اقتصاد الحرب: كيف تعيد الصراعات تشكيل الاقتصاد العالمي؟ (1-4)
بقلم/ د. محمد الشبشيري
Elshebshiry@outlook.com
لم تعد آثار الحروب تُقاس بما تحققه الجيوش على الأرض وحده. فهناك معركة اقتصادية موازية تدور حول الطاقة والتجارة، والتمويل، والتكنولوجيا، والاستثمار. وفي عالم تتشابك فيه سلاسل الإنتاج، قد ينتقل أثر تعطل ميناء أو ارتفاع كلفة الشحن والتأمين إلى المصانع والأسواق، ثم إلى حياة الناس وأسعار السلع التي يشترونها.
تتناول هذه السلسلة اقتصاد الحرب من أربعة جوانب متكاملة: كيف تعيد الصراعات تشكيل الاقتصاد العالمي؟ وكيف تتأثر الأسواق والثروات؟ وكيف تصل الاضطرابات إلى الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد؟ وما الذي تستطيع الأسر والشركات فعله للاستعداد؟ لا تهدف السلسلة إلى إثارة الخوف أو التنبؤ بمكاسب مؤكدة، بل إلى فهم المخاطر وتعزيز القدرة على التعامل معها.
من العولمة إلى إعادة رسم خريطة الإنتاج
على مدى عقود، سعت الشركات إلى نقل الإنتاج إلى المواقع الأقل تكلفة، وتوسيع التجارة والاستثمار عبر الحدود، والاستفادة من مزايا كل دولة. لكن تصاعد التوترات الدولية أضاف اعتبارات جديدة إلى القرارات الاقتصادية. فلم يعد السعر وحده يحدد موقع المصنع أو مصدر المواد الخام؛ إذ باتت استمرارية الإمدادات والأمن القومي وموثوقية العلاقات السياسية أكثر حضوراً.
لذلك، تعيد بعض الحكومات والشركات تقييم اعتمادها على مورد أو دولة واحدة، وتبحث عن بدائل للمواد الخام والمكونات الصناعية. كما عاد الاهتمام بالمخزونات الاستراتيجية، بعدما فضّلت شركات كثيرة تقليصها لخفض تكاليف التشغيل.
ولهذا التحول ثمن. فتنويع الموردين ونقل المصانع والاحتفاظ بمخزون إضافي قد يقلل أخطار الانقطاع، لكنه يرفع التكاليف وقد يضعف بعض مكاسب الكفاءة التي وفرتها العولمة. لم يعد الخيار بسيطاً بين الكلفة والأمان؛ بل أصبح التحدي هو الموازنة بينهما.
وفي هذا السياق، توقع صندوق النقد الدولي، في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في أكتوبر 2026، أن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.1% في 2026، ثم يرتفع النمو إلى 3.4% في 2027. كما توقع ارتفاع التضخم العالمي العام إلى 4.7% في 2026، قبل أن يتراجع إلى 4.1% في 2027. وهذه توقعات وليست نتائج نهائية، وتعكس المعلومات المتاحة حتى 30 سبتمبر 2026.
العقوبات والتمويل: التجارة تتحول إلى أداة ضغط
لم تعد العقوبات الاقتصادية مجرد وسيلة دبلوماسية. فقد تشمل تقييد التعاملات المصرفية، وتجميد الأصول، وحظر تصدير تقنيات معينة، أو الحد من الاستثمار والوصول إلى الأسواق. وتُظهر هذه الأدوات أن النفوذ لا يرتبط بحجم الإنتاج والصادرات وحده، بل أيضاً بموقع الدولة في النظام المالي وقدرتها على التأثير في حركة الأموال والتكنولوجيا والسلع.
لكن أثر العقوبات لا يقتصر على الدولة المستهدفة. فقد تضطر الشركات إلى تغيير مسارات التجارة أو البحث عن قنوات دفع بديلة، وتتحمل تكاليف أعلى للامتثال والتمويل. كما يزداد الغموض بشأن العقود والاستثمارات طويلة الأجل، وقد يتراجع الترابط الاقتصادي إذا اتسع استخدام القيود التجارية والمالية.
الطاقة والممرات البحرية: حين يصبح الموقع مصدراً للنفوذ
تؤثر اضطرابات الطاقة في الدول المصدرة والمستوردة بطرق مختلفة. فقد تستفيد الدول المصدرة مؤقتاً من ارتفاع الأسعار، بينما تواجه الدول المستوردة فاتورة طاقة أكبر، وتكاليف أعلى للإنتاج والنقل، وضغوطاً على الموازنات والعملات.
