مقالات

عبقرية الفوضى المنظمة: كيف تفوق 5000 دبّوالا على عملاقي أمازون ودليفرو؟

 

بقلم/ د. عدنان البدر
باحث ومستشار استراتيجي في سياسة الموارد البشرية وبيئة العمل ورئيس ومؤسس الجمعية الكندية الكويتية للصداقة والأعمال
ckbafa@gmail.com

  • هل السرعة دائمًا دليل تقدّم، أم أن البساطة المنظمة قد تكون أكثر كفاءة واستدامة؟

  • قتصاد السرعة: حين تُدار الوجبة بالخوارزميات ويُدفع الثمن بشريًا.

  • Dabbawalas “الدبّوالا” نظام عمل تعاوني يعود تاريخه إلى أكثر من 130 عاماً.

  • 5,000 رجل ينقلون يومياً أكثر من 200,000 وجبة منزلية إلى مكاتب الموظفين.

  • Dabbawalas “الدبّوالا” مصدر إلهام وكفاءة تتفوق على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

  • النجاح يعود إلى نظام الموارد البشرية: كيفية التوظيف، التطوير، الإدارة، والمكافآت، الذي يركز على الإنسان.

  • وجبات منزلية صحية التي تقلل من الاعتماد على الوجبات السريعة، ونسبة رضا العملاء 98%.

  • ورش عمل في دبي لكشف أسرار الدبّوالا لقادة الأعمال.

  • يعمل الدبّوالا ستة أيام في الأسبوع ويعتمدون على وسائل نقل مستدامة

  • الدبّوالا نموذجاً لللوجستيات الخضراء في المدن الكبرى.

  • حصل على تصنيف “سيكس سيجما”، ما يعني أن معدل الأخطاء أقل من 3.4 خطأ لكل مليون عملية.

  • سر النجاح يكمن في التنسيق الدقيق بين العناصر الأربعة: التنظيم، الإدارة، العمليات، والثقافة.

  • بدأ نظام الدبّوالا في عام 1890، خلال فترة الاستعمار البريطاني في الهند وأصبح رمزاً للثقافة الهندية في مومباي.

  • تكلفة التوصيل 500 روبية هندية شهرياً (أقل من 7 دولارات)، مما يجعلها متاحة للطبقة الوسطى.

  • أكثر من 400,000 توصيل وإعادة، يعني ذلك أقل من 400 خطأ سنوياً، مقارنة بشركات التوصيل الحديثة.

  • الدبّوالا هم في صميم نسيج مومباي الاجتماعي وليسوا مجرد ناقلين لطعام الغداء>

  • يساعدون في تمكين الأسر، يقلصون الاعتماد على الوجبات السريعة، ويحافظون على تقليد ثقافي في قلب العولمة الغذائية.

  • في عالم يسيطر عليه الخوارزميات والتطبيقات، يبرز نظام الدبّوالا كنموذج للكفاءة البشرية.

 

Dabbawalas

كيف يهزم 5,000 دبّوالا تقنيات كيتا ودليفرو وآخرين بتوصيل الوجبات؟ 

في الكويت، لم تعد خدمات توصيل الطعام مجرد رفاه استهلاكي، بل أصبحت جزءًا من بنية الاقتصاد الرقمي وسوق العمل ونتيجة سلسلة قرارات اقتصادية تُتخذ خلال ثوانٍ. ضغطة زر على تطبيق توصيل كفيلة بتحريك منظومة كاملة من الخوارزميات، المطابخ، الطرق، والعمالة. لكن خلف هذه السلاسة الظاهرية، يعمل اقتصاد كامل لا يظهر في الإعلانات، ولا يُحسب في فواتير الخدمة: اقتصاد السرعة.  اقتصاد السرعة ليس مصطلحًا إنشائيًا، بل توصيف دقيق لنمط إنتاج وخدمات يقوم على ثلاث ركائز رئيسية:  (1)طلب فوري من المستهلك، لا يقبل الانتظار.  (2)  تنفيذ لحظي عبر منصات رقمية تعمل بلا توقف. (3) تحمّل ميداني للمخاطر من قبل عمال مستقلين شكليًا.  في هذا الاقتصاد، تتحقق القيمة عبر تقليص الزمن، لا عبر تحسين شروط العمل. وكل دقيقة يتم اختصارها في التطبيق، تُضاف كضغط إضافي على العامل في الطريق.  ومع توسّع منصات التوصيل، برز ما يُعرف بـ«اقتصاد السرعة»، حيث تُدار الكفاءة بالخوارزميات وتُقاس بالدقائق. غير أن هذا النموذج، رغم نجاحه التجاري، يطرح أسئلة عميقة حول العمل، السلامة، وتوزيع المخاطر. وبين التجربة الرقمية الحديثة ونموذج بشري عمره أكثر من قرن في الهند، تتكشف مفارقة اقتصادية لافتة: هل السرعة دائمًا دليل تقدّم، أم أن البساطة المنظمة قد تكون أكثر كفاءة واستدامة؟ اقتصاد السرعة هو ذلك النموذج الذي تُقاس فيه الكفاءة بالزمن، وتُكافأ فيه السرعة، بينما تُرحَّل التكاليف البشرية إلى أسفل السلسلة. وفي عصرنا الحالي، يتجلّى هذا النموذج بوضوح في قطاع توصيل الطعام، حيث تلتقي التكنولوجيا الحديثة مع واقع مناخي واجتماعي واقتصادي شديد الخصوصية.

هذا المقال لا يناقش خدمة توصيل الطعام بوصفها رفاهًا حضريًا، بل بوصفها ظاهرة اقتصادية تعكس تحوّلًا أعمق في طبيعة العمل، توزيع المخاطر، ودور الدولة والمنصات في الاقتصاد الرقمي.

ففي قلب مدينة مومباي، المدينة الهندية التي تُعد واحدة من أكثر المدن اكتظاظاً بالسكان في العالم، حيث يتدفق أكثر من 20 مليون نسمة في شوارعها المزدحمة، تتشابك حركة السيارات والقطارات والدراجات في رقصة يومية من الفوضى الظاهرية. ومع ذلك، وسط هذه الفوضى، يعمل نظام تعاوني يعود تاريخه إلى أكثر من 130 عاماً، يضم حوالي 5,000 رجل يرتدون قمصاناً بيضاء وقبعات تقليدية، ينقلون يومياً أكثر من 200,000 وجبة منزلية إلى مكاتب الموظفين. هؤلاء هم Dabbawalas  “الدبّوالا”، أو ناقلي علب الطعام، الذين يُصنفون كنموذج عالمي للكفاءة اللوجستية، رغم اعتمادهم على قوة بشرية غير متخصصة، ونظام إداري بسيط من طبقتين فقط، ولا شيء أكثر تقنية من شبكة قطارات مومباي.  تعمل هذه الشبكة عبر نظام ترميز بالألوان مطبوع يدويًا على كل علبة، لتحديد نقطة الانطلاق والوجهة والمرحلة، دون استخدام أي قاعدة بيانات رقمية.

لا يشبه هذا النظام شركات التوصيل الحديثة مثل “دليفرو” أو “أوبر أو كيتا”، أو حتى المنافسين المحليين في الهند. فبدلاً من توصيل وجبات المطاعم، يقوم الدبّوالا بجمع الوجبات المنزلية الطازجة من منازل الزبائن في الصباح الباكر، وتسليمها إلى أماكن عملهم في وقت الغداء بالضبط، ثم إعادة العلب الفارغة إلى المنازل بعد الظهر. هذا النظام، الذي يعتمد على الدراجات والقطارات والمشي، يحقق كفاءة تفوق الشركات التي تعتمد على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي، مما يجعله مصدر إلهام لقادة الأعمال حول العالم. فقد زار الدبّوالا تنفيذيون من شركات عملاقة مثل “فيديكس” و”أمازون” و”دي إتش إل”، بل إن ريتشارد برانسون، مؤسس مجموعة “فيرجن”، قضى وقتا كثيرا يتعلم أسرارهم، مرتدياً زيهم ومشاركاً في عمليات التوصيل.

تاريخ النظام: من الاستعمار البريطاني إلى العصر الحديث

بدأ نظام الدبّوالا في عام 1890، خلال فترة الاستعمار البريطاني في الهند، عندما أسسه ماهاديو هافاجي باشي، وهو مهاجر من ولاية ماهاراشترا، لتلبية احتياجات الموظفين البريطانيين والهنود الذين يفضلون الوجبات المنزلية بدلاً من الطعام المتوفر في المكاتب. مع مرور الوقت، تطور النظام إلى تعاونية كبيرة تُديرها جمعية “مومباي دبّوالا”، وأصبح رمزاً للثقافة الهندية في مومباي. اليوم، يعمل الدبّوالا ستة أيام في الأسبوع، محافظين على تقاليدهم رغم التحديات مثل الجائحة التي أجبرتهم مؤخراً على تبني بعض التكنولوجيا البسيطة للبقاء.

ما يميز هذا النظام هو بساطته المتعمدة. لا يحتاج الدبّوالا إلى شهادات جامعية أو تدريب تقني متقدم؛ معظمهم من خلفيات ريفية، ويعتمدون على الذاكرة والتدريب العملي. يبدأ اليوم في الساعة السابعة صباحاً، حيث يجمعون العلب (التي تُسمى “دبّة”) من المنازل، ثم ينقلونها إلى محطات القطارات الرئيسية. هناك، يتم فرز العلب باستخدام نظام ترميز يدوي بالألوان والرموز، يحدد المنشأ والوجهة والمسار. هذا الترميز، الذي يشبه شفرة بسيطة، يتكون من أحرف وأرقام ورموز ملونة، مما يسمح بتتبع العلب دون الحاجة إلى قواعد بيانات رقمية أو GPS.

Six Sigma

الكفاءة الاستثنائية: دراسات هارفارد وشهادة “سيكس سيجما”

في عالم يسيطر عليه الخوارزميات والتطبيقات، يبرز نظام الدبّوالا كنموذج للكفاءة البشرية. وفقاً لدراسة أجرتها كلية إدارة الأعمال في جامعة هارفارد عام 2010، حصل النظام على تصنيف “سيكس سيجما”، وهو يعني أن معدل الأخطاء أقل من 3.4 خطأ لكل مليون عملية. مع أكثر من 400,000 حركة يومية (توصيل وإعادة)، يعني ذلك أقل من 400 خطأ سنوياً، مقارنة بشركات التوصيل الحديثة التي تواجه مشاكل متكررة في الدقة والتأخير بسبب الاعتماد على التكنولوجيا.

تقول الدراسة إن سر النجاح يكمن في التنسيق الدقيق بين العناصر الأربعة: التنظيم، الإدارة، العمليات، والثقافة. على سبيل المثال، يعتمد النظام على شبكة قطارات مومباي، التي تُعد واحدة من أكثر الشبكات ازدحاماً في العالم، لكن الدبّوالا يتجنبون التأخيرات من خلال توقيت دقيق ومسارات بديلة. كما أن تكلفة الخدمة منخفضة جداً، حوالي 500 روبية هندية شهرياً (أقل من 7 دولارات)، مما يجعلها متاحة للطبقة الوسطى.  بالمقارنة، تعاني شركات التوصيل، حيث تكلف الدراجات النارية والسيارات الكهربائية مبالغ طائلة، وتسبب انبعاثات كربونية. أما الدبّوالا، فيعتمدون على وسائل نقل مستدامة: المشي، الدراجات، والقطارات، مما يجعلهم نموذجاً لللوجستيات الخضراء في المدن الكبرى.

النظام الإداري: التعاون بدلاً من الهرمية

يتميز نظام الدبّوالا ببساطة إدارية نادرة. لا يوجد سوى طبقتين: الدبّوالا الميدانيون، الذين يقومون بالتوصيل الفعلي، ومنسقو المناطق، الذين يشبهون قادة الفرق وينظمون العمليات اليومية دون رتب رسمية أو رواتب أعلى. هذا النموذج يعزز روح التعاون والمساءلة الجماعية، حيث يتقاسم الجميع الأرباح بالتساوي، ويتم حل المشكلات بشكل جماعي. وفقاً لستيفان تومكي، أحد مؤلفي دراسة هارفارد، فإن النجاح يعود إلى نظام الموارد البشرية: كيفية التوظيف، التطوير، الإدارة، والمكافآت، الذي يركز على الإنسان لا على التكنولوجيا.  هذا النموذج يعكس نظرية “Y” في الإدارة، التي تفترض أن العمال يميلون إلى المسؤولية والابتكار إذا أعطيت لهم الثقة. في الدبّوالا، لا يوجد رقابة صارمة؛ بدلاً من ذلك، يعتمدون على الثقة المتبادلة والتزام الجميع بالجدول الزمني. كما أن معظم الدبّوالا ينتمون إلى مجتمع ريفي، مما يعزز الروابط الاجتماعية والثقافية داخل الفريق.

الإعجاب العالمي: من برانسون إلى هارفارد

أثار نظام الدبّوالا إعجاباً عالمياً. زار الأمير تشارلز (الآن الملك تشارلز الثالث) الدبّوالا عام 2003، واضطر إلى تحديد موعد مسبق للقائهم، مما يعكس احترامهم لجدولهم الدقيق. أما ريتشارد برانسون، فقد قضى يوماً كاملاً في 2013 يرتدي زي الدبّوالا، يركب القطارات، ويحمل العلب، وقال إنه تعلم درساً في الكفاءة البسيطة. كما درسته مجلة “إم آي تي سلوان” كنموذج للذكاء التنظيمي الجماعي، وأصبح جزءاً من مناهج هارفارد للأعمال.

في دبي، عقدت ورش عمل لكشف أسرار الدبّوالا لقادة الأعمال، حيث أكدوا أن البساطة هي المفتاح. وفي دراسات هندية محلية، بلغ رضا الزبائن أكثر من 98%، بفضل الوجبات المنزلية الصحية التي تقلل من الاعتماد على الوجبات السريعة.

الدروس المستفادة: البساطة في عصر الذكاء الاصطناعي

في عصر يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي والروبوتات، يقدم الدبّوالا درساً عميقاً: أن العبقرية غالباً ما تكمن في البساطة. بينما تواجه شركات التوصيل مشاكل في الخصوصية، الأمان الرقمي، والاعتماد على البطاريات، يستمر الدبّوالا دون انقطاع، حتى في الأمطار الغزيرة أو الإضرابات. هذا النموذج يساعد في تمكين الأسر، خاصة النساء اللواتي يعددن الوجبات، ويحافظ على التراث الثقافي في وجه العولمة الغذائية. ومع ذلك، واجه النظام تحديات أثناء جائحة كوفيد-19، حيث انخفض الطلب بسبب العمل عن بعد، مما دفع بعض الدبّوالا إلى تبني تطبيقات بسيطة للتوصيل.

لكن الجوهر يبقى: التركيز على الإنسان. ما يقول تومكي في دراسة هارفارد: “إنها منظمة مبنية حول الناس، لا حول التكنولوجيا”.  الدبّوالا هم في صميم نسيج مومباي الاجتماعي: يساعدون في تمكين الأسر، يقلصون الاعتماد على الوجبات السريعة، ويحافظون على تقليد ثقافي في قلب العولمة الغذائية وليسوا مجرد ناقلين لطعام الغداء.

خاتمة: نظرة شرقاً لمستقبل أكثر إنسانية

في النهاية، يمثل الدبّوالا أكثر من مجرد نظام توصيل؛ إنه رمز لكيفية دمج التقاليد مع الكفاءة في عالم سريع التغير. ربما حان الوقت للشركات العالمية أن تنظر شرقاً، إلى شوارع مومباي، لتكتشف أن المستقبل قد يكون في علبة غداء بسيطة، مليئة بالدروس عن التعاون والاستدامة. ففي فوضى مومباي المنظمة، تكمن عبقرية حقيقية تستحق الدراسة والإعجاب. أما بالنسبة إلي سوق توصيل الوجبات في الكويت، خصوصا بعد صدوردليل جهاز “حماية المنافسة” لضبط سوق توصيل الطلبات في يناير 2026، فقد تحول من ساحة معركة مفتوحة إلى سوق ناضج تهيمن عليه نموذج عمل قوي يجمع بين القوة المالية العالمية والتفهم العميق للأذواق المحلية وبقي التحدي المستقبلي للعمالقة مثل المنصات (طلبات، كيتا ديليفو) هو الحفاظ على جودة الخدمة والابتكار مع إدارة التوقعات في سوق أصبح المستهلك فيه أكثر خبرة وطلبًا.

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى