الحوكمة المؤسسية … إشارات مرور لا تمنع الحركة لكنها تمنع الحوادث
بقلم/ أحمد ممدوح المرسي
أخصائي امتثال معتمد من الجمعية الدولية للامتثال
كثيرًا ما يُنظر إلى الحوكمة داخل المؤسسات على أنهما قيود تُبطئ العمل وتُعقّد اتخاذ القرار، غير أن هذه النظرة تغفل جوهر الفكرة تمامًا. فالحوكمة، في حقيقتها، تشبه إشارات المرور؛ لا تمنع السير، لكنها تنظم الحركة وتحمي الجميع من الحوادث.
تخيّل مدينة بلا إشارات مرور، بلا أولوية عبور، وبلا قواعد واضحة. قد تتحرك السيارات بسرعة في البداية، لكن النتيجة الحتمية ستكون الفوضى، ثم الحوادث، ثم التوقف الكامل. الأمر ذاته ينطبق على المؤسسات التي تعمل دون حوكمة فعّالة أو امتثال منظم.
الهدف من الحوكمة ليس إيقاف القرارات أو الحد من صلاحيات الإدارة، بل تنظيمها وتوزيعها بشكل يضمن العدالة والشفافية.لتحقيق النتائج، فهي تحدد من يقرر، وكيف يقرر، ومتى تتم المراجعة والمساءلة. وعندما تكون هذه القواعد واضحة، يصبح اتخاذ القرار أسرع وأكثر أمانًا، لا العكس.
المؤسسات التي تفتقد الحوكمة غالبًا ما تعتمد على الاجتهادات الفردية، وهو ما قد ينجح مؤقتًا، لكنه يترك المؤسسة عرضة للأخطاء والتضارب وتضخّم المخاطر.
علاقة الجهات الرقابية بالحوكمة المؤسسية
أية مؤسسة يجب ألا ينصب تركيزها فقط إلى إرضاء الجهات الرقابية أو تجنب الغرامات، بل يُعد خط الدفاع الأول لحماية المؤسسة وموظفيها وسمعتها وجود نظم حوكمة مؤسسية وامتثال من خلال وجود سياسات مكتوبة، وإجراءات واضحة، وسجلات موثقة، يوفّر مظلة حماية عند حدوث أي خلاف أو مساءلة.
ولم يعد الحديث عن الحوكمة المؤسسية منفصلًا عن متطلبات الجهات الرقابية والالتزامات الدولية التي تحكم عمل المؤسسات في مختلف القطاعات. فالتوجه العالمي خلال السنوات الأخيرة اتجه بوضوح إلى اعتبار الحوكمة إطارًا أساسيًا لضمان سلامة الإدارة وحسن استخدام الصلاحيات، وليس مجرد متطلب شكلي أو إداري. وقد أكدت العديد من المرجعيات الدولية أن غياب الحوكمة كان سببًا مباشرًا في أزمات مؤسسية ومالية كبرى، ما دفع إلى تعزيز مفهوم المساءلة والشفافية كركيزة أساسية في إدارة المؤسسات
فكما أن إشارات المرور تحمي السائق الملتزم قبل أن تعاقب المخالف، فإن الحوكمة المؤسسية تحمي من يعمل وفق النظام قبل أن يُحاسب من يتجاوزه.
كما أن الجهات الرقابية لم تعد تقيّم المؤسسات فقط من خلال النتائج أو المخرجات، بل أصبحت تنظر بعمق إلى الهياكل التنظيمية ونظم الحوكمة التي تُدار بها تلك المؤسسات. فوجود سياسات معتمدة من مجالس الإدارات، وسجلات واضحة للقرارات، وآليات مساءلة محددة، بات مؤشرًا رئيسيًا على جدية المؤسسة وقدرتها على الالتزام المستدام، وليس مجرد استجابة وقتية لتعليمات رقابية
التكامل بين الحوكمة المؤسسية والالتزام المؤسسي
في ظل التطورات التنظيمية المتسارعة، أصبحت الحوكمة والامتثال جزءًا أساسيًا من استدامة المؤسسات، سواء كانت حكومية أو خاصة أو مؤسسات غير هادفة للربح. فالمؤسسات التي تمتلك هياكل حوكمة واضحة، وسياسات امتثال معتمدة من مجالس إداراتها، تكون أكثر قدرة على التكيّف مع المتغيرات، وأقل عرضة للمخاطر القانونية والمالية.
وفي هذا السياق، تتكامل الحوكمة مع الامتثال بوصفهما وجهين لمنظومة واحدة؛ فالحوكمة تُحدد من يملك القرار وكيف يُتخذ، بينما يضمن الامتثال أن هذا القرار يتم وفق القوانين واللوائح والتعليمات المعمول بها. وعندما تغيب الحوكمة، يصبح الامتثال مجرد رد فعل بعد وقوع المخالفة، أما في ظل حوكمة واضحة، فيتحول الامتثال إلى أداة وقائية تسبق الخطأ وتمنع حدوثه من الأساس.
وقد أسهمت معايير الجودة الدولية وعلى رأسها المواصفة الخاصة بأنظمة إدارة الامتثالISO 37301 في ترسيخ هذا المفهوم المتكامل، حيث ربطت بشكل مباشر بين القيادة المؤسسية، وتحديد المسؤوليات، وإدارة المخاطر، وضرورة وجود سياسات وإجراءات موثقة تحكم العمل المؤسسي. هذه المعايير لا تنظر إلى الامتثال باعتباره عبئًا رقابيًا، بل كامتداد طبيعي لحوكمة رشيدة تُدار من أعلى هرم المؤسسة.
في ضوء ذلك، فإن العلاقة بين الحوكمة والامتثال يمكن تشبيهها بمنظومة متكاملة للسلامة المؤسسية؛ الحوكمة ترسم المسار وتحدد الإشارات، والامتثال يضمن الالتزام بها أثناء السير. ومع هذا التكامل، لا تصبح القوانين واللوائح عوائق للعمل، بل أدوات تنظيم تحمي المؤسسة وقياداتها وموظفيها، وتمنحها القدرة على الاستمرار بثبات في بيئة تنظيمية متسارعة التغيّر.
مثلما لا تعمل إشارات المرور وحدها دون وجود شرطة مرور، ولوحات إرشادية، ونظام مخالفات واضح، فإن الحوكمة المؤسسية لا تعمل بمعزل عن الامتثال. فالحوكمة تضع الإشارات وتحدد المسارات، بينما يأتي الامتثال ليضمن احترام تلك الإشارات أثناء الحركة اليومية للعمل. وبدون هذا التكامل، تتحول القواعد إلى لافتات مهملة، أو تُطبق بشكل انتقائي، فتعود الفوضى من باب آخر. لذلك فإن المؤسسات الناجحة لا تكتفي برسم المسار، بل تراقب الالتزام به، وتراجع القواعد عند الحاجة، بما يضمن استمرار الحركة بسلاسة دون تصادم أو تعطيل.
علاقة الحوكمة المؤسسية وإدارة المخاطر
الحوكمة المؤسسية تُحدّد الأطر والصلاحيات وآليات اتخاذ القرارات، بينما تساهم إدارة المخاطر في تحويل هذه الأطر إلى ممارسة عملية عبر استباق المخاطر وتقييمها ومعالجتها وتطبيق النهج المؤسسي القائم على المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات. فكما تنظّم إشارات المرور الحركة وتُنبّه لمواضع الخطر، تصبح القرارات أكثر وعيًا، وتعمل المؤسسة ضمن مسار منضبط يوازن بين تحقيق الأهداف والتكامل المؤسسي ، وحماية المؤسسة ككل.
خلاصة القول فإن الحوكمة لا تُبطئ الحركة، بل تمنع التصادم، والامتثال لا يُعقّد العمل، بل يحميه من التوقف المفاجئ، وإدارة المخاطر تُبقي الطريق آمنًا عبر رصد المنعطفات الخطرة والتدخل المبكر قبل وقوع الحوادث.




