الأسواق والثروة في زمن الحرب: بين التحوّط والمضاربة (2-4)
بقلم/ د. محمد الشبشيري
Elshebshiry@outlook.com
عندما تندلع الحرب، تتجه أنظار المستثمرين سريعاً إلى البورصات، وأسعار الذهب، والعملات، والعقارات. ويبحث كثيرون عن إجابات مباشرة: ما الأصول التي سترتفع؟ وما الأسواق التي ستتراجع؟ وكيف يمكن حماية الثروة؟
لكن التجارب التاريخية والبيانات الحديثة تُظهر أن الأسواق لا تتحرك وفق قاعدة واحدة. فقد تتراجع في بداية الصدمة ثم تتعافى، وقد ترتفع بعض الأصول بينما تتراجع أخرى، حتى داخل السوق الواحدة. لذلك، قد يكون التعامل مع الحرب بوصفها فرصة مؤكدة للمضاربة أكثر خطورة من الصدمة نفسها.
ماذا تقول تجربة الأسواق في 2026؟
منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026، تباينت قدرة الأسواق العالمية على امتصاص الصدمة. غير أن أداء المؤشرات العالمية لا يعكس أثر الحرب وحدها؛ إذ تتداخل معه عوامل أخرى، مثل نتائج الشركات، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وتوقعات أسعار الفائدة، والسياسات النقدية.
أما البورصات الخليجية، فقد سجلت أداءً متبايناً في سبتمبر. ارتفعت سوق دبي بنسبة 2.1% وأبوظبي بنسبة 0.6%، بينما تراجعت السعودية بنسبة 6.2%، وقطر بنسبة 5.7%، والبحرين بنسبة 1.5%، والكويت بنسبة 1.3%، وعُمان بنسبة 0.5%.
ومنذ بداية العام وحتى نهاية سبتمبر، تصدرت سلطنة عُمان المكاسب بارتفاع بلغ 29%، تلتها أبوظبي بزيادة 0.8%. وفي المقابل، سجلت قطر أكبر تراجع، بنسبة 14.1%، تلتها البحرين بنسبة 7.7%، ثم دبي والكويت بنسبة 1.4% لكل منهما، والسعودية بنسبة 0.5%.
وتوضح هذه الأرقام أن الأسواق الخليجية لم تتحرك كتلة واحدة؛ فقد اختلف أداؤها تبعاً لتركيبتها القطاعية، ومستويات السيولة، ومصادر إيرادات الشركات، ومدى تعرض الاقتصادات المحلية للمخاطر الإقليمية.
هل يدعم ارتفاع النفط الأسهم تلقائياً؟
أشار تحليل لـMSCI، نُشر في مارس 2026، إلى أن العلاقة بين أسعار النفط والأسهم أصبحت سلبية في أربع من الأسواق الخليجية الست خلال الأسابيع الأولى من الحرب. وحتى 20 مارس، تراجعت قطاعات العقارات بنسبة 22%، وتكنولوجيا المعلومات بنسبة 12%، والصناعة بنسبة 10%. كما أظهر التحليل أن نحو 80% من إيرادات سوق الأسهم الخليجية محل الدراسة مرتبطة بالنشاط الاقتصادي المحلي.
وتفسر هذه النتائج لماذا لا تكفي زيادة إيرادات الطاقة لضمان صعود الأسهم. فقد تتضرر الأنشطة المحلية من اضطراب الاستثمار والتجارة والسياحة والتمويل، حتى مع ارتفاع أسعار النفط.
الذهب والعقارات: هل هما ملاذان مضمونان؟
الذهب: ملاذ آمن أم أصل متقلب؟
غالباً ما يُنظر إلى الذهب بوصفه ملاذاً آمناً، لكنه لا يرتفع باستمرار خلال الأزمات. ففي 30 أكتوبر 2026، هبط سعر الذهب الفوري إلى نحو 3,881 دولاراً للأونصة، مسجلاً أدنى مستوى له منذ أكتوبر 2025، وفقاً لرويترز.
يتأثر الذهب بعوامل متعددة، منها قوة الدولار، وتوقعات أسعار الفائدة، والتضخم، وحاجة المستثمرين إلى السيولة. لذلك، قد يُستخدم لتنويع المخاطر والتحوّط، لكنه لا يضمن الربح في كل أزمة.
العقارات: تباين النشاط والأسعار
يعتقد بعض المستثمرين أن العقار أكثر أماناً لأنه أصل ملموس، لكنه يتأثر بتراجع السيولة وارتفاع تكاليف التمويل والتأمين والبناء.
وتقدم سوق دبي مثالاً حديثاً. فبحسب تقرير شركة سافيلز للربع الثالث من 2026، سجلت السوق نحو 34,500 صفقة سكنية، بقيمة إجمالية بلغت 70.8 مليار درهم، مع تراجع عدد الصفقات بنسبة 4% مقارنة بالربع السابق. وعزت الشركة جانباً من التباطؤ إلى انخفاض إطلاق المشروعات الجديدة على الخارطة، مشيرةً إلى أن الأسعار عند مقارنة العقارات المتماثلة ظلت مستقرة نسبياً.
ومن المهم التمييز بين عدد الصفقات وقيمتها الإجمالية وأسعار العقارات نفسها؛ فتراجع النشاط لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار بالمقدار ذاته.
دروس من التاريخ: الأسهم خلال الحرب العالمية الثانية
تُظهر تجربة مؤشر داو جونز أن الحرب لا تعني بالضرورة هبوطاً مستمراً للأسواق. فقد انخفض متوسط المؤشر الشهري من 111.50 نقطة في ديسمبر 1941 إلى 97.70 نقطة في أبريل 1942، أي بنحو 12.4%. ثم تعافى ليصل إلى 192.44 نقطة في ديسمبر 1945، بزيادة تقارب 97% مقارنة بمستواه في أبريل 1942.
والدرس أن الأسواق لا تسعّر الأحداث العسكرية بمعزل عن غيرها، بل تتأثر أيضاً بقدرة الاقتصادات والشركات على التكيف وبالتوقعات المتعلقة بالأرباح المستقبلية.
التحوّط ليس مضاربة
يختلف التحوّط عن المضاربة في الهدف وطريقة التعامل مع المخاطر. فالتحوّط يهدف إلى الحد من أثر المخاطر المحتملة على الثروة، ويمكن أن يستند إلى تنويع الأصول وتوزيع الاستثمارات. أما المضاربة فتهدف إلى تحقيق أرباح من تحركات الأسعار، وتعتمد بدرجة أكبر على توقع اتجاه السوق وتوقيت الدخول والخروج؛ ولذلك قد تنطوي على مخاطر مرتفعة.
مثال توضيحي إذا كانت قيمة محفظة مستثمر 100 ألف دولار، وخصص 50% منها لسهم واحد ثم انخفض السهم بنسبة 40%، فستبلغ خسارة المحفظة 20 ألف دولار. أما إذا خصص 10% فقط للسهم نفسه، فستبلغ الخسارة 4 آلاف دولار، بافتراض ثبات قيمة بقية الاستثمارات.
الخلاصة
لا تقدم الحرب وصفة استثمارية جاهزة. فحماية الثروة ترتبط بإدارة المخاطر وتوزيع الأصول وتوفير السيولة، لا بمحاولة التنبؤ الدقيق باتجاه السوق وتوقيت تحركاته.
وإذا كانت الأسواق تنقل صدمة الحرب إلى قيمة الأصول، فإن أثرها يمتد أيضاً إلى تكلفة المعيشة والإنتاج. وهذا ما يتناوله المقال المقبل: «الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد: كيف تنتقل كلفة الحرب إلى حياتنا؟»




