حين يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى سلطة جديدة: قراءة اقتصادية في تجربة «ثورة.ai»
بقلم/ ليما راشد الملا
لم يعد الذكاء الاصطناعي عبارة عن تطوّر تقني أو أداة إنتاجية تُضاف إلى دورة الاقتصاد الرقمي، بل تحوّل تدريجيًا إلى أحد أكثر عناصر القوة تأثيرًا في توزيع النفوذ العالمي. فاليوم، من يمتلك الخوارزميات يمتلك القرار، ومن يسيطر على البيانات يفرض شروطه على الأسواق والمجتمعات معًا. في هذا السياق، تظهر منصّة «ثورة.ai» كمشروع عربي ينطلق من مقاربة مختلفة، لا تضع الابتكار في مواجهة الأخلاق، ولا النمو في مواجهة الخصوصية.
أسّس المنصّة الشقيقان السوريان هاني وسعيد بعد تجربة طويلة في قطاع التكنولوجيا الأوروبي، وخصوصًا في التعامل مع البيانات الصحية الحساسة، وهي من أكثر أنواع البيانات تنظيمًا وتعقيدًا من حيث القوانين والمعايير. هذه التجربة قادتهما إلى قناعة جوهرية مفادها أن التكنولوجيا ليست كودًا محايدًا، بل بنية سلطة كاملة، تتحكّم في السلوك الاقتصادي، وتعيد تشكيل موازين القوة بين الأفراد والمؤسسات والدول.
من هنا، لا يمكن قراءة «ثورة.ai» كمنصّة ذكاء اصطناعي فحسب، بل كموقف اقتصادي واضح من نموذج الأعمال السائد في هذا القطاع. فمعظم المنصّات العالمية الكبرى تعتمد نموذجًا اقتصاديًا قائمًا على جمع البيانات، تحليلها، ثم تحويلها إلى قيمة تجارية مباشرة أو غير مباشرة، سواء عبر الإعلانات، أو التدريب المستمر للنماذج، أو الشراكات مع شركات وحكومات. هذا النموذج، رغم نجاحه المالي، خلق اقتصادًا خفيًا قائمًا على استنزاف البيانات الشخصية بوصفها المورد الأهم في العصر الرقمي.
في المقابل، يقدّم مشروع «ثورة.ai» طرحًا مغايرًا: لا تتبّع، لا بيع للبيانات، ولا تدريب للنماذج على محتوى المستخدمين. اقتصاديًا، هذا الخيار ليس بسيطًا ولا شعبويًا، بل يحمل كلفة واضحة، لأنه يتخلّى عن أحد أهم مصادر الدخل في اقتصاد الذكاء الاصطناعي. لكن في المقابل، يراهن المشروع على بناء ثقة طويلة الأمد، وعلى نموذج استخدام يقوم على القيمة المباشرة للخدمة، لا على المقايضة غير المعلنة بين الخصوصية والراحة.
اللافت أن هذه الفلسفة لا تظهر فقط في السياسات الداخلية، بل حتى في تجربة الدخول إلى المنصّة، حيث يُعلن صراحة منع الربط عبر أنظمة أبل وغوغل. هذه الخطوة، رغم رمزيتها، تحمل دلالة اقتصادية مهمة: رفض الاندماج القسري في منظومات التكنولوجيا العملاقة التي تتحكّم بمسارات البيانات، وتفرض شروطها على أي منتج رقمي يريد الانتشار. هنا، يختار المشروع مسارًا أصعب، لكنه أكثر استقلالية.
في المحصلة، تمثل تجربة «ثورة.ai» حالة اختبار لنموذج اقتصادي بديل في صناعة يعتمد نموها التقليدي على تعظيم قيمة البيانات بوصفها أصلًا إنتاجيًا وربحيًا. وتُظهر التجربة أن القرارات التقنية ليست منفصلة عن الاعتبارات الاقتصادية، بل تشكل في جوهرها خيارات تتعلق بتوزيع القيمة وهيكل السوق. ومع احتدام المنافسة العالمية في قطاع الذكاء الاصطناعي، يبقى التساؤل مطروحًا حول مدى قدرة نموذج يقوم على تقليص الاعتماد على البيانات وتعظيم القيمة المباشرة للخدمة على تحقيق استدامة مالية في سوق تحكمه مزايا الوفرة وتركّز القوة الاحتكارية.




