
كثيرة هي النماذج والوقائع حول العالم، وفي كل الأسواق وكل مجتمعات الأعمال، التي تشهد على أن “الديناصورات” والمُحتكرين و “مرضى المناصب”، خصوصاً عندما تكون في حقل غيرك وفي مال غيرك، وياحبذا لو كان المال مال عام، يُسمون أنفسهم كفاءات وهم يعيشون على حساب الغير وكفاءة الغير وفكر الغير وجهد الغير.
تراهم يوقعون حتى لو كان الاسم خطأ، ويحملون الغير وزر الخطأ، رغم أنه لم يكلف نفسه حتى عناء قراءة اسمه على الورقة التي يوقعها، فأي كفاءة هذه التي تؤتمن على أموال وحقوق المساهمين؟!
قصة “فساد” تزكم الأنوف، لكن لا بأس من قليل من الزكام، كي تكون فرصة للتعلم منها والتوقف أمامها لاستنباط العبر والدروس.
المشكلة أن قصة الفساد مستمرة ومتكررة طالما آلة الكذب والتدليس وغسل المخ أسلحة مستمرة في تصدير الوهم، والأعوام تمر عام تلو الآخر، وفي نهاية المطاف تقع الجمرة في يد من يقف آخر الطابور.
احتكار المناصب يمثل أحد أبرز أنواع الفساد الذي يحتاج إلى مراجعة وفتح كل الملفات على كافة الجبهات، وقراءة العناوين الواضحة للعيان من ” الاستماتة” على المنصب والتقاتل من أجله، وخصوصاً المناصب التي يكون صاحبها من عيار “الناطور” منفذ الأوامر ومتلقي التعليمات، وخادم للمجموعات، ومتلاعب بمصائر الكيانات، وفق قاعدة من نريده نمده بالأوكسجين، ومن لا نريده “نخنقه” ونقطع عنه كل مقومات الحياة، بل نزوده بـ “ثاني أكسيد الكربون”.
من أسوأ الشخصيات السامة في الكيانات الاقتصادية، شخصية محتكر المنصب، والذي يتحول مع السنوات إلى “ديناصور” فتاك، يأكل الأخضر واليابس ويدلس ويدنس ويعمل برعونة وبلا أمانة.
يعمل في كل جولة على خدمة ذاته أولاً، والترتيب والتكتيك للجولات التالية، كيف يبقى، وكيف يستمر، وكيف يواصل احتكار “الكرسي”، فيهادن هذا ويكافئ ذاك، ويوزع العطايا عبر تمرير الموافقات لكسب الولاءات، وحشد الأصوات التي تمهد وتعبد الطريق، وتقدم الدعم الاستراتيجي عند الحاجة.
أما الأداء والنتائج فهناك الكثير من “الترزية” القادرين على توصيل هذا الثوب بالآخر، وترتيب أوضاع البيانات المهردقة، وتدوير الزوايا يسار يمين، عبر التخلص من هذا الأصل والتخارج من هذا الكيان، المهم الميزانية السنوية يتم تصديرها بهامش نمو، والباقي على الأبواق يزمرون المعزوفة والمزامير المأخوذ خيرها مثل، “الأسواق صعبة”، “التحديات جسيمة”، “المنافسة شرسة”، “الأحداث الجيوسياسية”، “تأخروا في طرح المشاريع”، إلى آخر المعزوفة المكررة لرفع العتب!!
الأرقام لا تكذب ولا تتجمل، وهي الفيصل والحكم في كل الملفات الاقتصادية، أما معزوفات الإنشاء وتصدير الوهم، وإغفال الحقائق الدامغة مثل حالات بيع الأصول التي هي الستر للميزانية وليس الإيرادات التشغيلية أو الأنشطة الحقيقية المستدامة، وما يؤسف له أن هناك الكثير من المروجين للحقائق المزيفة، إما عن جهل وسوء فهم أو عن تعمد ولها ما يبررها.
آن الأوان للمراجعة الشاملة، ونفض الغبار وكسر كل أنواع الاحتكار للمناصب، خصوصاً وأن الاحتكار يكرس الفساد، وآثاره وتبعاته السلبية ضارة وسامة، ونتائجه مدمرة، والدروس كثيرة.
وقد قيل “من حكم في ماله فما ظلم” … لكن لا المال مالك ولا المكان مكانك ولا الزمان لكم، فهناك من هم أكفأ منك، وأحرص منك، ومعدنهم معجون بماء النزاهة والأمانة والشرف والحنكة والحكمة.