وتبرز أهمية الممرات البحرية الاستراتيجية، ومنها مضيق هرمز، لأن ارتفاع أخطار المرور قد ينعكس على تكاليف التأمين والشحن. ولا يقتصر الأثر على النفط والغاز، بل قد يمتد إلى المواد الخام والسلع التي تعتمد عليها صناعات كثيرة. لذلك، لا يكفي امتلاك الموارد وحده؛ فالموانئ وشبكات النقل والتخزين والقدرة على التصدير عوامل تحدد الوزن الاقتصادي للدولة.
وفي الوقت نفسه، يزداد الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة وشبكات النقل والتخزين. ولا يرتبط هذا التحول بالاعتبارات البيئية وحدها، بل أيضاً بمحاولة تقليل الاعتماد على مصدر واحد وتعزيز أمن الإمدادات.
الاستثمار والصناعة: من الكفاءة إلى الأمان
تدفع حالة عدم اليقين بعض الشركات إلى إعادة تقييم مواقع مصانعها ومراكز توزيعها. فالموقع الذي كان جذاباً بسبب انخفاض الأجور أو الضرائب قد يصبح أقل جاذبية إذا ارتفعت مخاطر النقل أو الإمداد أو القيود التجارية. وقد تستفيد بعض الدول من انتقال استثمارات جديدة إليها، فيما تخسر دول أخرى فرصاً إذا كانت بنيتها التحتية ضعيفة، أو كان تمويلها محدوداً، أو بيئتها السياسية غير مستقرة.
ولا يقتصر التنافس على المصانع؛ فهو يشمل أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية والطاقة والاتصالات. ومع تزايد أهمية هذه القطاعات للأمن القومي والقدرة التنافسية، يتوسع دور الحكومات في تقديم الحوافز وتوجيه الاستثمار. غير أن هذا التنافس قد يصبح مكلفاً إذا أدى إلى تكرار الاستثمارات أو إلى قيود تعرقل انتقال التكنولوجيا والخبرات.
من يكسب ومن يتحمل الكلفة؟
لا تتوزع آثار الحروب بالتساوي. فقد تحقق الدول المصدرة للطاقة إيرادات إضافية لفترة، بينما تواجه الاقتصادات المستوردة صدمات الأسعار. وقد تجذب دول أخرى مصانع واستثمارات جديدة. لكن هذه المكاسب ليست تلقائية ولا مضمونة؛ فهي تتطلب بنية تحتية مناسبة، وقوى عاملة مؤهلة، وتمويلاً متاحاً، وبيئة مستقرة.
كما أن ارتفاع إيرادات الطاقة لا يعني وحده تنوع الاقتصاد. فإذا لم تُستثمر هذه الموارد في الصناعة والخدمات والإنتاج وفرص العمل، فقد تتبدد المكاسب مع تراجع الأسعار أو تغير الظروف. وفي المقابل، قد تتحمل الاقتصادات النامية تكاليف تمويل أعلى وضغوطاً على العملة والدين، حتى إن لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع.
الصمود الاقتصادي يبدأ قبل الأزمة
بالنسبة إلى الاقتصادات العربية والخليجية، لا يقتصر التحدي على الاستفادة من تغير أسعار النفط؛ بل يشمل توظيف الموارد في تنويع الإنتاج، وتطوير صناعات ذات قيمة مضافة، وتعميق الأسواق المالية، وتحسين الخدمات اللوجستية، وتعزيز التجارة والاستثمار.
كما أن الأمن الاقتصادي لم يعد يعني توافر المال وحده. فهو يشمل أمن الغذاء والطاقة، وتعدد مصادر الاستيراد، والوصول إلى التكنولوجيا، وحماية البنية التحتية، وضمان استمرار الخدمات الأساسية. ولا تُقاس قوة الاقتصاد بحجم موارده فقط، بل بقدرته على مواصلة العمل والتكيف عندما تتعرض الإمدادات أو الأسواق لصدمة.
بهذا المعنى، لا يقتصر اقتصاد الحرب على الإنفاق العسكري أو ارتفاع أسعار السلع؛ بل يتشكل عند تقاطع الأمن والسياسة وقرارات الإنتاج والتجارة والاستثمار. والدول الأقدر على مواجهته ليست بالضرورة صاحبة الموارد الأكبر، بل تلك التي تحسن تحويل مواردها وشراكاتها وموقعها إلى إنتاجية ومرونة.
وفي المقال الثاني، ننتقل من الاقتصاد العالمي إلى الأسواق والثروات الفردية: كيف تتحرك البورصات والذهب والعقارات؟ وأين ينتهي التحوّط الذي يخفف المخاطر، وتبدأ المضاربة التي تراهن على اتجاه الحرب؟




