مقالات

التضخم يعود إلى الواجهة: صدمة الطاقة تختبر صلابة الاقتصاد الأمريكي

 

بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
 Elshebshiry@outlook.com

بعد فترة من التباطؤ النسبي، عاد التضخم في الولايات المتحدة ليتصدر المشهد الاقتصادي بقوة خلال شهر مارس 2026، في تطور يعكس هشاشة مسار استقرار الأسعار أمام الصدمات الجيوسياسية، وعلى رأسها التوترات في إيران ومنطقة الخليج.

ورغم أن صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلك (CPI) كان متوقعًا، فإن حجم الارتفاع جاء مفاجئًا، ليؤكد أن معركة كبح التضخم لم تُحسم بعد.

قفزة قوية يقودها قطاع الطاقة

سجل مؤشر أسعار المستهلك ارتفاعًا شهريًا قدره 0.9% في مارس، مقارنة بـ 0.3% في فبراير، وهو أعلى مستوى منذ يونيو 2022.

وجاءت هذه القفزة مدفوعة بشكل شبه كامل بقطاع الطاقة، حيث:

* ارتفعت أسعار الطاقة بنسبة 10.9%

* قفزت أسعار زيت التدفئة بنسبة 30.7%

* ارتفعت أسعار البنزين بنسبة 21.2%

وقد شكّلت أسعار الوقود وحدها ما يقارب ثلاثة أرباع الزيادة الشهرية في التضخم العام، في تكرار واضح لنمط الصدمات السعرية المرتبطة بالطاقة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع التضخم العام إلى 3.3% مقابل 2.4% في فبراير، ما يعكس تسارعًا ملحوظًا في الضغوط السعرية.

في المقابل، بقيت الزيادة في خدمات الطاقة (الغاز الطبيعي والكهرباء) محدودة عند 0.4%، فيما استقرت أسعار الغذاء تقريبًا خلال الشهر.

التضخم الأساسي: استقرار نسبي رغم الضغوط

على الرغم من القفزة في التضخم العام، لا تزال المؤشرات الأساسية أكثر هدوءًا. فقد ارتفع التضخم الأساسي (باستثناء الغذاء والطاقة) بنسبة 0.2% شهريًا، وهي الزيادة الثالثة بهذا المستوى خلال أربعة أشهر.

كما ارتفع سنويًا بشكل طفيف من 2.5% إلى 2.6%، ما يشير إلى استمرار بعض العوامل الكابحة للأسعار.

وقد ساهم في هذا التباطؤ:

* انخفاض أسعار السيارات المستعملة

* تراجع أسعار الأجهزة المنزلية

* انخفاض أسعار السلع الطبية

في المقابل، سُجلت زيادات ملحوظة في:

* أسعار الملابس

* معدات تكنولوجيا المعلومات

أما فيما يتعلق بالتجارة، فلا يزال تأثير تخفيف بعض الرسوم الجمركية—عقب حكم المحكمة العليا—غير واضح، لكن من المرجح أن يكون تأثيره محدودًا نظرًا لضآلة أثرها السابق.

الخدمات: ضغوط كامنة رغم بوادر التهدئة

في قطاع الخدمات (باستثناء الطاقة)، ظهرت بعض إشارات التباطؤ، رغم استمرار الضغوط في:

* تكاليف السكن

* خدمات النقل

ومع ذلك، تجاوز معدل التضخم السنوي في الخدمات (باستثناء الطاقة والسكن) 3% لأول مرة منذ سبتمبر الماضي، ما يعكس استمرار الضغوط الكامنة في هذا القطاع الحيوي.

توازن هش ومخاطر انتقال العدوى التضخمية

يبقى هذا التوازن بين تضخم عام مرتفع وتضخم أساسي مستقر نسبيًا هشًا. فالتجارب السابقة تشير إلى أن صدمات الطاقة نادرًا ما تبقى معزولة، إذ تمتد آثارها تدريجيًا إلى:

* أسعار الغذاء

* تكاليف النقل

* توقعات التضخم لدى المستهلكين والشركات

ومع استمرار ارتفاع أسعار البنزين خلال أبريل، تشير البيانات الأولية إلى أن الأسعار أصبحت أعلى بنحو 15% مقارنة بمتوسط مارس، ما يزيد احتمالات:

* تسارع التضخم مجددًا

* تجاوزه مستوى 3.5% على المدى القريب

تداعيات محتملة على السياسة النقدية

التحدي الرئيسي أمام صناع القرار يتمثل في تحديد ما إذا كانت هذه الصدمة:

* مؤقتة مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية

* أم بداية موجة تضخمية جديدة

في حال استمرار ارتفاع أسعار النفط، قد تتسع الضغوط التضخمية وتدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى:

* تأجيل خفض أسعار الفائدة

* أو حتى التفكير في تشديد إضافي

ويُذكر أن أسعار الفائدة لا تزال ضمن نطاق 3.50% – 3.75%، مع تزايد القناعة لدى بعض صناع السياسات بأن المخاطر التضخمية لم تتراجع بشكل كافٍ.

اقتصاد مرن… ولكن تحت الاختبار

رغم هذه التحديات، يواصل الاقتصاد الأمريكي إظهار قدر من المرونة، حيث:

* حافظ الإنفاق الاستهلاكي على قوته

* أظهرت الأسواق قدرة على التكيف مع معدلات فائدة مرتفعة

هذا يمنح صناع القرار هامشًا للمناورة، ويجعل السيناريو الأكثر ترجيحًا هو:

استمرار التقلبات دون الانزلاق إلى أزمة شاملة، ما لم تتفاقم الصدمات الخارجية.

الخلاصة: بين صدمة مؤقتة وتحول هيكلي

يعكس ارتفاع التضخم في مارس 2026 تداخلًا معقدًا بين العوامل الاقتصادية والجيوسياسية، ويؤكد أن استقرار الأسعار لا يعتمد فقط على أدوات السياسة النقدية، بل أيضًا على استقرار البيئة العالمية.

وبينما تظل أسعار الطاقة العامل الحاسم في المرحلة المقبلة، يبقى السؤال مفتوحًا:

هل نحن أمام انتكاسة مؤقتة في مسار التضخم، أم بداية فصل جديد من الضغوط السعرية الممتدة؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى