مقالات

المعلومات وعلم الاقتصاد وسرّ بقاء «فريد»

 

بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
 Elshebshiry@outlook.com

هل تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي؟ يلعب انتقال المعلومات عبر هذه الشبكات، مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام، دورًا محوريًا في التأثير على الاقتصاد، حيث تُعدّ هذه الشركات العملاقة جزءًا أساسيًا من منظومة نقل المعلومات بسرعة غير مسبوقة في العصر الحديث.

نحن نتخذ يوميًا عددًا لا يُحصى من القرارات، بدءًا من اختيار وجبة الإفطار، مرورًا بتنظيم الوقت، ووصولًا إلى قرارات أكثر تعقيدًا تتعلق بالعمل والاستهلاك والاستثمار. ويصف الاقتصاديون هذه العملية بأنها تتم في ظل «معلومات غير كاملة»، إذ لا يمتلك الأفراد جميع البيانات اللازمة لاتخاذ قرارات مثلى. ومع ذلك، فإننا نواصل اتخاذ مئات القرارات يوميًا، وتتأثر هذه القرارات بشكل مباشر بتدفقات المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعي، سواء في مجالات الترفيه أو الشراء أو إدارة الوقت. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 300 مليون قرار استهلاكي تُتخذ يوميًا على مستوى العالم متأثرة بالمعلومات المتداولة عبر المنصات الرقمية، فيما يعتمد الأفراد نحو 30% إلى 40% من قراراتهم اليومية على معلومات غير مكتملة، ما يبرز أهمية جودة وسرعة تدفق البيانات.

FRED: البيانات في قلب التحليل الاقتصادي

في هذا السياق، تبرز أهمية البيانات الاقتصادية، ويتجسد ذلك بوضوح في قاعدة بيانات FRED (Federal Reserve Economic Data)، التي تعكس التحديات التي يسعى علم الاقتصاد إلى فهمها وقياسها. وتُعدّ هذه القاعدة، التابعة لبنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، أحد أهم مصادر البيانات الاقتصادية والاجتماعية على مستوى العالم. وتتيح واجهتها سهلة الاستخدام للمختصين وغير المختصين على حد سواء عرض البيانات وتحليلها في شكل جداول أو رسوم بيانية، مع إمكانية تنزيلها لاستخدامها لأغراض بحثية أو تعليمية أو مهنية.

تضم قاعدة فريد ما يقرب من 800 ألف سلسلة زمنية تغطي مجالات واسعة، من بينها النقود والبنوك والتمويل، والسكان والتوظيف وأسواق العمل، والحسابات القومية، وإنتاج وأنشطة الأعمال، والأسعار والتضخم، والبيانات الدولية، وبيانات المناطق الأمريكية، إضافة إلى قواعد بيانات أكاديمية مثل Penn World Tables وNBER Macrohistory. ويستخدم الموقع ملايين الباحثين والمحللين سنويًا، بينما تستقبل واجهة برمجة التطبيقات الخاصة به أكثر من 1.1 مليار طلب بيانات من مؤسسات مالية واستثمارية، تشمل بنوكًا مركزية وتجارية وصناديق تحوط وشركات عالمية تعتمد على البيانات اللحظية في اتخاذ قراراتها.

وتكمن إحدى أهم مزايا فريد في كونه يوفر منصة موحدة للبيانات الاقتصادية، ما يغني الباحثين والمحللين عن التنقل بين عشرات المصادر المختلفة. وقد بدأ المشروع قبل أكثر من ستة عقود، وتحديدًا عام 1961، باستخدام مجموعة من الأوراق، قبل أن يتطور تدريجيًا ليصبح أحد أعمدة البنية التحتية للبيانات الاقتصادية عالميًا.

الاحتياطي الفيدرالي: الإطار المؤسسي لفريد

وتتضح القيمة المعرفية لقاعدة بيانات FRED بصورة أعمق عند النظر إلى الإطار المؤسسي الذي تنتمي إليه. فقد تأسس نظام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عام 1913 بموجب قانون الاحتياطي الفيدرالي، في أعقاب أزمات مصرفية متكررة أبرزها أزمة الذعر المالي عام 1907، التي كشفت هشاشة النظام المالي وغياب جهة مركزية قادرة على توفير السيولة وضمان الاستقرار. وجاء تأسيس الاحتياطي الفيدرالي في عهد الرئيس وودرو ويلسون ليؤدي دور البنك المركزي للولايات المتحدة ضمن هيكل فريد يجمع بين المركزية واللامركزية.

ويتكون النظام من مجلس محافظين اتحادي في واشنطن العاصمة، واثني عشر بنكًا احتياطيًا إقليميًا موزعين على مختلف الولايات، من بينها بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس الذي يحتضن مشروع FRED. ويُعدّ الاحتياطي الفيدرالي نموذجًا مؤسسيًا هجينًا؛ إذ يشارك القطاع المصرفي الخاص في بنيته من خلال البنوك التجارية الأعضاء التي تمتلك أسهمًا غير قابلة للتداول في البنوك الإقليمية وتشارك تمثيليًا في مجالس إداراتها، دون أن يكون لها تأثير مباشر على قرارات السياسة النقدية، التي تظل حصرًا بيد مجلس المحافظين ولجنة السوق المفتوحة.

وتتمثل الوظائف الأساسية للاحتياطي الفيدرالي في إدارة السياسة النقدية لتحقيق استقرار الأسعار ودعم التوظيف، والإشراف على النظام المصرفي وضمان سلامته، والعمل كمُقرض أخير في أوقات الأزمات، إضافة إلى دوره البحثي والمعرفي في إنتاج وتحليل ونشر البيانات الاقتصادية. ومن هذا الدور البحثي تنبع أهمية مبادرات مثل FRED، التي تجسد التزام الاحتياطي الفيدرالي بالشفافية وإتاحة البيانات الموثوقة للباحثين وصنّاع القرار والجمهور، بما يعزز جودة القرارات الاقتصادية في عالم يتسم بتسارع تدفقات المعلومات وتزايد عدم اليقين. ويشرف الاحتياطي الفيدرالي على اقتصاد أمريكي بحجم 27 تريليون دولار ويضم نظامًا مصرفيًا يضم أكثر من 4,500 بنك ومؤسسة مالية، فيما تحوّل أرباحه السنوية إلى الخزانة الأمريكية بمبالغ تتجاوز 80 مليار دولار في السنوات المستقرة.

التعليم، البيانات، وتوسيع قاعدة المستخدمين

عندما سُئل مسؤولو الابتكار في نظام الاحتياطي الفيدرالي عن الفئات الأكثر تأثيرًا في استخدام البيانات، أشاروا بوضوح إلى المعلمين، بوصفهم حلقة وصل أساسية بين البيانات والمجتمع. إذ يستخدم المدرسون فريد لتوضيح المفاهيم الاقتصادية وتحفيز الطلاب على التفاعل مع البيانات وفهم الظواهر الاقتصادية بصورة عملية.

وقد يكون التطبيق بسيطًا، مثل تكليف الطلاب بفهم مفهوم القوى العاملة والبطالة من خلال الاطلاع على الرسوم البيانية الصادرة عن مكتب إحصاءات العمل، ما يساعدهم على إدراك موقعهم داخل سوق العمل، وحساب معدلات البطالة، وقراءة الأخبار الاقتصادية مستقبلًا بوعي أكبر. وتظهر الإحصاءات أن نحو 40% من مستخدمي FRED يأتون من خارج الولايات المتحدة، وأن الفئة العمرية دون 34 عامًا تمثل الشريحة الأسرع نموًا، مع اعتماد متزايد على الهواتف الذكية في الوصول إلى الرسوم البيانية والمؤشرات الاقتصادية. كما تشير البيانات إلى أن استخدام البيانات التفاعلية في التعليم الاقتصادي يرفع مستوى الفهم لدى الطلاب بنسبة 20% إلى 30% مقارنة بالأساليب التقليدية.

تبسيط الاقتصاد: من التجريد إلى السلوك الإنساني

غالبًا ما يُنظر إلى الاقتصاد بوصفه علمًا جافًا أو «كئيبًا»، خاصة عندما يُدرَّس من خلال مخططات مجردة أو صيغ رياضية معقدة. غير أن جوهر الاقتصاد لا يكمن في الأرقام فحسب، بل في الأفعال البشرية. فالاقتصاد يدرس كيفية تعامل الناس مع الندرة، وتوزيع الموارد، واتخاذ القرارات، سواء على مستوى الاقتصاد الكلي أو الجزئي.

ولتوضيح ذلك، يمكن تصور حالة شخص يُدعى سعيد يجد نفسه على جزيرة مهجورة، مضطرًا لاتخاذ قرارات مصيرية حول البقاء على قيد الحياة. فاختياره بين البحث عن الماء أو بناء مأوى يعكس مفهوم تكلفة الفرصة البديلة، كما يجسد عنصر المخاطرة وعدم اليقين. وقد يُقاس «ربحه» الاقتصادي بعدد الأيام التي يستطيع البقاء فيها حيًا، بينما قد تكون خسارته هي فقدان حياته.

هذا المثال يوضح أن القرارات الاقتصادية لا تتعلق بالمال فقط، بل تشمل اختيارات يومية يواجهها جميع البشر، ولكل منها تكاليف وفوائد يجب الموازنة بينها. فالاقتصاد لا يخبرنا بما ينبغي علينا فعله، بل يساعدنا على فهم تبعات قراراتنا، وكيفية خلق القيمة من خلال تلبية رغباتنا ورغبات الآخرين، والدور الذي نلعبه كأفراد في صعود الحضارة الإنسانية أو تراجعها.

خلاصة

تشكل المعلومات والبحوث قاعدة أساسية لبناء فهم أعمق وأكثر دقة للظواهر الاقتصادية، وهي أداة لا غنى عنها لاتخاذ قرارات رشيدة ومستدامة. ومن هذا المنطلق، جاءت مبادرات مثل تخصيص جوائز بحثية في مجال الاقتصاد، كما فعل بنك الكويت المركزي، لتشجيع البحث العلمي وتعزيز الوعي بأهمية البيانات ومصادرها. وقد أظهرت تجربة تقييم البحوث المقدمة لنيل هذه الجوائز مدى الحاجة إلى تعريف الباحثين بقيمة المعلومات الاقتصادية وإتاحة قواعد بيانات موثوقة، مثل تلك التي يمتلكها معهد الدراسات المصرفية عن الاقتصاد الكويتي، والتي تقترب في مضمونها من تجربة فريد مع اختلاف الحجم والنطاق.

ويظل التحدي قائمًا في تطوير هذه القواعد، والاقتراب أكثر من المعلمين وأساتذة كليات الاقتصاد، بل وحتى المراحل التعليمية المختلفة، لنشر المفاهيم والمؤشرات الاقتصادية، والاستجابة للتحولات المتسارعة في عالم المال والأعمال، في عالم أصبحت فيه جودة القرار الاقتصادي رهينة بجودة المعلومات المتاحة وسرعة الوصول إليها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى