مقالات

اختراق حجاب الشخصية الاعتبارية…  حين يطارد البنك “الشبح” المتحكم بالشركة المفلسة

 

بقلم: د. مستشار/ وسيم أحمد العبدالله

في المسرح الكبير لعالم المال والأعمال، تُعتبر “الشخصية الاعتبارية للشركة” حجر الزاوية الذي يقوم عليه صرح الاقتصاد الحديث. هي ذلك الحجاب القانوني المقدس الذي يفصل بين ذمة الشركة المالية وذمم الشركاء فيها، فيمنحهم الأمان للاستثمار والمخاطرة المحسوبة. لكن، ماذا لو تحول هذا الحجاب إلى قناع؟ ماذا لو استُخدم كستار يختبئ خلفه أفراد لإبرام صفقات ضخمة مع البنوك، ثم يتركون الشركة لهيب الإفلاس، آمنين مطمئنين بأن سهام المطالبة لن تخترق هذا الحجاب لتصل إلى ثرواتهم الخاصة؟

هنا تبرز واحدة من أدق وأعقد المعضلات التي تواجه البنوك والمؤسسات المالية: ظاهرة “الشركات الواجهة” أو “شركات الظل”. شركات تُؤسس ككيانات قانونية مستقلة، لكنها في حقيقة الأمر ليست سوى أداة أو دمية في يد شخص واحد أو مجموعة أشخاص، يستخدمونها لتحقيق مآربهم الخاصة، وعندما تقع الواقعة، يدفعون بها إلى حتفها، معتقدين أن المسؤولية تتوقف عند حدودها.

المعضلة العملية: وهم الضمانات في مواجهة الواقع

لنتخيل هذا السيناريو الذي يتكرر بصور مختلفة: يتقدم رجل أعمال معروف بسعة ثرائه إلى بنك طالباً تسهيلات ائتمانية ضخمة باسم شركة ذات مسؤولية محدودة يملكها. يقدم البنك، بعد دراسة جدوى المشروع، التمويل المطلوب بضمان أصول الشركة نفسها. تسير الأمور على ما يرام لفترة، ثم فجأة، تتوقف الشركة عن السداد. عندما يبدأ البنك في إجراءاته التنفيذية، يكتشف الحقيقة الصادمة: أصول الشركة قد تم تفريغها بأساليب محاسبية وقانونية ملتوية، وحساباتها خاوية، وما تبقى لا يغطي عُشر الدين.

يجد البنك نفسه في مواجهة “شبح”: شركة مفلسة لا تملك شيئاً. أما الشريك الحقيقي، المتحكم الفعلي، فيقف بعيداً خلف الحجاب، متمتعاً بثروته التي لم تمس، ومحتجاً بمبدأ استقلال الذمم. يطرح البنك السؤال الملياري: هل يمكن ملاحقة هذا الشخص في أمواله الخاصة؟ هل يمكن للقضاء أن يخترق هذا الحجاب ويكشف عن المتحكم الحقيقي؟

فقه محكمة التمييز الكويتية: نظرية “رفع الحجاب” عن الشخصية الاعتبارية

لقد كان للقضاء الكويتي، وعلى رأسه محكمة التمييز، فضل السبق في التصدي لهذه الممارسات الاحتيالية، عبر تبني نظرية قانونية جريئة ومتقدمة مستقاة من أعرق النظم القانونية العالمية، وهي نظرية رفع الحجاب عن الشخصية الاعتبارية

أرست محكمة التمييز في اجتهادات قضائية متواترة مبدأً مفاده أن استقلال الشخصية الاعتبارية للشركة ليس مبدأً مطلقاً، بل هو امتياز منحه القانون لتحقيق غايات اقتصادية مشروعة. فإذا ثبت للقاضي أن هذا الامتياز قد تم استغلاله بسوء نية كأداة للاحتيال على الدائنين أو للتهرب من الالتزامات، فإن للمحكمة سلطة استثنائية في “رفع هذا الحجاب” وتجاهل الشخصية الاعتبارية، والنفاذ مباشرة إلى الأموال الخاصة للشركاء أو الشخص المسيطر الذي استخدم الشركة كواجهة له.

وفي أحد أحكامها الشهيرة، وضعت محكمة التمييز معايير صارمة لتطبيق هذه النظرية، مؤكدة أنها حالة استثنائية لا يتم اللجوء إليها إلا عند توافر شروط محددة، من أبرزها:

* الاختلاط التام بين الذمم:كأن يستخدم الشريك حسابات الشركة لتسديد نفقاته الشخصية، أو العكس، بحيث يصبح من المستحيل التمييز بين أمواله وأموال الشركة.

* التمويل الصوري أو غير الكافي:تأسيس شركة برأس مال زهيد بشكل صارخ لا يتناسب إطلاقاً مع حجم المخاطر والالتزامات التي تدخل فيها، مما يؤكد نية استخدامها كدرع واقٍ فقط.

* استخدام الشركة كأداة للتحايل:وهو الشرط الجوهري، حيث يجب على البنك (المدعي) أن يثبت بالأدلة القاطعة أن الغرض من استخدام الشركة لم يكن ممارسة نشاط تجاري حقيقي، بل كان مجرد وسيلة منظمة للاحتيال على القانون أو على حقوق الدائنين.

الدروس المستفادة: من الدفاع إلى الهجوم الاستباقي

إن هذه النظرية القضائية لا تمثل فقط سلاحاً قانونياً قوياً بيد البنوك لاسترداد ديونها، بل هي بوصلة استراتيجية توجه إدارات الائتمان والمخاطر نحو ممارسات أكثر ذكاءً وحصافة:

* تجاوز دراسة الشركة إلى دراسة “العقل المدبر“: عند تقييم طلبات الائتمان الكبرى، لم يعد كافياً تحليل المركز المالي للشركة فقط، بل يجب إجراء فحص نافٍ للجهالة للشخص أو الأشخاص المسيطرين عليها، وتاريخهم المالي، والشركات الأخرى المرتبطة بهم.

* الحصول على ضمانات شخصية: الدرس الأهم هو عدم الاعتماد الكلي على ضمانات الشركة. في التمويلات الكبيرة لشركات حديثة أو ذات أصول محدودة، يجب أن يصبح الحصول على كفالة شخصية وتضامنية من الشركاء المسيطرين شرطاً أساسياً لا تفاوض فيه.

* المراقبة الائتمانية الذكية: يجب على البنوك تطوير أنظمة مراقبة تستطيع رصد “العلامات الحمراء” مبكراً، كعمليات السحب غير المبررة، أو المعاملات المعقدة بين الشركات الشقيقة، التي قد تشير إلى بداية عملية “تفريغ الأصول”.

في نهاية المطاف، المعركة بين الدائن والمدين المحتال هي معركة ذكاء قانوني وتجاري. والبنك الذي يكتفي بالنظر إلى واجهة الشركة دون أن يحاول فهم ما يدور خلف الكواليس، هو بنك يراهن على أموال مودعيه في لعبة قد تكون خاسرة منذ البداية. إن فقه “رفع الحجاب” هو تذكير دائم بأن العدالة تستطيع أن ترى في الظلام، وأن القانون، في نهاية الأمر، يحمي حسن النية، ولكنه لا يحمي المغفلين.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى