مقالات

حين تسبق السياسة السوق: كيف يقرأ المستثمر الذكي التحولات الاقتصادية قبل أن تتحول إلى عناوين؟

 

بقلم – ليما راشد الملا

 

في كل دورة اقتصادية جديدة، يتكرر السؤال ذاته: نبيع أم ننتظر؟ نشتري ذهبًا أم نحتفظ بالسيولة؟ أسئلة مشروعة، لكن المشكلة أن معظم الإجابات المتداولة تأتي متأخرة. فالأخبار لا تصنع حركة السوق، بل تشرحها بعد وقوعها. وعندما يصل الخبر إلى العناوين، يكون السوق قد تحرّك تقنيًا، واتخذ اللاعبون الكبار مواقعهم، وباتت الفرص إما محدودة أو عالية المخاطر.

المستثمر الذكي لا يلاحق الخبر، بل يفهم القاعدة التي تحرّك الأسواق من الأساس. هذه القاعدة تبدأ من السياسة، وتحديدًا من الولايات المتحدة، باعتبارها مركز الثقل المالي العالمي. فالاقتصاد العالمي، مهما تنوّعت أسواقه، يبقى متشابكًا مع القرار السياسي الأمريكي، سواء عبر أسعار الفائدة، الدولار، أو حركة السيولة العالمية.

في الولايات المتحدة، لا تُدار السياسات الاقتصادية بعشوائية، بل وفق فلسفات حزبية واضحة. الحزب الجمهوري تاريخيًا يميل إلى تحفيز النمو السريع عبر خفض الضرائب، تخفيف القيود التنظيمية، وزيادة الإنفاق، حتى لو تطلّب ذلك توسّعًا في الدين العام أو طباعة المزيد من الدولار. هذا النهج غالبًا ما يدفع الأسواق إلى الصعود على المدى القصير، لكنه يحمل في طيّاته مخاطر تضخمية وفقاعات سعرية.

في المقابل، يتبنّى الحزب الديمقراطي مقاربة أكثر تحفظًا، تركّز على كبح التضخم، رفع أسعار الفائدة عند الحاجة، وإعادة التوازن للأسواق، حتى لو جاء ذلك على حساب النمو السريع. هذه السياسة تميل إلى تهدئة الأسواق، تصحيح الأسعار، وإعادة توزيع الفرص، لكنها غالبًا ما تكون أقل جاذبية للمضاربة السريعة.

لماذا يهم هذا المستثمر في الكويت والخليج والعالم العربي؟ لأن المنطقة ليست بمعزل عن هذه التحولات. أسعار النفط، العملات، أسواق الأسهم، وحتى العقار، تتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر باتجاه السياسة النقدية الأمريكية. ارتفاع الفائدة في الولايات المتحدة يعني عادةً ضغوطًا على السيولة في الأسواق الناشئة، بينما خفض الفائدة يفتح الباب أمام تدفّق الأموال نحو الأصول ذات العائد الأعلى، ومنها أسواق الخليج.

الخطأ الشائع لدى كثير من المستثمرين هو التعامل مع السوق كرد فعل عاطفي. عند الصعود، يسود الخوف من تفويت الفرصة، وعند الهبوط، يسيطر الذعر. بينما الاستثمار الذكي يقوم على قراءة الاتجاه لا اللحظة. ليس السؤال: ماذا أفعل اليوم؟ بل: أين نحن في الدورة الاقتصادية؟

في فترات التشديد النقدي، تقلّ فرص المضاربة السريعة، ويصبح التركيز على الأصول الدفاعية، الشركات ذات التدفقات النقدية القوية، والقطاعات الأقل تأثرًا بالفائدة، خيارًا أكثر عقلانية. أما في فترات التيسير النقدي، فتظهر فرص النمو، الأسهم، المشاريع، وحتى بعض الاستثمارات عالية المخاطر، لكن ضمن إدارة واعية للمخاطر.

أما الذهب، فهو ليس قرارًا عاطفيًا ولا ملاذًا دائمًا، بل أداة تحوّط. يُستخدم عندما تتزايد المخاوف من التضخم، تراجع الثقة بالعملات، أو تصاعد التوترات الجيوسياسية. لكن شراؤه أو بيعه يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية متكاملة، لا رد فعل على عنوان عاجل.

الرسالة الأهم للمستثمر العربي اليوم: لا تنتظر الإجابة من الأخبار، ولا تبحث عن توقيت مثالي لا وجود له. افهم القواعد، راقب السياسة النقدية، اقرأ المؤشرات الكبرى، ووزّع استثماراتك بذكاء. السوق لا يرحم من يلاحقه، لكنه يكافئ من يفهمه.

في واقع لا ينتظر فيه السوق أحدًا، يبقى الوعي الاقتصادي هو البوصلة الحقيقية للمستثمر. من يفهم القواعد يسبق القرار، ومن يسبق القرار يحمي أمواله ويصنع فرصه بثقة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى