مقالات

Kuwait OTC Fund… صندوق للأسهم المدرجة في السوق الموازي

 

بقلم : خـالد كـرم

 

عندما أسس الأخ الصديق مهند الصانع أول موقع إلكتروني لتداول الأسهم غير المدرجة عام 2007 كان يستهدف تجميع وعرض معلومات الشركات غير المدرجة بشفافية، كان له بعد نظر في إيجاد منصة لا تقف فقط عند حد إتمام صفقات الشراء والبيع، بل في ردم فجوة المعلومات التاريخية من أخبار الشركات ومعلومات المساهمين، ومتابعة إجراءات الشركات من توزيع أرباح إلى قرارات الجمعيات العمومية ومواعيدها التي كانت في الغالب مشتتة ويصعب الوصول لها آنذاك، وبعد أن أصبحت منصة الموازي مرجع معتمد للجميع دون منافس قامت بورصة الكويت في عام 2018 بإطلاق نظام تداول الأوراق المالية غير المدرجة OTC ليصبح نظام استثماري موثوق لمن يرغب بتداول الشركات التي أما كانت مدرجة وتم شطبها بقرار، أو التي انسحبت لأسباب متعددة، أو تلك التي لم تدرج في السوق الثانوي الرسمي منذ التأسيس.

اليوم، ومع ارتفاع عدد الشركات المدرجة في سوق OTC والذي يفوق عددها 2000 شركة فإننا نعتقد أنه حان الوقت لتقديم منتج استثماري يحاكي عدد من الشركات، التي بكل تأكيد لديها نتائج مميزة وتوزيعات مستدامة ومجالس إدارة تعمل على نجاح شركاتها، لكنها تواجه تحديات عديدة أبرزها محدودية السيولة وضعف أحجام التداول، ولربما تشتت الملكيات بين عدد من المساهمين، فضلا عن تفاوت مستويات الإفصاح والمعلومات المتاحة، الأمر الذي يجعل عملية التخارج قد تستغرق فترات زمنية طويلة.

من تلك التحديات والنجاح التاريخي لمنصة OTC، تبرز لنا فكرة تأسيس صـنـدوق استثماري يعمل على تجميع أسهم الشركات التشغيلية والتي سيتم تقييمها تقييم عادل، حيث سيكون الصندوق رافد رئيسي لحركة السيولة على تلك الشركات، ما يعني أنه يتم خلق صانع سوق بشكل غير مباشر يعمل على خلق سيولة تتدفق إلى السوق الموازي من خلال عمليات التداول على أبرز الشركات التشغيلية والناجحة.

الفكرة الاستثمارية وآلية عمل الصندوق:

تقوم الفكرة على تأسيس صندوق ملكية خاصة مغلق، يكون نشاطه الرئيسي الاستثمار في أسهم الشركات غير المدرجة والمتداولة عبر منصة  OTCببورصة الكويت، مع استهداف بناء محفظة متنوعة من تلك الشركات وفق معايير استثمارية ومالية محددة.

وتتمثل إحدى أهم الخصائص المقترحة للصندوق في اعتماد آلية الاشتراك العيني  (In-Kind Subscription)، بحيث لا تقتصر مساهمة المستثمرين على ضخ الأموال النقدية، وإنما يمكن للمساهم الذي يمتلك أسهما في إحدى الشركات المستهدفة تقديم تلك الأسهم إلى الصندوق، بعد تقييمها وفق منهجية مستقلة ومعتمدة، مقابل إصدار وحدات استثمارية تعادل القيمة المقبولة لمساهمته.

وبذلك تنتقل ملكية الأسهم إلى الصندوق، ويصبح المساهم السابق مالكا لوحدات استثمارية تمثل حصته النسبية في محفظة متنوعة من الشركات.

وتتيح طبيعة الصندوق المغلق الاحتفاظ بالاستثمارات لفترات زمنية تتناسب مع طبيعة الشركات غير المدرجة، دون الارتباط بالتزامات استرداد دورية قد تضطر مدير الصندوق إلى تسييل أصوله في ظروف سوقية غير ملائمة.

تحويل الملكيات غير السائلة إلى وحدات استثمارية

تتمثل الميزة الأكثر وضوحا في توفير قناة بديلة للمساهمين الراغبين في إعادة هيكلة استثماراتهم في شركات الــ OTC . فبدلا من محاولة بيع الأسهم في سوق قد لا يشهد تداولات كافية، يستطيع المساهم، متى استوفى شروط الاشتراك وقبلت أسهمه، تقديمها عينيا للصندوق والحصول على وحدات استثمارية تمثل حصته في محفظة متنوعة.

وهذا يوفر للمساهم خيارا استثماريا إضافيا، يتمثل في استبدال ملكيته المباشرة في شركة واحدة بملكية غير مباشرة في مجموعة من الشركات، مع الاستفادة من الإدارة المؤسسية والتنويع.

تنشيط سوق OTC وتوفير مصدر جديد للسيولة 

الصندوق (الفكرة) لن يقتصر دوره على استقبال الأسهم المقدمة عينيا من المساهمين، بل يمكن أن يخصص جزءا من موارده النقدية لشراء أسهم شركات مستهدفة من خلال التداولات المتاحة في السوق، وفق سياسته الاستثمارية والضوابط التنظيمية.

ومن شأن وجود مستثمر مؤسسي يمتلك قدرة شرائية واستراتيجية استثمارية واضحة أن يساهم في تحفيز الطلب على بعض الأسهم، وزيادة فرص تنفيذ الصفقات، وتشجيع المساهمين على إعادة تقييم خياراتهم الاستثمارية.

ويمكن تصور دور الصندوق باعتباره محفزا للسيولة Liquidity Catalyst، أو بمثابة صانع سيولة للسوق، من خلال توفير طلب استثماري منظم ومستمر نسبيا على مجموعة من الشركات المستهدفة.

وهذا الدور قد يساهم في تحسين حركة التداول وتقليل الاعتماد على التعاملات الفردية المحدودة، فضلا عن تعزيز الاهتمام المؤسسي بالشركات التي تعاني من ضعف النشاط التداولي.

ومن المهم التمييز هنا بين الدور الاقتصادي للصندوق في توفير الطلب والسيولة، وبين نشاط صانع السوق (Market Making) باعتباره نشاطا منظما يتطلب الترخيص والتسجيل والالتزام بمتطلباته الرقابية. فالصندوق لا يصبح صانع سوق مرخصا لمجرد شرائه وامتلاكه للأسهم، وإنما يمكنه التعاون مع صانع سوق مرخص إذا استدعت آلية التداول ذلك.

كما ينبغي أن تكون عمليات الشراء مبنية على اعتبارات استثمارية مستقلة، لا على هدف دعم أسعار الأسهم أو المحافظة على مستويات سعرية مصطنعة.

تنويع المخاطر وتقليل الاعتماد على شركة واحدة

يمنح الصندوق المستثمر فرصة التعرض لمجموعة من الشركات والقطاعات بدلا من تحمل المخاطر المرتبطة بالاستثمار في شركة منفردة.

فقد يمتلك المساهم حصة في شركة واحدة، بينما تتيح له وحدات الصندوق المشاركة بصورة غير مباشرة في محفظة تضم شركات متعددة، وفق الأوزان والسياسة الاستثمارية المعتمدة.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في سوق تتفاوت فيه الأوضاع المالية والتشغيلية ومستويات المخاطر بين الشركات.

 

الإدارة المؤسسية والرقابة الاستثمارية

 

يؤدي تجميع الاستثمارات تحت إدارة مدير صندوق متخصص إلى توحيد إجراءات التحليل المالي والتقييم والمتابعة وإدارة المخاطر.

كما يمكن للصندوق أن يضع معايير واضحة لاختيار الشركات، تشمل المركز المالي، وجودة الأصول، ومستوى المديونية، والربحية، والتدفقات النقدية، والحوكمة، وفرص النمو والتوسع.

وبذلك ينتقل الاستثمار من قرارات فردية متفاوتة إلى سياسة استثمارية مؤسسية أكثر انضباطا.

تعزيز الشفافية وجودة المعلومات

يمكن للصندوق أن يتبنى سياسة إفصاح دورية تتجاوز الحد الأدنى من المعلومات المتاحة للمساهم الفردي، من خلال إعداد تقارير عن أداء المحفظة، والقيمة العادلة للاستثمارات، والتغيرات الجوهرية في أوضاع الشركات، ومخاطر التركز والسيولة.

كما يمكن أن يشكل وجود مستثمر مؤسسي في بعض الشركات حافزا لتطوير ممارسات الحوكمة والإفصاح لديها، ورفع جودة البيانات المالية المتاحة للمستثمرين.

نواة استثمارية لإطلاق صندوق ETF مستقبلا

 لا ينبغي النظر إلى صندوق OTC المغلق باعتباره منتجا استثماريا مستقلا فحسب، بل يمكن أن يمثل المرحلة التأسيسية لمشروع أكبر يتمثل في إطلاق صندوق مؤشرات متداول (ETF) متخصص في الشركات الكويتية.

فمن خلال الصندوق المغلق يمكن بناء قاعدة من الخبرات والأصول والبيانات الاستثمارية التي تساعد على تطوير هذا المنتج مستقبلا.

توفير آلية منظمة لإعادة هيكلة الملكيات

 قد يساهم المشروع في معالجة مشكلة تشتت الملكيات، خصوصا في الشركات التي تضم أعدادا كبيرة من المساهمين، من خلال إتاحة خيار نقل بعض هذه الملكيات إلى صندوق استثماري متخصص.

كما يمكن للصندوق، وفق صلاحياته وموافقاته، أن يدرس فرص الاستثمار طويل الأجل، أو الدخول في عمليات إعادة هيكلة، أو دعم الشركات التي تمتلك فرصاً حقيقية للنمو والتوسع.

التحديات التنظيمية وإمكانية إدراج وحدات الصندوق

 فبينما تسمح اللائحة بتأسيس صناديق الملكية الخاصة للاستثمار في الشركات غير المدرجة، وتتيح الاشتراك العيني في صناديق الطرح الخاص وفق الضوابط، فإن إدراج وحدات صندوق خاص في البورصة يثير تساؤلات تتعلق بتوافق شروط الإدراج مع طبيعة الطرح الخاص وقصر المشاركة على العملاء المحترفين.

وعليه، فإن الحصول على رأي واضح من هيئة أسواق المال بشأن إمكانية إدراج وحدات الصندوق المغلق، وشروط انتقال ملكيتها وتداولها، يمثل شرطا أساسيا قبل الانتقال إلى مرحلة التأسيس.

تحديات التقييم العادل للأسهم

تعتبر عملية تقييم الأسهم غير المدرجة من أكثر التحديات حساسية، ففي ظل محدودية التداولات، قد لا يعكس آخر سعر متداول القيمة الاقتصادية الحقيقية للشركة، خصوصا إذا كان آخر تداول قد تم قبل فترة طويلة أو بكمية محدودة.

لذلك يجب اعتماد منهجية تقييم متعددة الأدوات، تجمع بين التحليل المالي، والقيمة الدفترية المعدلة، والتدفقات النقدية المخصومة، ومضاعفات الشركات المقارنة، مع الاستعانة بمقيمين مستقلين عند الحاجة.

كما ينبغي وضع آلية دورية لإعادة تقييم الأصول، وتحديد كيفية التعامل مع الأسهم التي لا تتوافر بشأنها معلومات مالية كافية.

مخاطر السيولة والتخارج 

إن تجميع أسهم منخفضة السيولة في صندوق واحد لا يؤدي تلقائيا إلى خلق سيولة في الأصول الأساسية، بل قد يؤدي إلى تجميع مخاطر السيولة داخل محفظة واحدة، خصوصا إذا احتاج الصندوق إلى بيع حصة كبيرة في شركة معينة.

ومن هنا تأتي أهمية طبيعة الصندوق المغلق، إذ يسمح بالاحتفاظ بالأصول لفترات أطول، مع إمكانية تداول الوحدات في حال اعتماد إدراجها.

كما يجب أن تكون لدى الصندوق موارد نقدية مناسبة لتمويل مشترياته المستقبلية، لأن الاعتماد الكامل على المساهمات العينية لن يؤدي بذاته إلى ضخ سيولة نقدية جديدة في سوق OTC.

تفاوت جودة الشركات المستهدفة

 لا يمكن التعامل مع جميع شركات OTC باعتبارها فرصا استثمارية متكافئة، فبعض الشركات قد تمتلك أصولا جيدة وتدفقات نقدية مستقرة، في حين قد تعاني شركات أخرى من ضعف الأداء أو ارتفاع المديونية أو عدم وضوح البيانات المالية أو محدودية النشاط التشغيلي.

لذلك يجب ألا يكون هدف الصندوق تجميع أكبر عدد ممكن من الأسهم، بل اختيار الشركات وفق معايير استثمارية واضحة، مع رفض الأصول التي لا يمكن التحقق من سلامة وضعها المالي والقانوني.

تركز الملكيات والمخاطر القانونية 

قد تؤدي مساهمات بعض المستثمرين إلى امتلاك الصندوق نسبا مؤثرة في شركات معينة، وهذا يفرض ضرورة دراسة أحكام السيطرة والإفصاح والملكية الجوهرية، والقيود القانونية على نقل الأسهم، وأي حقوق أو التزامات مرتبطة باتفاقيات المساهمين.

كما يجب التحقق من عدم وجود رهون أو قيود على الأسهم المقدمة، والتأكد من إمكانية نقل ملكيتها إلى الصندوق وفق إجراءات المقاصة المعتمدة.

تعارض المصالح وتقييم المساهمات العينية 

قد يقدم أحد المستثمرين أسهماً للصندوق بسعر لا يعكس قيمتها العادلة، وهو ما قد يؤدي إلى الإضرار ببقية حملة الوحدات، ولهذا يجب الفصل بين الجهة التي تتولى تقييم الأصول والجهة التي تدير الصندوق، مع وضع ضوابط للتعاملات مع الأطراف ذات الصلة، والإفصاح عن أي تضارب محتمل في المصالح.

الأثر المتوقع على سـوق رأس المال

لا تقتصر أهمية المشروع على تحقيق عوائد استثمارية لحملة الوحدات، بل يمكن أن يمتد أثره إلى تطوير بيئة الاستثمار في الشركات غير المدرجة.

فوجود صندوق متخصص قد يساعد على زيادة الاهتمام المؤسسي بشركات OTC، وتوفير مصدر إضافي للطلب الاستثماري، وتحفيز حركة التداول، وتشجيع الشركات على تحسين مستويات الإفصاح والحوكمة، ورفع جودة بياناتها المالية، والاستعداد مستقبلا لاستيفاء متطلبات الإدراج في السوق الرسمي متى توافرت الشروط.

كما يمكن أن يشكل الصندوق حلقة وصل بين المستثمرين الذين يرغبون في إعادة هيكلة ملكياتهم الحالية، والمستثمرين الذين يبحثون عن فرص استثمارية متنوعة في الشركات غير المدرجة.

ومن جهة أخرى، فإن نجاح المرحلة الأولى من المشروع يمكن أن يوفر قاعدة استثمارية ومعرفية تمهد لإطلاق صندوق ETF متخصص، بما يوسع نطاق المنتجات الاستثمارية المتاحة في السوق الكويتي.

وبذلك يمكن تصور المشروع ضمن مسار تطويري متدرج:

المرحلة الأولى: تأسيس صندوق OTC مغلق لتجميع الملكيات العينية وبناء محفظة مؤسسية.

المرحلة الثانية: توظيف جزء من السيولة المتاحة في عمليات شراء استثمارية مدروسة، بما يساهم في تحفيز التداول على أسهم الشركات المستهدفة.

المرحلة الثالثة: تطوير قاعدة بيانات ومؤشرات ومعايير لتقييم الشركات، ورصد الشركات التي تستوفي متطلبات الانتقال إلى السوق الرسمي.

المرحلة الرابعة: دراسة إطلاق صندوق ETF مستقل يستثمر في الشركات المؤهلة، وفق المتطلبات التنظيمية لصناديق المؤشرات المتداولة.

ختاما، فإن نجاح الصندوق (المشروع) لن يقاس بحجم الأصول التي يتم تجميعها فقط، وإنما بقدرة مدير الصندوق على اختيار الشركات ذات الجودة الاستثمارية، وتقييمها بصورة عادلة، وإدارة مخاطر السيولة والحوكمة، وتحقيق التوازن بين حقوق المساهمين الحاليين والمستثمرين الجدد.

وفي نهاية المطاف، يمكن لهذا النموذج، إذا استوفى متطلباته التنظيمية والتشغيلية، أن يقدم إضافة نوعية لسوق رأس المال الكويتي، من خلال تحويل شريحة من الاستثمارات محدودة التداول إلى مجال أكثر تنظيما للاستثمار المؤسسي، وفتح مسار تدريجي نحو إنشاء منتجات استثمارية متداولة تخدم تطور السوق وتنوعه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى