عندما يفقد الضمان قيمته الائتمانية: لماذا استبعد «المركزي» قسائم أملاك الدولة؟
-
رسالة واضحة: الضمان الذي لا يمكن الاعتماد عليه وقت الحاجة… لا يُحسب كضمان رقابي
بقلم/ د. علي عويد رخيص
خبير اقتصادي ومحاسبي
مؤس ومدير عام – مكتب الواحة لتدقيق الحسابات عضو Nexia
رئيس لجنة أمناء إفلاس شركة دار الاستثمار TID
المقدمة
في عالم الائتمان، ليست كل الأصول ضمانات، وليست كل قيمة اقتصادية قيمة ائتمانية. فالممول لا ينظر فقط إلى قيمة الأصل على الورق، وإنما إلى قدرته على الاعتماد عليه فعلياً إذا تعثر العميل وتطلب الأمر تنفيذ الضمان وتسييله.
من هذا المنطلق تأتي خطوة بنك الكويت المركزي بتوجيه البنوك المحلية وشركات الاستثمار وشركات التمويل بعدم الاعتماد على قسائم أملاك الدولة كضمانات مقابل التسهيلات الائتمانية، وعدم إدراجها ضمن الضمانات المحتسبة لأغراض استيفاء المتطلبات الرقابية.
القرار، في ظاهره، إجراء رقابي فني، لكنه في جوهره يحمل رسالة أوسع إلى القطاع المالي: جودة الضمان لا تقاس بمجرد وجود قيمة له، وإنما بمدى قابليته للتقييم والتنفيذ والتسييل عند الحاجة. وهذا يعكس نهجاً تحوطياً يهدف إلى رفع جودة الأصول الائتمانية وتقليل المخاطر التي قد تتكشف في أوقات الضغط.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن قسائم أملاك الدولة فقدت قيمتها الاقتصادية أو أصبحت بلا قيمة، وإنما يعني أن قدرتها على أداء دور الضمان الائتماني المعترف به رقابياً لم تعد بالمستوى الذي يسمح باحتسابها ضمن المتطلبات الرقابية. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين «قيمة الأصل» و«قوة الضمان».
أولاً: لماذا لم تعد قسائم أملاك الدولة مقبولة كضمان رقابي؟
السبب الرئيسي يرتبط بطبيعة الحق المرتبط بالقسيمة وبمدى قدرة الممول على تحويل هذا الحق إلى قيمة نقدية مؤكدة وفي الوقت المناسب عند التعثر. ويمكن تلخيص أبرز المخاطر في ثلاثة محاور:
- المخاطر القانونية والتنفيذية: قد تكون حقوق الانتفاع أو الحقوق المرتبطة بالقسيمة خاضعة لشروط وقيود تنظيمية وعقدية، وهو ما قد يؤثر في قدرة الدائن على التنفيذ أو نقل الحق أو تسييله عند تعثر العميل.
- مخاطر التقييم والسيولة: غياب سوق ثانوية نشطة وشفافة لبعض أنواع القسائم قد يجعل تحديد قيمة سوقية موثوقة أكثر صعوبة، كما قد يرفع الفارق بين القيمة النظرية والقيمة التي يمكن تحقيقها فعلياً عند البيع تحت ضغط.
- المخاطر الرقابية: الأطر الحديثة لإدارة مخاطر الائتمان تركز على جودة الضمان، وقابليته للتقييم والتنفيذ والتسييل، وليس فقط على وجود قيمة اسمية أو تقديرية له. ومن ثم فإن عدم الاعتراف الرقابي بضمان معين لا يعني انعدام قيمته الاقتصادية، وإنما يعني أنه لا يوفر مستوى الحماية الذي يتطلبه الإطار الرقابي لاحتسابه ضمن الضمانات المؤهلة.
ومن المهم الإشارة إلى أن بعض البنوك كانت تتحوط مسبقاً في هذا الملف، من خلال التركيز على المنشآت المقامة على القسائم وتدفقاتها النقدية التشغيلية، بدلاً من الاعتماد على القسيمة وحدها. أما التوجيه الجديد فيرفع هذا النهج من مستوى الممارسة التحوطية الداخلية إلى متطلب رقابي ينبغي أخذه في الاعتبار عند إدارة المحافظ الائتمانية.
ثانياً: الفرق بين قيمة الأصل وقوة الضمان
هذه النقطة هي المفتاح لفهم القرار. فقد تكون للقسيمة قيمة اقتصادية أو سوقية من وجهة نظر المالك أو المستثمر، لكن ذلك لا يعني تلقائياً أنها ضمان ائتماني مؤهل للاحتساب الرقابي.
فالممول لا يسأل فقط: «كم تساوي القسيمة؟» بل يسأل أيضاً: هل يمكن تنفيذ الحق عليها؟ هل يمكن تسييلها عند التعثر؟ كم يستغرق ذلك؟ هل توجد سوق واضحة وشفافة؟ وهل يمكن تحديد قيمتها بصورة موثوقة في الظروف العادية وتحت الضغط؟
لذلك، فإن الضمان القوي ليس بالضرورة هو الأصل الأعلى قيمة، وإنما الأصل الذي يجمع بين القيمة، وقابلية التنفيذ، وسرعة التسييل، ووضوح الحقوق القانونية، وإمكانية التقييم الموثوق.
وهنا تتغير المعادلة من «قيمة الضمان» إلى «قابلية الاعتماد على الضمان»؛ وهي نقلة مهمة في مفهوم إدارة المخاطر الائتمانية الحديثة.
ثالثاً: ماذا طلب «المركزي» من البنوك والشركات؟
يمكن قراءة التوجيه في ثلاثة محاور رئيسية:
- وقف الاعتماد مستقبلاً: عدم قبول قسائم أملاك الدولة كضمان جديد للتسهيلات الائتمانية أو عمليات التمويل، وفق نطاق التوجيه وتعليماته.
- الاستبعاد من التقارير: عدم احتسابها ضمن الضمانات المعترف بها عند إعداد المتطلبات والنسب الرقابية والتقارير الدورية ذات الصلة.
- مراجعة الوضع القائم: فحص المحافظ الائتمانية التي تتضمن هذه القسائم وتقييم الحاجة إلى ضمانات بديلة، مع منح العملاء والبنوك مساحة زمنية كافية لترتيب أوضاعهم بصورة منظمة.
وتكتسب عبارة «فترة كافية» أهمية كبيرة؛ لأنها تعكس رغبة في الانتقال المنظم وليس إحداث صدمة مفاجئة في السوق أو سحب التسهيلات القائمة بصورة قد تؤثر في النشاط الاقتصادي. ولذلك ستكون إدارة المرحلة الانتقالية عاملاً مهماً في تحديد حجم الأثر الفعلي للقرار.
رابعاً: ما الذي يبقى مقبولاً كضمان؟
القرار لا يعني إغلاق باب التمويل، وإنما إعادة توجيهه نحو ضمانات تتمتع بدرجة أعلى من الوضوح والقابلية للتقييم والتنفيذ والتسييل، وفقاً للمتطلبات الرقابية والسياسات الائتمانية لكل جهة. ومن أبرز الأمثلة:
- العقارات المملوكة ملكية تامة والموثقة بوثائق تمليك نهائية، وفق الشروط الرقابية المعمول بها.
- الودائع النقدية والحسابات الجارية والثابتة، بحسب شروط الاعتراف بها.
- الكفالات البنكية والخطابات الضامنة المؤهلة.
- الأسهم المتداولة ذات السيولة الجيدة، وفق الحدود والضوابط المعتمدة.
- أي ضمان آخر يمكن تقييمه وتنفيذه وتسييله بصورة موثوقة وفق الأطر الرقابية والسياسات الائتمانية.
خامساً: الأثر المتوقع على الأطراف المختلفة
| الطرف
|
الأثر المتوقع
|
| البنوك
|
ارتفاع متطلبات التحوط لبعض العملاء، وزيادة التركيز على جودة الضمانات وقدرة العميل على السداد والتدفقات النقدية، مع احتمال طلب ضمانات إضافية في بعض الحالات.
|
| شركات الاستثمار والتمويل
|
قد يكون الأثر أكبر نسبياً على الجهات التي تعتمد بدرجة أعلى على ضمانات أقل جودة أو أقل سيولة، ما قد يدفعها إلى إعادة تقييم محافظها الائتمانية.
|
| الأفراد والشركات
|
قد يواجه العملاء الذين لديهم تسهيلات قائمة على قسائم أملاك الدولة طلبات لتقديم ضمانات بديلة أو تعزيز الضمان عند التجديد أو إعادة الهيكلة، بحسب حالة كل تسهيل.
|
| الشركات الصغيرة والمتوسطة والمقاولون
|
قد تكون هذه الفئة أكثر حساسية للقرار إذا كانت تعتمد على القسائم أو الأصول المرتبطة بها للحصول على تمويل تشغيلي؛ وقد يكون التحدي الأكبر هو المحافظة على السيولة ودورة الأعمال.
|
| سوق العقار
|
قد يتراجع جزء من الطلب على القسائم الذي كان مدفوعاً بالقدرة على استخدامها للحصول على تمويل مصرفي، بينما قد يبقى الطلب المرتبط بالاستخدام الفعلي أو الاستثمار طويل الأجل أكثر استقراراً.
|
سادساً: هل يعني القرار أن قسائم أملاك الدولة فقدت قيمتها؟
الإجابة: لا. وهنا يجب التفريق بين القيمة الاقتصادية للأصل وبين صلاحيته كضمان ائتماني معترف به رقابياً.
فالقسيمة قد تظل ذات منفعة اقتصادية أو تشغيلية أو استثمارية للمالك، لكن عدم الاعتراف بها كضمان رقابي قد يقلل من جاذبيتها لدى المستثمر الذي كان يعتمد على قدرتها في دعم التمويل المصرفي.
وبالتالي، فإن الأثر المحتمل لا يتمثل بالضرورة في انخفاض قيمة جميع القسائم، وإنما في تغير العلاقة بين القسيمة والتمويل: الأصل الذي كان يساعد على الحصول على الائتمان قد يحتاج مستقبلاً إلى دعم بضمانات أخرى أكثر سيولة ووضوحاً.
سابعاً: ماذا يعني القرار بالنسبة إلى تكلفة التمويل؟
كلما انخفضت جودة الضمان من منظور الجهة الممولة، زادت الحاجة إلى الاعتماد بصورة أكبر على الجدارة الائتمانية للعميل وتدفقاته النقدية أو طلب ضمانات إضافية. وقد ينعكس ذلك في بعض الحالات على حجم التمويل المتاح، أو شروطه، أو هامش الأمان المطلوب، أو تكلفة التمويل.
وهذا يعني أن الأثر الحقيقي للقرار لن يظهر فقط في سجلات الضمانات، بل قد ينتقل إلى الاقتصاد الحقيقي عبر العلاقة التالية:
جودة الضمان ← قدرة البنك على تحمل المخاطر ← شروط الائتمان ← تكلفة التمويل ← سيولة العميل ← النشاط التشغيلي.
ومن هنا تبرز أهمية أن تبدأ الشركات والعملاء مبكراً في مراجعة هيكل تمويلهم، وعدم انتظار موعد التجديد أو إعادة التقييم الائتماني لبدء البحث عن البدائل.
ثامناً: الرسالة الأكبر من القرار
هذا التوجيه ليس ضد قسائم أملاك الدولة بحد ذاتها، وإنما هو رسالة إلى القطاع المالي بأن مفهوم الضمان يتجه نحو مزيد من الصرامة والواقعية.
لم يعد السؤال فقط: «ما قيمة الأصل؟» بل أصبح السؤال الأهم: «ماذا سيحدث لقيمة هذا الأصل عندما نحتاج إلى تسييله؟»
وهذا جوهر إدارة المخاطر الحديثة: أن يكون لدى الممول أصل أو حق يمكن الاعتماد عليه في الظروف العادية، والأهم أن يحتفظ بقدر معقول من قابليته للتنفيذ والتسييل عندما تتغير الظروف.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى القرار باعتباره جزءاً من نهج تحوطي يهدف إلى تعزيز متانة القطاع المصرفي، ورفع جودة الأصول الائتمانية، وتقليل احتمالات تضخم المخاطر الكامنة داخل الميزانيات.
تاسعاً: ماذا ينبغي أن تفعل البنوك والعملاء الآن؟
المرحلة المقبلة تتطلب إدارة نشطة وليست انتظاراً حتى موعد الاستحقاق أو التجديد. وعلى البنوك مراجعة التسهيلات المتأثرة وتصنيف العملاء بحسب مستوى المخاطر والحاجة إلى ضمانات بديلة، بينما ينبغي على العملاء مراجعة هيكل التمويل ومصادر السيولة والبدائل الممكنة.
أما الشركات الصغيرة والمتوسطة والمقاولون، فينبغي أن يركزوا بصورة أكبر على قوة التدفقات النقدية، وتنويع مصادر التمويل، وترتيب الضمانات البديلة، وفتح الحوار مبكراً مع الجهات الممولة.
فالحوار المبكر وترتيب الأوضاع اليوم أفضل بكثير من مواجهة مفاجأة تمويلية غداً.
الخاتمة
قرار بنك الكويت المركزي باستبعاد قسائم أملاك الدولة من الضمانات ليس مجرد إجراء فني يتعلق بكيفية احتساب الضمانات، بل يعكس تحولاً أعمق في طريقة النظر إلى جودة الأصول الائتمانية.
الرسالة الأهم ليست أن بعض الضمانات خرجت من الحسابات، وإنما أن مفهوم الضمان نفسه يتغير. ففي الماضي كان السؤال: «كم تبلغ قيمة الأصل؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «ماذا سيحدث لقيمة هذا الأصل عندما نحتاج إلى تسييله؟»
وهنا يكمن جوهر إدارة المخاطر الحديثة. فالضمان الحقيقي ليس ما يبدو ثميناً في أوقات الرخاء، وإنما ما يحتفظ بقيمته وقابليته للتنفيذ والتسييل عندما تتغير الظروف.
وعلى البنوك والعملاء أن يستغلوا الفترة الانتقالية بحكمة لإعادة ترتيب الأوضاع، وبناء هياكل تمويل أكثر متانة، وتنويع الضمانات ومصادر السيولة.
هذا القرار لا يهدف إلى التضييق على التمويل، بقدر ما يهدف إلى حماية جودته واستدامته؛ لأن النظام المالي الأقوى هو الذي لا يكتشف قيمة ضماناته عندما تقع الأزمة، بل يعرف مسبقاً أي ضمان يمكن الاعتماد عليه عندما تأتي الأزمة.
وباختصار، يمكن تلخيص الرسالة في قاعدة واحدة:
«الضمان ليس ما تملكه على الورق… بل ما تستطيع الاعتماد عليه وقت الحاجة.»




