مقالات

الدروس العالمية: كيف تتصارع أمريكا والصين وأوروبا على عرش الذكاء الاصطناعي؟

من «مجرد اتصال» إلى «ذكاء سيادي»

 

بقلم – م. محمد عباس

مسؤول إقليمي سابق لنظم المعلومات بالبنك الدولي والأمم المتحدة
ومستشار الذكاء الاصطناعي

moh148@gmail.com

الجزء الثالث والأخير: البُعد الدولي (3/3)

مقدمة: من الإقليمي إلى العالمي

في الجزأين السابقين من هذه السلسلة، استعرضنا المشهد المحلي الكويتي ثم البُعد الإقليمي لدول الخليج والشرق الأوسط وأفريقيا. اليوم، نُكمل الصورة برصد المشهد العالمي، حيث تتصارع ثلاث قوى كبرى – الولايات المتحدة والصين وأوروبا – على ما بات يُعرف بـ«الحرب الباردة الجديدة للذكاء الاصطناعي».

هذا الصراع ليس تقنياً فحسب، بل جيوسياسي واقتصادي بامتياز. البيانات أصبحت «النفط الجديد»، والرقائق الإلكترونية تحولت إلى «سلاح استراتيجي»، فيما باتت مراكز البيانات ومصانع الذكاء الاصطناعي تُعامَل كأصول أمن قومي. فهم هذا الصراع ضروري لأي صانع قرار في منطقتنا يسعى لرسم استراتيجية تحالفات ذكية.

أولاً: الولايات المتحدة – الهيمنة المُهددة

القيادة التقنية… لكن إلى متى؟

تحتفظ الولايات المتحدة بمكانتها كـ«العاصمة العالمية» للذكاء الاصطناعي، مستندةً إلى عدة ركائز استراتيجية. شركة «إنفيديا» (NVIDIA) تُسيطر على سوق الرقائق الإلكترونية المتقدمة للذكاء الاصطناعي بنسبة تتجاوز 80%، فيما تتصدر شركات مثل «OpenAI» و«Google» و«Anthropic» تطوير النماذج اللغوية الكبرى (LLMs).  كما يتركز رأس المال الاستثماري (Venture Capital) في وادي السيليكون بشكل غير مسبوق، حيث بلغت الاستثمارات الأمريكية في البنى التحتية للذكاء الاصطناعي ما يتراوح بين 1 إلى 2 تريليون دولار.

اللافت أن الإنفاق على مراكز البيانات للذكاء الاصطناعي شكّل تقريباً كامل نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في النصف الأول من عام 2025، وفقاً لتقارير «ديلويت»، مما يعكس المركزية الاستثنائية لهذا القطاع في الاقتصاد الأمريكي.

التحديات الخفية

رغم هذه الهيمنة، تواجه واشنطن تحديات جوهرية. أبرزها «فجوة الطاقة» (Electric Gap)، إذ من المتوقع أن يتضاعف الطلب الأمريكي على الكهرباء لمراكز البيانات بحلول عام 2030، بينما تعاني الولايات المتحدة من بطء في توسيع قدراتها الكهربائية مقارنة بالصين. المفارقة أن الصين تهيمن على تصنيع تقنيات الطاقة النظيفة كالألواح الشمسية والبطاريات، مما يخلق اعتماداً أمريكياً غير مريح على المنافس الاستراتيجي.

كذلك، يُثير «قانون السحابة» الأمريكي (CLOUD Act) قلقاً دولياً متزايداً، إذ يسمح للسلطات الأمريكية بالوصول إلى البيانات المخزنة لدى مزودي الخدمات السحابية الأمريكية في أي مكان بالعالم، مما يدفع دولاً كثيرة نحو تبني «السيادة الرقمية» والابتعاد عن الاعتماد الكامل على الشركات الأمريكية.

استراتيجية «الذكاء الاصطناعي السيادي»

بدأت شركات أمريكية مثل «OpenAI» في تبني نموذج جديد: الشراكة مع حكومات أجنبية لبناء أنظمة «ذكاء اصطناعي سيادي». هذه الاستراتيجية تهدف إلى منع الحلفاء من الانجراف نحو البدائل الصينية، مع منحهم قدراً من السيطرة المحلية على البنية التحتية. الإمارات العربية المتحدة من أبرز الشركاء في هذا التوجه.

ثانياً: الصين – المنافس الذي لا يُستهان به

استراتيجية «التعويض بالحجم»

تواجه الصين عقوبات أمريكية مشددة على تصدير الرقائق المتقدمة، لكنها طورت استراتيجية مبتكرة للتعويض. شركة «هواوي» تقود هذا التوجه عبر ربط أعداد ضخمة من رقائقها المحلية (Ascend) في مجموعات عملاقة (Clusters)  مثل «CloudMatrix 384»، القادرة على منافسة أنظمة «إنفيديا» المتقدمة، رغم أن الرقاقة الصينية المفردة أقل كفاءة.

سلاح الطاقة الرخيصة

ما يُمكّن هذه الاستراتيجية هو امتلاك الصين لطاقة كهربائية وفيرة ورخيصة، بفضل استثمارات ضخمة في الطاقة الشمسية والرياح والنووية، إضافة إلى دعم حكومي لمراكز البيانات التي تستخدم رقائق محلية. هذا يسمح للصين بتشغيل منظومات أقل كفاءة من ناحية الطاقة وبتكلفة تنافسية.

البديل «المفتوح المصدر»

تتبنى شركات صينية مثل «علي بابا» و«تينسنت» استراتيجية نشر نماذج ذكاء اصطناعي «مفتوحة المصدر» (Open Source) عالمياً. هذا التوجه يُتيح للدول النامية الوصول لتقنيات متقدمة دون الارتباط بالبنية التحتية الأمريكية، ويُعتبره البعض مفتاح «السيادة الحقيقية». النماذج الصينية مفتوحة المصدر باتت تحقق مستويات أداء منافسة جداً، مما دفع خبراء للتحذير من احتمال تقدم صيني في هذا المجال.

التحدي الصناعي

نقطة الضعف الصينية تكمن في التصنيع. شركة «SMIC» تصنع رقائق «هواوي» بتقنية 7 نانومتر، لكنها ممنوعة من الحصول على أحدث آلات التصنيع (EUV) بسبب العقوبات الأمريكية، مما يُبقيها متخلفة عن «TSMC» التايوانية. استدامة الاستراتيجية الصينية تعتمد على قدرتها على تضييق هذه الفجوة مع تطور تقنيات الرقائق.

ثالثاً: أوروبا – البحث عن «الطريق الثالث»

بين المطرقة والسندان

تجد أوروبا نفسها في موقف حرج بين العملاقين الأمريكي والصيني. القارة العجوز تمتلك قاعدة صناعية وكوادر بشرية متميزة، لكنها تفتقر لـ«عمالقة رقميين» قادرين على منافسة «Google» أو «Alibaba». الرؤساء التنفيذيون لشركات «Orange» و«Deutsche Telekom» أطلقوا تحذيرات صريحة من «جمود رقمي» يُهدد القارة ما لم تتخذ إجراءات عاجلة.

مبادرة «InvestAI» – الرد الأوروبي

في نوفمبر 2025، أطلق الاتحاد الأوروبي مبادرة «InvestAI» الطموحة بهدف تعبئة 200 مليار يورو من الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي. المبادرة تشمل خططاً لإنشاء «مصانع ذكاء اصطناعي عملاقة» (AI    Gigafactories) أوروبية، مع تركيز خاص على السيادة التكنولوجية.

شركة «إيلياد» الفرنسية (Iliad) أعلنت عن استثمارات بقيمة 3 مليار يورو في البنى التحتية للذكاء الاصطناعي، فيما تسعى فرنسا تحديداً لتبني «طريق ثالث» مستقل عن واشنطن وبكين، عبر شراكات مع الإمارات وكندا لبناء قدرات ذاتية.

قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act)

يُمثل هذا القانون أشمل إطار تنظيمي للذكاء الاصطناعي عالمياً، ويُتوقع أن يصبح «معياراً عالمياً» تتبعه دول أخرى. القانون يُصنف تطبيقات الذكاء الاصطناعي حسب مستوى المخاطر، ويفرض التزامات صارمة على التطبيقات «عالية الخطورة» – ومنها العديد من تطبيقات قطاع الاتصالات كإدارة الشبكات والأمن السيبراني.

بحلول أغسطس 2025، طُلب من كل دولة عضو تعيين سلطات وطنية مختصة بتطبيق القانون. شركات اتصالات كبرى مثل «Deutsche Telekom» و«Orange» و«Vodafone» انضمت طوعياً لـ«ميثاق الذكاء الاصطناعي الأوروبي» استعداداً للمتطلبات القادمة.

التحدي الأوروبي: التنظيم مقابل الابتكار

يُنتقد الاتحاد الأوروبي أحياناً بأنه «يُنظم أكثر مما يبتكر». التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين حماية الخصوصية والسيادة من جهة، وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار والابتكار من جهة أخرى. تقرير «كونكت أوروبا 2025» أشار إلى أن القطاع يعاني من «إفراط تنظيمي »، مما يُعيق القدرة التنافسية.

رابعاً: الدروس المستفادة لمنطقتنا

الدرس الأول: السيادة ليست رفاهية

الصراع العالمي يُثبت أن «السيادة الرقمية» لم تعد خياراً بل ضرورة. دول المنطقة – كما أوضحنا في الجزء الثاني – بدأت تدرك ذلك، لكن التنفيذ يتطلب تسريعاً. الاعتماد الكامل على أي من القطبين (الأمريكي أو الصيني) يُعرّض الدولة لمخاطر جيوسياسية.

الدرس الثاني: الطاقة هي الأساس الخفي

معركة الذكاء الاصطناعي هي في جوهرها معركة طاقة. مراكز البيانات الحديثة تستهلك كهرباء تُقاس بالجيجاواط. دول الخليج تمتلك ميزة استراتيجية هائلة بفضل وفرة الطاقة الرخيصة (الغاز والطاقة الشمسية)، ويجب استثمارها بذكاء.

الدرس الثالث: التنظيم سلاح ذو حدين

النموذج الأوروبي يُظهر أن التنظيم المُفرط قد يُعيق الابتكار، بينما غياب التنظيم (كما في بعض السياقات الأمريكية) يُثير مخاوف أخلاقية وأمنية. الحكمة تكمن في إيجاد توازن يحمي المصالح الوطنية دون خنق النمو.

الدرس الرابع: الشراكات الاستراتيجية

لا يمكن لأي دولة – مهما كانت ثرواتها – بناء منظومة ذكاء اصطناعي متكاملة بمفردها. الشراكات مع عمالقة التكنولوجيا ضرورية، لكن يجب التفاوض عليها من موقع قوة، مع ضمان نقل المعرفة والتوطين الحقيقي.

توصيات استراتيجية للمستوى الوطني

تنويع الشراكات التقنية: عدم الارتباط حصرياً بالمعسكر الأمريكي أو الصيني، مع استكشاف الفرص الأوروبية والآسيوية (اليابان، كوريا الجنوبية).

الاستثمار في الطاقة المتجددة لمراكز البيانات: تحويل وفرة الطاقة إلى ميزة تنافسية عبر مراكز بيانات «خضراء» تستقطب الاستثمارات العالمية.

بناء إطار تنظيمي متوازن: الاستفادة من دروس القانون الأوروبي مع تكييفه للسياق المحلي، بحيث يحمي السيادة دون إعاقة الابتكار.

إنشاء «مختبرات وطنية» للذكاء الاصطناعي: مؤسسات بحثية مدعومة حكومياً تعمل على تطوير نماذج محلية تفهم اللغة العربية وخصوصيات المنطقة.

خاتمة السلسلة: لحظة الاختيار

عبر هذه السلسلة من ثلاثة أجزاء، حاولنا رسم صورة شاملة للتحول الجذري الذي يشهده قطاع الاتصالات عالمياً، من المستوى المحلي الكويتي، إلى الإقليمي الخليجي والعربي والأفريقي، وصولاً إلى المستوى العالمي.

الرسالة الجوهرية واضحة: نحن نعيش «لحظة فاصلة» في تاريخ التكنولوجيا. الفارق بين الدول التي ستقود المستقبل وتلك التي ستتبع لن يُحدده من يملك أسرع شبكة، بل من يملك «أذكى» منظومة قادرة على معالجة البيانات وإنتاج القيمة محلياً.

دول منطقتنا تمتلك اليوم فرصة تاريخية للتحول من «مستهلك» للتكنولوجيا إلى «شريك» في إنتاجها. الموارد المالية متوفرة، والبنية التحتية تتطور، والطموح السياسي موجود. ما ينقص هو السرعة في التنفيذ، وتكامل الجهود بين القطاعين العام والخاص، واستثمار حقيقي في الكوادر البشرية الوطنية.

السباق العالمي على «السيادة في الذكاء الاصطناعي» يتسارع. والمتأخرون – كما أثبت التاريخ دائماً – سيجدون أنفسهم في موقع التابع، يستهلكون ما ينتجه الآخرون، ويدفعون ثمناً باهظاً لتبعيتهم التقنية.

الخيار اليوم بين أيدينا. والمستقبل ينتظر من يصنعه

هذا المقال يُنهي السلسلة المكونة من ثلاثة أجزاء حول تحول قطاع الاتصالات نحو «الذكاء السيادي».

المراجع والمصادر الرئيسية:

  • تقارير «ديلويت» للتنبؤات التكنولوجية 2026 (Deloitte TMT Predictions): البيانات الخاصة بنمو قطاع الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات في الولايات المتحدة.
  • معهد بروكينغز (Brookings Institution): الدراسات المتعلقة بالتنافس الأمريكي-الصيني على الطاقة والذكاء الاصطناعي.
  • مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS): تقارير «السحابة السيادية والذكاء الاصطناعي السيادي».
  • المفوضية الأوروبية: مبادرة «InvestAI» وقانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act).
  • GSMA Intelligence: التقارير العالمية حول تحول شركات الاتصالات واستثمارات الذكاء الاصطناعي.
  • تقارير «BCG» و«ABI Research» حول الذكاء الاصطناعي في قطاع الاتصالات 2026.

حول الكاتب:

م. محمد عباس: مستشار دولي في الذكاء الاصطناعي، يمتلك خبرة واسعة كمسؤول إقليمي سابق لنظم المعلومات في البنك الدولي والأمم المتحدة. يركز في كتاباته على تحليل الفجوات الرقمية واستراتيجيات البنية التحتية التكنولوجية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى