مقالات

حين تلتقي الثروة بالقيم الأخلاقية

 

بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
 Elshebshiry@outlook.com

حين ننظر حولنا في أي مدينة حديثة — من ناطحات السحاب في نيويورك إلى الأحياء الشعبية في القاهرة، نرى حركة دائبة: أناس يعملون، متاجر تبيع، شاحنات تنقل، طلاب يتعلمون، ومستشفيات تعالج. هذا المشهد اليومي هو في جوهره تعبير عن نشاط اقتصادي لكن، هل تساءلت يوماً ما الذي يحرك كل هذا؟

ببساطة، الاقتصاد هو علم الاختيارات في عالم محدود. مواردنا من وقت ومال ومواد خام لها سقف، بينما رغباتنا لا سقف لها. لكل منا 24 ساعة فقط في اليوم، ولا يمكن لأي مجتمع تحقيق كل أحلامه دفعة واحدة. هنا، عند لحظة الاختيار الصعبة، يولد علم الاقتصاد.

الندرة: الحقيقة التي تشكل عالمنا

لنتأمل بعض الأسئلة البسيطة والمباشرة: هل يجد كل إنسان طعاماً كافياً؟ وهل يملك الجميع مسكناً لائقاً؟ الواقع يخبرنا أن الإجابة ليست دائماً “نعم”. مشهد إنسان بلا مأوى ليس مجرد مأساة اجتماعية، بل هو تجسيد لمشكلة اقتصادية اسمها “الندرة”. الموارد موجودة، لكنها إما لا تكفي لتلبية كل الاحتياجات، أو أنها لا تُوزَّع بالكفاءة والعدالة المطلوبتين. من هنا، تنطلق الأسئلة الكبرى: كيف ننتج أكثر؟ وكيف نوزع بشكل أفضل؟

من الاكتفاء الذاتي إلى قوة التخصص

في الأزمنة القديمة، كان الإنسان يصنع أغلب ما يستهلكه: يزرع، ويبني، ويخيط، ويصلح. لكن المجتمعات الحديثة قامت على فكرة مختلفة تمامًا: تقسيم العمل والتخصص.

كان المفكر الاسكتلندي آدم سميث في كتابه “ثروة الأمم” أول من شرح هذه الفكرة بوضوح منهجي. لاحظ أن تقسيم عملية الإنتاج إلى مهام صغيرة يؤدي إلى مضاعفة الإنتاج أضعافًا كثيرة. بدلاً من أن يصنع شخص واحد المنتج كاملاً، يُقسَّم العمل إلى مراحل، ويتخصص كل عامل في مهمة محددة. والنتيجة؟

1- زيادة المهارة عبر التكرار.

2- توفير الوقت الضائع في الانتقال بين المهام.

3- تشجيع الابتكار وتحسين الأداء.

4- انخفاض التكلفة مع التوسع فيما يُعرف بوفورات الحجم.

هكذا استطاع المجتمع أن ينتج كميات هائلة من السلع والخدمات، ليتغلب جزئيًا على مشكلة الندرة. لكن هذا التخصص لا يكتمل إلا بوجود “السوق”، تلك الشبكة العملاقة التي تسمح لنا بتبادل مهاراتنا ومنتجاتنا. الطبيب لا يصنع أدواته، والمهندس لا يخيط ملابسه. كلنا نبيع ما نتقنه، ونشتري ما نحتاجه، في منظومة تبادلية تجعل حياتنا الحديثة ممكنة.

لماذا يجب أن نفهم الاقتصاد؟

تعلم الاقتصاد ليس لحفظ قوانين جامدة، بل لاكتساب “طريقة تفكير”. هو تدريب للعقل على طرح الأسئلة الصحيحة: ماذا نضحي به عند اتخاذ قرار؟ ما هي التكلفة الحقيقية لاختياراتنا؟ من المستفيد ومن المتضرر؟ في عام 2019، مُنحت جائزة نوبل في الاقتصاد لباحثين استخدموا تجارب ميدانية دقيقة لفهم الفقر، ليس ككتلة واحدة، بل كمشاكل صغيرة يمكن اختبار حلول عملية لها. هذا يثبت أن الاقتصاد ليس مجرد تنظير، بل أداة فعالة لتحسين حياة الناس.

حين تلتقي الكفاءة بالقيم

حتى الآن، يبدو الاقتصاد علماً تقنياً محايداً. لكن هل هو كذلك حقاً؟ هنا تفتح بوابة “الاقتصاد الإسلامي”، الذي لا ينكر أهمية الكفاءة والإنتاج، لكنه يضيف بعداً أساسياً: القيم.

في الرؤية الإسلامية، المال أمانة وليس غاية، والملكية حق مقيد بالمسؤولية الاجتماعية، والكفاءة مطلوبة لكن العدالة فريضة. بينما ركزت المدرسة الكلاسيكية على تعظيم الثروة، يسأل الاقتصاد الإسلامي: كيف نحقق التنمية دون أن نترك أحداً خلف الركب؟ وكيف نوازن بين الحرية الفردية والتكافل الاجتماعي؟

رمضان: مدرسة الاقتصاد الأخلاقي

ولعل شهر رمضان هو أبرز تجسيد عملي لهذه القيم. فهو ليس مجرد شعيرة تعبدية، بل هو دورة تدريبية مكثفة على المبادئ الأساسية للاقتصاد الإسلامي. فالصيام في جوهره هو تمرين على ضبط الاستهلاك وكبح الشهوات، ليدرك الإنسان الفرق بين حاجاته الضرورية ورغباته الكمالية. كما أن الشعور بالجوع يوقظ الإحساس بالفقراء والمحتاجين، مما يعزز التكافل الاجتماعي ويدفع إلى العطاء والصدقات. بهذا، يصبح رمضان مدرسة سنوية يتعلم فيها المجتمع كيف يدير موارده بوعي ورحمة، ليحقق التوازن بين متطلبات الجسد وسمو الروح.

الأزمات الاقتصادية: شاهد على غياب القيم

والأدلة على أهمية هذا البعد الأخلاقي ليست مجرد تنظير، بل هي حقائق نشهدها في عالمنا. فالأزمات المالية العالمية المتكررة، من أزمة الرهن العقاري عام 2008 إلى انهيارات كبرى أخرى، لم تكن مجرد أخطاء حسابية، بل كانت في جوهرها نتاج ممارسات غير أخلاقية: جشع مفرط، ومضاربات محفوفة بالمخاطر، وغياب للحوكمة الرشيدة التي تحمي المجتمع من شهوة الربح السريع. هذه الأزمات تذكرنا بأن السوق عندما يُترك بلا ضوابط قيمية، يمكن أن يتحول من أداة للرخاء إلى مصدر للألم وعدم الاستقرار.

الندرة: هل هي ندرة موارد أم خلل في التوازن؟

هنا يكمن أحد أعمق الفروقات. فبينما يرى الاقتصاد التقليدي أن المشكلة هي ندرة الموارد أمام الرغبات المتزايدة، يضيف الاقتصاد الإسلامي بعدًا آخر: المشكلة الحقيقية غالبًا ما تكون في غياب التوازن في التوزيع والاستهلاك. فالمنظور الإسلامي يرى أن الموارد المتاحة تكفي لسد الحاجات الأساسية، لكن سوء توزيعها، والمبالغة في استهلاكها، وعدم استثمارها بالشكل الأمثل هي ما يخلق الفقر والحرمان. فالمشكلة ليست في قلة العطاء، بقدر ما هي في سلوك الإنسان.

لهذا السبب، يقدم الإسلام أدوات عملية مثل الزكاة، والوقف، وتحريم الربا، وتشجيع الشراكات، ليس فقط كتعاليم دينية، بل كآليات اقتصادية تهدف إلى إعادة التوازن وتحقيق مقاصد الشريعة في حفظ المال والنفس والكرامة.

نحو رؤية متكاملة: عقل يحلل وقلب يقود

في النهاية، دراسة الاقتصاد تمنحنا أدوات التحليل: التكلفة، المنفعة، الحوافز، والإنتاجية. أما الاقتصاد الإسلامي فيمنحنا البوصلة القيمية: العدل، الرحمة، والتكافل. وعندما نجمع بين العقل التحليلي والضمير الأخلاقي، يمكننا بناء نموذج تنموي لا يكتفي بزيادة الناتج المحلي، بل يسعى لزيادة الكرامة الإنسانية. إنها رحلة مثيرة لاكتشاف كيف يمكن للاقتصاد أن يكون علماً للثروة… وعلماً للعدالة في آن واحد.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى