مقابل صورة إنستغرام»: إلى متى تستمر ثقافة المظاهر في مطاعم الكويت؟

 

بقلم: الخبير العقاري أحمد الفرج

 

جملة سمعتها أكثر من مرة في مجالس الكويت، تقولها أسرة خرجت للتو من مطعم جديد: «الديكور خرافي، والصور طلعت تجنن… بس الأكل عادي، وحاسبونا بسعر مو عادي». ثم تُرفع الجملة نفسها بصيغ مختلفة: «ما رحنا نتعشى، رحنا نصوّر».

هذه ليست شكوى عابرة، بل ظاهرة تستحق التوقف عندها بصراحة، لأنها تمسّ جيب المستهلك، ومصير المستثمر، وصورة السوق كله.

كيف وصلنا إلى هنا؟

لم يظهر هذا النمط من فراغ. حين صارت الصورة وسيلة التسويق الأقوى، تحوّل المطعم عند بعض أصحابه من «مكان يُقدَّم فيه الطعام» إلى «مكان يُصنع فيه المحتوى». جدار زهور هنا، ونيون لافت هناك، وطبق بتقديم مسرحي يصلح للقطة قبل أن يصلح للأكل. ونجحت الفكرة في البداية: الزبائن يتدفقون، والحسابات تنتشر، والقوائم تمتلئ.

لكن الانتشار السريع غالبًا ما يخفي سؤالًا مؤجلًا: كم زبونًا سيعود؟

الاقتصاد الخفي خلف الصورة

من زاوية مستثمر، أفهم الإغراء. الديكور اللافت يصنع حضورًا فوريًا، ويقلل كلفة الإعلان، ويعطي المشروع هوية بصرية تُميّزه. وأنا من المؤمنين بقيمة التصميم، فقد ذكرت مرارًا أن التصميم يبيع قبل أن يبيع المنتج.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول التصميم من وسيلة إلى غاية. فحين يُنفق الجزء الأكبر من رأس المال على الواجهة والديكور، ويُترك المطبخ والجودة والتدريب بميزانية ما تبقى، تظهر ثلاث نتائج متوقعة:

– ارتفاع التكلفة الثابتة: ديكور مكلف يعني استرداد أبطأ، فتُرفع الأسعار لتعويضه.

– ضعف المنتج: يُدفع للزبون ثمن «التجربة البصرية» أكثر مما يُدفع لما في الصحن.

– عمر قصير للاهتمام: الزبون الذي جاء من أجل الصورة يمرّ مرة واحدة، لأن الصورة التُقطت، ولا سبب للعودة.

وهنا الخطر الاقتصادي: مشروع يعتمد على الفضول لا على الولاء، وكلما ظهر مطعم أجمل منه انتقل الفضول إليه.

الزبون: ضحية أم شريك؟

لنكن منصفين، فاللوم ليس على أصحاب المطاعم وحدهم. نحن، الزبائن، جزء من الدورة. حين نختار المطعم من عدد الإعجابات لا من جودة الطعام، ونحجز في الأماكن «الرائجة» لأن الجميع يذهب إليها، ونقبل أسعارًا مبالغًا فيها بحجة أن «التجربة تستاهل»، فإننا نرسل للسوق رسالة واضحة: المظهر يُكافأ.

وبعض الزبائن لا يتضايق من هذا أصلًا؛ فالصورة جزء من المتعة الاجتماعية، والخروج مناسبة للتصوير والمشاركة، وهذا حقهم. لكن المشكلة تظهر حين يدفع الزبون ثمنًا مرتفعًا ثم يشعر بالغبن، فيكتم ملاحظاته مجاملةً أو حرجًا، وبذلك يحرم المطعم من الصدق الذي كان سيصحح مساره.

تقييمات الأصدقاء… وصدق الرأي

من الجوانب التي تزيد المشكلة تعقيدًا أن كثيرًا مما نراه من مديح للمطاعم لا يعكس بالضرورة تجربة زبون عادي دفع من جيبه. فالدعوات الترويجية وتجارب الضيافة المجانية أصبحت جزءًا من أدوات التسويق، وهي مشروعة في ذاتها، لكن الخطر أن يختلط الإعلان بالرأي فلا يميّز المتابع بينهما. وحين يتكرر هذا المشهد، يتشكل انطباع عام بأن المكان «رائج» قبل أن يختبره الجمهور فعلًا.

وأنا لا أتهم أحدًا، لكنني أنصح المتابع بأن يسأل: هل هذه تجربة مدفوعة أم مجانية؟ وهل أُشير إلى ذلك بوضوح؟ فالشفافية هنا تحمي الزبون وتحمي سمعة السوق كله.

ماذا يقول الواقع عن الاستمرارية؟

من واقع ما رأيته خلال سنوات من تقييم المواقع وتطوير مفاهيم المطاعم والمقاهي، المشاريع التي تصمد على المدى الطويل تشترك في صفات واضحة، وليس منها الجمال وحده:

* طعم ثابت: الزبون يعود لأن الطبق الذي أحبه يأتي بالمستوى نفسه في كل زيارة.

* سعر عادل: لا يعني رخيصًا، بل متناسبًا مع ما يُقدَّم فعلًا.

* خدمة محترمة: سرعة، ولباقة، وصدق في التعامل مع الشكاوى.

* نظافة وانتظام: أمور لا تُصوَّر لكنها تُحسّ.

* هوية حقيقية: مفهوم واضح، لا قائمة طويلة تقلّد كل ما هو رائج.

أما المطعم الذي يعتمد على «اللقطة» وحدها فيشبه إعلانًا ناجحًا لمنتج ضعيف: يبيع أول مرة فقط.

ماذا عن الإيجار والموقع؟

بحكم تخصصي العقاري، أضيف نقطة يغفل عنها كثيرون. بعض هذه المشاريع تدفع إيجارات مرتفعة في مواقع «مرموقة» لأن العنوان نفسه جزء من الصورة. وهذا يحمل مخاطرة مزدوجة: إيجار ثقيل، وديكور ثقيل، وهامش ربح ضيق بينهما. وحين تهدأ موجة الإقبال الأولى، يجد صاحب المشروع نفسه أمام التزامات لا يغطيها عدد الزبائن المتبقين.

لذلك أنصح كل مستثمر قبل أن يخصص ميزانية الديكور أن يحسب أولًا: كم طبقًا يجب أن أبيع يوميًا لأغطي الإيجار والرواتب والتكاليف؟ وهل هذا الرقم واقعي بعد انتهاء مرحلة الفضول الأولى، لا في أسبوع الافتتاح؟ فإن لم تصمد الأرقام في السيناريو الهادئ، فلا ينقذها أجمل جدار في المدينة.

هل المظاهر شر كله؟

لا، وهذا ما أريد أن أكون منصفًا فيه. التصميم الجيد والتقديم الجميل والأجواء المدروسة جزء مشروع من تجربة المطعم، وقد يكون سببًا حقيقيًا لإضافة قيمة. المرفوض هو الخلل في الأولويات، أن تأتي الصورة أولًا والطعم أخيرًا، وأن يُحاسَب الزبون على الواجهة بينما يُحاسَب المطبخ بأقل المعايير.

المعادلة الصحية بسيطة: الطعم أساس، والتصميم تعزيز، والتسويق نتيجة. فإذا انعكس الترتيب، دفع الجميع الثمن.

ما الذي يمكن للزبون فعله؟

* اسأل قبل أن تذهب: اقرأ آراء متنوعة، وليس الصور فقط، وانتبه لتعليقات الزبائن المتكررين.

* قارن السعر بما في الصحن: هل الكمية والجودة تتناسب مع ما تدفعه؟

* كن صادقًا في ملاحظاتك: الملاحظة المهذبة الواضحة تخدم المطعم أكثر من الصمت.

* كافئ من يستحق: المطعم الذي يقدم قيمة حقيقية بلا ضجيج يحتاج إلى دعمك أكثر من غيره.

وما الذي يمكن لصاحب المشروع فعله؟

* ابدأ بالمنتج: لا تفتتح قبل أن تثق بأن الطبق يستحق العودة.

* وازن ميزانيتك: خصص للمطبخ والتدريب والجودة ما يوازي ما تخصصه للديكور على الأقل.

* اجعل التصميم خادمًا للتجربة: جماله يجب أن يخدم الجلوس والخدمة والطعم، لا أن ينافسها.

* قِس العودة لا الزيارة: عدد الزبائن المتكررين مؤشر أصدق من عدد الصور المنشورة.

إلى متى تستمر هذه الثقافة؟

سؤال العنوان يستحق إجابة صريحة: ستستمر ما دام هناك زبون يكافئها وسوق يربحها. لكنني أميل إلى أنها ليست دائمة بالشكل الحالي. الزبون الكويتي يتعلم بسرعة، ويقارن، ويسافر، ويعرف الفرق بين التجربة الأصيلة والمشهد المصنوع. وكل خيبة تدفعه للبحث عن القيمة الحقيقية. وفي المقابل، ينضج السوق تدريجيًا حين يدرك المستثمرون أن الفضول مورد ينضب، بينما الولاء أصل يتراكم.

لذلك أتوقع مرحلة أكثر توازنًا: تصميم جميل يحمل خلفه طعمًا أصيلًا، وأسعار تُقنع الزبون بأنه حصل على ما يستحق. والفائزون فيها سيكونون من فهموا أن الصورة تفتح الباب، لكن الطعام وحده يُبقي الزبون داخل البيت.

خلاصة القول

لن تنتهي ثقافة المظاهر بقرار ولا بمقال، لكنها ستتراجع حين يتغير ميزان المكافأة. فحين يختار الزبون الجودة ويدفع من أجلها، ويختار المستثمر الاستمرارية ويبني عليها، يتحول السوق من سباق للفت الانتباه إلى منافسة على كسب الثقة.

والسؤال الذي أتركه لكل صاحب مطعم: لو أُغلقت كاميرات الهواتف غدًا، هل سيبقى زبائنك؟ ولكل زبون: هل ذهبت لتأكل، أم لتُصوِّر؟ فإذا كانت الإجابة صادقة في الاتجاهين، فنحن في الطريق الصحيح.

أحمد الفرج — الخبير العقاري، مستشار عقاري وتطوير أعمال، بخبرة تتجاوز 28 عامًا في اختيار المواقع التجارية، ودراسات الجدوى، وتطوير مفاهيم الأعمال للمطاعم والمقاهي والمحال التجارية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى