مقالات

“صندوق الأسرار الأسود”: حين ينفجر لغم “الحساب المشترك” بين الشركاء والورثة

 

بقلم: د. المستشار/ وسيم أحمد العبدالله

 

في عالم المال، لا يوجد منتج بنكي يبدو بريئاً ومسالماً أكثر من “الحساب المشترك”. هو رمز الثقة المطلقة بين زوجين، أو شراكة عملية بين أب وابنه، أو ترتيب ملائم بين شركاء في مشروع تجاري. يتيح هذا الحساب لكل طرف سلطة كاملة على الإيداع والسحب، ويفترض فيه القانون، وفقاً لنص المادة 220 من قانون التجارة الكويتي، التساوي في الملكية بين أصحاب الحساب ما لم يقم الدليل على عكس ذلك. كل شيء يبدو مثالياً، سلساً، ومبنياً على حسن النية.

ولكن تحت هذا السطح الهادئ، غالباً ما يكمن “صندوق أسرار أسود”. فهذا الحساب، الذي وُجد لتسهيل المعاملات، يتحول في لحظة فارقة – وفاة أحد الشركاء أو نشوب نزاع بينهم – إلى “لغم قانوني” ينفجر في وجه الجميع، كاشفاً عن نوايا خفية، ومطالبات متضاربة، ومعارك قضائية مريرة بين الورثة والشركاء الباقين على قيد الحياة.

المعضلة العملية: صراع بين “ظاهر الكشف” و”حقيقة مصدر المال:

تخيل هذا السيناريو الشائع: رجل أعمال كبير يدير ثروته واستثماراته عبر حساب مشترك مع أحد أبنائه، الذي يساعده في إدارة أعماله. يتم إيداع كل إيرادات الأب من عقاراته وأسهمه في هذا الحساب، ويقوم الابن بإجراء التحويلات وسداد الفواتير. العلاقة مبنية على الثقة والترتيب العملي.

فجأة، يتوفى الأب. يجتمع الورثة لتقسيم التركة، فيفاجئون بأن الابن الشريك في الحساب يدّعي أن نصف الرصيد الضخم الموجود في الحساب هو ملكه الخاص، استناداً إلى ظاهر نص القانون الذي يفترض التساوي. أما بقية الورثة، فيصرخون بأن هذه الأموال كلها هي مال مورثهم، وأن الابن لم يكن سوى “وكيل” أو “مدير” للحساب، ولم يساهم بدينار واحد في هذا الرصيد.

هنا تقع الكارثة. يجد الورثة أنفسهم في مواجهة شريك في الحساب يتمسك بنص القانون، بينما هم يملكون “الحقيقة” ولكن يفتقرون إلى “الدليل”. كيف يمكن إثبات أن ملايين الدنانير المسجلة باسم شخصين هي في حقيقتها ملك لشخص واحد فقط؟

فقه محكمة التمييز: الغوص وراء ظاهر الأوراق:

في هذه المعركة بين “الظاهر” و”الباطن”، أرسى القضاء الكويتي، بقيادة محكمة التمييز، قواعد قضائية من ذهب، توازن بين استقرار المعاملات البنكية وتحقيق العدالة الحقيقية.

لقد استقرت محكمة التمييز على مبدأ جوهري : قرينة التساوي في ملكية الحساب المشترك، التي نص عليها القانون، هي قرينة قانونية بسيطة، وليست قاطعة. وهذا يعني أنها تقبل إثبات العكس. لقد فتحت المحكمة الباب على مصراعيه لمن يدعي خلاف الظاهر ليقدم أدلته، وأعطت القاضي سلطة واسعة للتحقيق والغوص وراء كشف الحساب للوصول إلى مصدر الأموال الحقيقي.

وفي أحكامها، وضعت المحكمة خارطة طريق لإثبات عكس هذه القرينة، معتمدة على:

* تتبع مصدر الأموال: يقوم القاضي، غالباً عبر ندب خبير مصرفي، بتحليل تاريخ الحساب بالكامل. من أين كانت تأتي الإيداعات؟ هل هي من راتب أحد الشركاء دون الآخر؟ هل هي من أرباح شركة يملكها أحدهما منفرداً؟ هل هي من بيع عقار يخص أحدهما؟

* تحليل نمط السحوبات : أين كانت تذهب الأموال المسحوبة؟ هل كانت تستخدم لتغطية النفقات الشخصية لأحد الشريكين فقط، بينما الآخر لم يكن يسحب إلا مبالغ زهيدة؟

* القرائن الأخرى:هل كان أحد الشريكين مجرد طالب أو موظف براتب بسيط يستحيل معه أن يساهم في تكوين رصيد مليوني؟ هل توجد رسائل أو مستندات أخرى تشير إلى أن الحساب كان مجرد ترتيب إداري؟

بناءً على هذه التحقيقات المعمقة، أصدرت المحكمة أحكاماً عديدة قضت فيها بملكية أحد الشركاء للرصيد كاملاً (أو بنسبة 90% مثلاً)، ضاربة عرض الحائط بقرينة التساوي، بعد أن تكشّف لها أن الشريك الآخر لم يكن سوى “اسم على ورق” استُخدم لتسهيل الإدارة لا للمشاركة في الملكية.

دروس وعبر من “صندوق الأسرار الأسود“:

إن قضايا الحسابات المشتركة هي أكثر من مجرد نزاع مالي، هي دروس إنسانية وقانونية عميقة:

* الوضوح هو سيد الموقف: إذا كان الغرض من الحساب المشترك هو مجرد “الإدارة” وليس “الشراكة”، فيجب توثيق ذلك في اتفاقية جانبية بسيطة وموقعة بين الطرفين توضح طبيعة العلاقة والغرض من الحساب. هذه الورقة الصغيرة قد تمنع حرباً قضائية مستقبلية.

* لا تخلط بين الوكالة والشراكةإذا كنت تريد من شخص أن يساعدك في إدارة أموالك، فالحل القانوني الأمثل هو “الوكالة المصرفية الرسمية”، التي تمنحه صلاحيات محددة على حسابك الشخصي، دون أن تجعله شريكاً في الملكية.

* للبنوك دور في التوعية:يقع على عاتق البنوك مسؤولية أدبية في شرح الآثار القانونية الخطيرة للحساب المشترك لعملائها، وتوضيح الفرق بينه وبين الوكالة المصرفية، ليكون العميل على بينة تامة من قراره.

* للورثة أمل في العدالة:لا يجب على الورثة أن يستسلموا لظاهر كشف الحساب. القانون والقضاء يمنحانهم الحق في خوض معركة إثبات الحقيقة، شريطة أن يكونوا مستعدين لعملية “تنقيب” محاسبية وقانونية دقيقة وشاقة.

في النهاية، يظل الحساب المشترك أداة مفيدة عند استخدامها في سياقها الصحيح. ولكنه يتحول إلى قنبلة موقوتة عندما يُستخدم كحل سهل لمشكلة إدارية، متناسين أن ما يبدأ بالثقة قد ينتهي في أروقة المحاكم، وأن الأسرار التي تُدفن في “صندوق أسود” لا بد أن يأتي يوم وتنفجر فيه.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى