مبادرة الاقتصاديةمنوعات

العالم في مواجهة الظلام المالي

حين يصبح المال سلاحاً: كيف يُموَّل الإرهاب، كيف يضرب، وكيف نوقفه؟

بقلم/ عمرو علاء

مسؤول مطابقة والتزام 

لا تُطلق الرصاصة دائماً من بندقية — أحياناً تُطلق من حسابٍ مصرفي. الإرهاب لا يُولد في الفراغ، بل يحيا ويتمدّد حيثما وجد الوقود المالي، وفي عالم باتت فيه التحويلات الإلكترونية أسرع من وميض العين، أصبح مطاردة هذا المال معركةً لا تقلّ ضراوةً عن مطاردة المسلّحين أنفسهم.

فكل عملية إرهابية كبرى في الذاكرة القريبة كان خلفها خيطٌ مالي دقيق — ومن يمسك بهذا الخيط يستطيع إجهاض العملية قبل أن تقع.

 

أولاً: ما تمويل الإرهاب؟ — فهم الجريمة قبل مكافحتها

تمويل الإرهاب هو تقديم أو جمع أو تحويل الأموال أو الأصول بأي وسيلة كانت، بقصد استخدامها كلياً أو جزئياً في تنفيذ عمل إرهابي، أو لصالح منظمة إرهابية أو فرد إرهابي، والأخطر في هذه الجريمة أنها تتجاوز مجرد تمويل العمليات، فهي تشمل بناء البنية التحتية التنظيمية للجماعات المتطرفة وتجنيد الأعضاء وشراء الأسلحة ونشر الدعاية.

ما يُميّز تمويل الإرهاب عن غسيل الأموال أن مصدر الأموال قد يكون مشروعاً تماماً مثل تبرعات خيرية، أعمال تجارية قانونية، أو حتى مدخرات شخصية — غير أن الوجهة هي التي تُجرّم العملية.

هذا يجعل رصده أصعب بكثير من رصد المال المُغسَل الذي يصدر في الغالب عن أنشطة إجرامية واضحة.

ثانياً: الأضرار الكارثية — ماذا يفعل تمويل الإرهاب بالمجتمعات؟

الضرر الذي يُخلّفه تمويل الإرهاب لا يقتصر على اللحظة الانفجارية أو ساعة الهجوم بل إنه ضررٌ متراكم ومتشعّب يمسّ كل جانب من جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وفيما يلي أبرز مستويات هذا الضرر:

■  الضرر البشري والاجتماعي

الضحايا المدنيون هم الوجه الأكثر مأساويةً لهذه المعادلة، فكل دولار يصل إلى خلية إرهابية يُقرّب موعد ضربة قد تودي بحياة أبرياء، لكن الأضرار البشرية تمتد أبعد من القتل المباشر، فالمجتمعات التي تعيش تحت وطأة التهديد الإرهابي المستمر تُعاني من تفكّك الروابط الاجتماعية، وانتشار الصدمات النفسية الجماعية، وهجرة الكفاءات والأدمغة بحثاً عن بيئات أكثر أماناً.

■  الضرر الاقتصادي

الإرهاب يضرب الاقتصاد في أكثر من نقطة في آنٍ واحد، يُدمّر البنية التحتية ويكلّف إعادة بنائها مليارات، يُنفّر الاستثمارات الأجنبية التي تهرب من بيئات عدم الاستقرار، يُشلّ قطاع السياحة الذي يُعدّ شرياناً اقتصادياً لكثير من الدول، ويدفع الحكومات إلى إنفاق أجزاء ضخمة من ميزانياتها على الأمن على حساب التنمية والخدمات العامة، وتكشف الأرقام حجم الفاتورة الاقتصادية الهائلة لهذه الجريمة.

■  الضرر السياسي والمؤسسي

التمويل المستمر للجماعات المتطرفة يُفضي إلى بناء دويلات موازية داخل الدول، تمتلك أجهزة تمويل وتسليح وقضاء خاصة بها، هذه الظاهرة تُنخر شرعية الدولة وتُضعف سيطرتها على أراضيها، كما أن حالة الهلع الاجتماعي الناجمة عن العمليات الإرهابية تُفضي أحياناً إلى تراجع المجتمعات عن الحريات المدنية والديمقراطية في سبيل الحصول على الأمن.

■  الضرر على المنظومة المالية الدولية

دول العالم مترابطة مالياً بشكل لم يسبق له مثيل، أي بنك أو مؤسسة مالية تثبت تورطها في تمويل الإرهاب تتعرض لعقوبات دولية مشددة قد تصل إلى الإقصاء من منظومة المدفوعات الدولية SWIFT.

 

أرقام ومؤشرات: حجم الكارثة بالأرقام

 

2 تريليون دولار  |  تكلفة الإرهاب العالمية منذ 2001  —  وفق معهد الاقتصاد والسلام

138 دولة  |  تأثرت بعمليات إرهابية خلال العقد الماضي

10,000 دولار  |  متوسط تكلفة تنفيذ هجوم إرهابي صغير  —  مقارنةً بمليارات الإنفاق الأمني لمنعه

70%  |  من تمويل الإرهاب يمر عبر القطاع المالي الرسمي أو شبه الرسمي

 

ثالثاً: طرق تمويل الإرهاب — كيف تتدفق الأموال المسمومة؟

تتطور أساليب تمويل الإرهاب بشكل مستمر، وهي تتسم بالمرونة والقدرة على التكيف مع الإجراءات الرقابية الجديدة، إليك أبرز القنوات التي وثّقتها الأجهزة الاستخباراتية والمالية الدولية:

1- إساءة استخدام المنظمات غير الربحية والخيرية

تُشكّل المنظمات الخيرية غطاءً مثالياً لتحريك الأموال عبر الحدود دون إثارة الشكوك، بعض هذه المنظمات يُنشأ بنية لخدمة التمويل الإرهابي منذ البداية، وبعضها يُختطف من قِبل عناصر متطرفة تتسلل إلى إدارتها تبرعات صادقة من مواطنين حسني النية تجد طريقها إلى جماعات تُوظّفها في أنشطة إجرامية.

2- شبكات الحوالة غير الرسمية

الحوالة نظام مالي قديم يعتمد على الثقة بين وسطاء في بلدان مختلفة لنقل الأموال دون حركة مادية فعلية للمال، هذا النظام الذي أثبت قيمته في خدمة العمالة الوافدة وتحويل الرواتب، يُوظَّف أيضاً في تمرير أموال الإرهاب لأنه يُغادر الرادار المالي الرسمي تقريباً بشكل كامل، ويُقدَّر حجم التدفقات عبر شبكات الحوالة غير المرخصة عالمياً بمئات المليارات سنوياً.

3- العملات المشفرة واللامركزية

ظهور البيتكوين والعملات المشفرة الأخرى فتح أمام الإرهابيين أفقاً جديداً، هذه العملات تتيح تحويل الأموال فورياً عبر القارات بعيداً عن الرقابة المصرفية التقليدية، ورغم أن تقنية البلوكتشين علنية نظرياً يستخدم الممولون محافظ مجهولة الهوية وخدمات “الخلط” لإخفاء مسارات التحويل وقد رصدت وحدات الاستخبارات المالية تحولاً واضحاً نحو عملات مثل مونيرو المصممة أصلاً للخصوصية التامة.

4- الأنشطة التجارية المشروعة كواجهات

تمتلك بعض الجماعات الإرهابية شبكات تجارية واسعة: محلات الصرافة، شركات الاستيراد والتصدير، مطاعم وفنادق — هذه المشاريع تُدرّ دخلاً حقيقياً يُدمج مع التمويل الخارجي ويُضخّ في مشاريع إجرامية، الميزة الكبرى لهذا الأسلوب أن الأموال تبدو مشروعة ظاهرياً وتجتاز الرقابة المالية بسهولة.

5- تهريب الأصول والسلع

الأصول المادية مثل الذهب والمجوهرات والسلع الاستراتيجية قد تُستخدم كبديل عن النقد في تحريك الثروات عبر الحدود، كما وثّق التحقيق الأممي في داعش استخدام الجماعة لعائدات النفط المهرَّب وتجارة الآثار لتمويل عملياتها في ذروة قوتها.

6- التمويل الذاتي والاعتماد على المدخرات الشخصية

التهديد الأصعب رصداً على الإطلاق هو منفّذون يعتمدون على دخولهم الخاصة أو يأخذون قروضاً مصرفية مشروعة لتمويل عملياتهم، بعض الهجمات في أوروبا نُفّذت بأموال لم تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات سُحبت من حسابات مصرفية عادية و هذا النموذج من التمويل يكاد يُعجز الأنظمة الرقابية التقليدية.

مؤشرات حول طرق التمويل

 

+400%  |  ارتفاع استخدام العملات المشفرة في تمويل التطرف  —  بين 2019 و2023

200 مليار دولار  |  حجم شبكات الحوالة غير الرسمية سنوياً  —  نسبة إرهابية منها غير محددة لكنها مقلقة

 

رابعاً: الكويت على خط المواجهة — الإطار الوطني لمكافحة التمويل

لم تقف الكويت متفرجة أمام هذا التهديد على مدار السنوات الماضية، شهدت الكويت قفزات نوعية في منظومة مكافحة تمويل الإرهاب، تجلّت في تطوير الإطار التشريعي الذي يُجرّم التمويل ولو كان مصدره مشروعاً، وتعزيز دور وحدة التحريات المالية (FIU)، فضلاً عن الانخراط الفاعل في منظومة مجموعة العمل المالي (فاتف).

على الصعيد المصرفي، تطبّق البنوك الكويتية اليوم معايير صارمة لـ”اعرف عميلك” KYC وإجراءات العناية الواجبة المعززة EDD للعملاء ذوي المخاطر العالية، كما تُحيط منظومة الإبلاغ عن المعاملات المشبوهة STR بشبكة أمان تُغطّي القطاعات المالية الرئيسية.

وتولّت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تعزيز الرقابة على التبرعات الخيرية عبر إلزام المنظمات بالشفافية الكاملة في مصادر الأموال ووجهاتها، وهي خطوة جوهرية في دولة تُعدّ فيها الصدقة والزكاة ركيزة ثقافية ودينية راسخة مما يجعل التوازن بين تيسير العطاء ومنع الاستغلال أمراً بالغ الحساسية.

خامساً: التحديات القائمة — المعركة لم تُحسم بعد

رغم التقدّم المُحرَز محلياً وإقليمياً ودولياً، تبقى تحديات جوهرية تُلقي بظلالها على المشهد وتُعيق إحكام الطوق على تمويل الإرهاب بشكل نهائي:

◆  الفجوة التكنولوجية: تطور أدوات التمويل الإرهابي (خاصة العملات المشفرة) يسبق في الغالب قدرة الأجهزة الرقابية على ملاحقته قانونياً وتقنياً.

◆  الاقتصاد غير الرسمي: يظل القطاع غير الرسمي — لا سيما في المناطق الحدودية — ملاذاً آمناً لتحريك الأموال بعيداً عن الرادار الرسمي.

◆  الاستخدام المزدوج: التمييز بين التبرع الخيري النظيف والتمويل المُحرَّم يستلزم تحقيقات عميقة وموارد بشرية متخصصة نادرة.

◆  التمويل الذاتي: حين يعتمد المنفّذ على مدخراته الشخصية فقط، تكاد تنعدم إمكانية الرصد المسبق.

◆  التنسيق الدولي: الإرهاب عابر للحدود، والتعاون بين الأجهزة الاستخباراتية لا يزال يعاني أحياناً من البيروقراطية وتضارب المصالح السياسية.

 

مؤشرات المكافحة — إلى أين وصلنا؟

 

200+ دولة  |  التزمت بتطبيق معايير فاتف لمكافحة تمويل الإرهاب

300,000 تقرير  |  متوسط تقارير المعاملات المشبوهة المرفوعة سنوياً دولياً

85%  |  من عمليات تجميد الأصول الإرهابية جاءت نتيجة تعاون مالي دولي

 

  عزيزي القارئ

معركة مكافحة تمويل الإرهاب ليست حكراً على الحكومات والبنوك وأجهزة الاستخبارات أنت طرف فيها أيضاً، وأحياناً الطرف الأهم، فيما يلي ما يمكنك فعله:

◆  قبل أن تتبرع لأي جهة خيرية تحقّق من تسجيلها الرسمي لدى وزارة الشؤون الاجتماعية أو الجهة الحكومية المختصة، التبرع العشوائي قد يجعلك — دون علمك — شريكاً في جريمة.

◆  إذا طُلب منك تحويل أموال عبر شبكات غير رسمية أو حسابات غير معروفة المصدر فهذه علامة تحذير حمراء الإبلاغ عنها واجب وطني لا خيار.

◆  الوعي بالخطاب المتطرف في الفضاء الرقمي هو درعك الأولى، الجماعات المتطرفة تستخدم منصات التواصل الاجتماعي لجمع التبرعات بلغة دينية وإنسانية مضلّلة، فتّش دائماً عمّن يقف خلف النداء.

◆  وأخيراً — تذكّر أن وراء كل رصاصة ممولاً يجلس في مكانٍ ما بعيداً عن ميدان الموت الذي صنعه، يقظتك هي خط الدفاع الأول، ووعيك هو السلاح الذي لا يُهزم.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى