مقالات

 الحوكمة بالمؤسسات الخيرية … بوصلة تربط حسن النوايا بتعظيم الأثر

 

بقلم/ أحمد ممدوح المرسي

أخصائي امتثال معتمد من الجمعية الدولية للامتثال

 

لم يعد العمل الخيري اليوم نشاطًا معزولًا عن الاقتصاد أو بمنأى عن أسئلة الكفاءة والاستدامة. فمع اتساع حجم الموارد المتداولة، وتزايد دور المؤسسات الخيرية في سد فجوات تنموية حقيقية، بات من الضروري النظر إلى العمل الخيري بوصفه فاعلًا اقتصاديًا لا يقل تأثيره عن قطاعات أخرى. وهنا تظهر الحوكمة كبوصلة، لا تغيّر اتجاه النية، لكنها تضمن أن تسير في المسار الصحيح.

عندما تغيب الحوكمة، تتحول الموارد إلى جهود متناثرة يصعب قياس أثرها. أما في ظل الحوكمة، فإن كل تبرع يصبح استثمارًا اجتماعيًا محسوب النتائج، فوجود السياسات الواضحة، وتحديد الصلاحيات، وآليات الرقابة، لا تقلل من العمل الخيري، بل تحميه من الهدر، وتضمن توجيه الموارد نحو الأولويات الأكثر احتياجًا وتأثيرًا.

الحوكمة توفر الثقة كمفتاح للاستدامة

الثقة هي العملة الأهم في القطاع الخيري، والحوكمة هي ما يحافظ على استقرار هذه العملة. فكلما زادت شفافية المؤسسة، ووضوح تقاريرها، واستقلالية قراراتها، زادت قدرتها على جذب المتبرعين والشركاء، وهنا يظهر الأثر الاقتصادي بوضوح لأن الحوكمة الجيدة لا تحمي السمعة فقط، بل توسّع قاعدة التمويل، وتفتح الباب أمام شراكات طويلة الأجل، وتدفقات مالية أكثر استقرارًا، بدل الاعتماد على تبرعات موسمية أو فردية بما يحقق الاستدامة للعمل الخيري.

الأثر الاقتصادي لحوكمة العمل الخيري

عندما تُدار المؤسسات الخيرية بحوكمة رشيدة، فإن أثرها لا يقتصر على المستفيدين المباشرين، بل يمتد إلى الاقتصاد ككل من خلال تنفيذ مشاريع أكثر كفاءة تقلل الاعتماد طويل الأجل على الدعم، وتسهم في دعم الاستقرار الاجتماعي، وتعزيز الثقة في بيئة العمل غير الربحية. وبذلك، تصبح الحوكمة أداة غير مباشرة لدعم الاستقرار الاقتصادي، من خلال تنظيم أحد أكثر القطاعات حساسية وتأثيرًا.

لهذا السبب يجب أن تتجاوز نظرة البعض التقليدية للقطاع الخيري، وذلك من خلال سؤال هام : هل يمكن لحوكمة هذا القطاع أن تكون أداة حقيقية لتعزيز اقتصاديات الدول الأكثر احتياجًا؟ فحين تُدار المشاريع التنموية ضمن إطار حوكمي واضح، لن تصبح المساعدات مجرد إنفاق اجتماعي قصير الأجل، بل تتحول إلى استثمار اقتصادي غير مباشر في رأس المال البشري والبنية المجتمعية. فالاستثمار المنظم في القطاعات الصحية والتعليمية، على سبيل المثال، ينعكس على المدى المتوسط والطويل في رفع الإنتاجية، وخفض كلفة الأمراض والبطالة، وتحسين قدرة الأفراد على الاندماج في النشاط الاقتصادي. وحتى المشاريع الخدمية المرتبطة بالمعيشة الكريمة، كالمساكن ودور العبادة والآبار، متى نُفذت وفق دراسات احتياج واضحة وآليات متابعة وقياس أثر، فإنها تسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، وتهيئة بيئة أكثر جذبًا للمبادرات المحلية والنشاط الاقتصادي. وبهذا المعنى، تصبح حوكمة العمل الخيري عنصرًا داعمًا للاقتصاد الكلي، ليس من خلال الأرقام المباشرة، بل عبر بناء مجتمعات أكثر قدرة على الإنتاج وأقل اعتمادًا على الدعم المستمر.

الحوكمة كخط دفاع أول ضد المخاطر

العمل الخيري بطبيعته من أكثر القطاعات تعرضًا للمخاطر، نظرًا لتعدد الأطراف، وتنوع مصادر التمويل، وحساسية البيئات التي يعمل فيها، وهو ما يجعل غياب الحوكمة مجازفة حقيقية قد لا تظهر آثارها فورًا، لكنها تتراكم بصمت. لذلك تتضاعف أهمية الحوكمة في العمل الخيري عندما تُنفَّذ الأنشطة في مناطق تتسم بارتفاع مستويات المخاطر، سواء كانت مخاطر أمنية، أو سياسية، أو اقتصادية، أو مرتبطة بضعف البنية المؤسسية والرقابية. ففي مثل هذه البيئات، لا تقتصر التحديات على إيصال المساعدات وتنفيذ المشاريع الخيرية، بل تمتد إلى حماية الموارد، وضمان وصولها إلى مستحقيها، وتفادي استغلالها أو انحرافها عن أهدافها الإنسانية وهي متطلبات دولية نصت عليها العديد من الجهات التنظيمية الدولية. وهنا تصبح الحوكمة أداة وقائية بالدرجة الأولى، تُمكّن المؤسسات الخيرية من تصميم تدخلاتها بناءً على تقييم مخاطر واقعي، وتحديد آليات تنفيذ ورقابة تتناسب مع طبيعة كل منطقة، بدل تطبيق نماذج موحّدة قد لا تصلح للجميع وبالتالي إدارة الموارد بالمؤسسة على أساس النهج القائم على المخاطر بدلاً من القواعد والاعتماد إجراءات واضحة، وتوثيق العمليات، وتعزيز المتابعة الميدانية، وإدارة  العلاقات مع الشركاء المحليين بحذر، تُسهم الحوكمة في تقليل مخاطر السمعة والتشغيل، وتحافظ على سلامة العاملين، وضمان استمرارية العمل الخيري حتى في أكثر البيئات تعقيدًا وحساسية.

خلاصة القول

الحوكمة لا تُغيّر نية الخير، لكنها تمنحه الاتجاه لأنها البوصلة التي تضمن أن تتحول الموارد إلى أثر، وأن تتحول الثقة إلى استدامة، وأن يصبح العمل الخيري جزءًا من الدعم الاقتصادي،  فحين تلتقي حسن النوايا مع الحوكمة الرشيدة، لا يتعاظم الأثر الإنساني فقط، بل يتعزز الأثر الاقتصادي أيضًا.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى