بقلم: تامـر عبدالعزيز
أمين سر – مدير إدارة الموارد البشرية
يشهد سوق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي تحولات متسارعة، مدفوعة بالتطور التكنولوجي، وتغير أنماط الأعمال، وسعي الحكومات لتنويع اقتصاداتها وتقليل الاعتماد على النماذج التقليدية للتوظيف. في هذا السياق، تبرز مرونة التوظيف والعقود المؤقتة كأحد أبرز الاتجاهات الحديثة التي تعيد تشكيل العلاقة بين أصحاب العمل والموظفين، وتفرض واقعا جديداً أكثر ديناميكية واستجابة لمتطلبات السوق
ومن هنا نبدأ الموضوع بالتالي:
لم يكن أحمد … مهندس برمجيات متمرّس في الثلاثينيات من عمره — يتخيّل يوماً أنه سيرفض عرضاً وظيفياً ثابتاً من شركة كبرى لصالح عقد مدته ستة أشهر مع ثلاث شركات مختلفة في آنٍ واحد. لكنّه فعل. ويقول اليوم بثقة: “أكسب أكثر، وأتعلّم أسرع، وأنا من يختار متى أعمل ومع من.
قصة أحمد ليست استثناءً بعد الآن. إنها نمط آخذ في الانتشار عبر أسواق العمل الخليجية، حيث يُعيد الموظفون والمؤسسات معاً اكتشاف معنى “العقد الوظيفي” في عصر التحول الرقمي وما بعد الجائحة.
من عقد واحد إلى شبكة مهارات:
لعقود طويلة، سادت في منطقة الخليج ثقافة التوظيف الثابت- عقد دائم، راتب شهري، مكتب محدد، وسنوات طويلة مع صاحب عمل واحد. كان هذا النموذج يُريح الطرفين: المؤسسة كانت تضمن موظفاً متوفراً دائماً، والموظف كان يضمن دخلاً منتظماً واستقراراً معيشياً. لكن السؤال الجوهري الذي بات يُطرح اليوم هو: هل هذا النموذج لا يزال الأمثل في ظل اقتصاد يتغيّر كل ستة أشهر؟
الأرقام تقول لا. ووفقاً لأحدث تقارير مجلس التعاون الخليجي لعام 2026، يتوقع أن تصل نسبة الأدوار التعاقدية والمرنة إلى (25% ) من إجمالي الوظائف في المراكز الاستراتيجية الكبرى بنهاية هذا العام، مقارنة بـ 18% فقط عام 2024. وهو نمو لافت خلال سنتين، يكشف عن تحوّل هيكلي عميق في طريقة تفكير المؤسسات في القوى العاملة.
ماذا تعني “المرونة” فعلاً؟
المرونة في التوظيف ليست مجرد “وظيفة جزئية” أو “عقد مؤقت”. إنها منظومة متكاملة من نماذج العمل تشمل:
– العمل الجزئي (Part-time): حيث يعمل الموظف لدى صاحب عمل أو أكثر بساعات محددة.
– العمل المؤقت (Temporary) :عقد لمشروع بعينه، ينتهي بانتهاء المشروع.
– العمل عن بُعد (Remote): أداء المهام من خارج المكتب بشكل كلي أو جزئي.
– تقاسم الوظيفة (Job Sharing): توزيع مسؤوليات وظيفة واحدة بين موظفَين أو أكثر.
– العمل المرن (Flexible Work): حرية تحديد أوقات العمل وفق طبيعة العمل وظروف الحياة.
وأبرز ما يميّز هذه النماذج عن الماضي أنها اليوم (مقننة قانوناً)، لا مجرد ترتيبات غير رسمية.
الخليج يُشرع المرونة: أمثلة رسمية من الواقع

* الإمارات: ست نماذج عمل بقوة القانون
كانت الإمارات من أوائل دول الخليج التي أدركت أن قانون العمل التقليدي لا يستوعب متطلبات الاقتصاد الرقمي. فأطلقت وزارة الموارد البشرية والتوطين (MOHRE) إطاراً قانونياً شاملاً يُرسخ) ستة نماذج عمل رسمية( بموجب المرسوم الاتحادي رقم 33 لعام 2021، وهي: العمل الكامل، والعمل عن بُعد، وتقاسم الوظيفة، والعمل الجزئي، والعمل المؤقت، والعمل المرن.
والأبرز في هذا القانون أن العمال في جميع هذه النماذج يتمتعون بنفس الحماية القانونية الممنوحة للموظف الدائم: إجازات مدفوعة، ومكافأة نهاية خدمة، وتسوية نزاعات عبر الوزارة. وقد صرّح الدكتور عبدالرحمن العور، وزير الموارد البشرية الإماراتي، بأن “القانون يوفّر مرونة للموظفين وأصحاب العمل لاختيار ما يناسب مصالح الطرفين”.
– دبي: تأشيرة العمل الافتراضي
أطلقت دبي برنامج (تأشيرة العمل الافتراضي)، الذي يُتيح للمحترفين الأجانب العيش في الإمارة بينما يعملون لحساب شركات خارجها. المبدأ جريء: لا نريد فقط أن تُنشئ شركتك هنا، بل نريد أن يعيش الموهوب هنا. وهو نموذج يكسر التعريف التقليدي لعلاقة “صاحب العمل — الموظف”.
* المملكة العربية السعودية: برنامج العمل عن بُعد دعماً لرؤية 2030
أطلقت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في المملكة برنامج العمل عن بُعد ضمن مبادرات رؤية 2030، بهدف تحفيز سوق العمل وتوسيع مشاركة الفئات التي تواجه تحديات التنقل، وفي مقدمتها المرأة السعودية في المدن الثانوية والمناطق النائية. ولا يزال الإطار التنظيمي يتطوّر، لكن الاتجاه واضح: السعودية تنتقل من التوظيف المقرّ في مكاتب ثابتة إلى قوى عاملة أكثر مرونة وانتشاراً جغرافياً.
لماذا تتبنّى المؤسسات هذا النموذج؟
أولاً: المرونة المؤسسية في زمن التغيير المتسارع
في اقتصاد تتغيّر متطلباته كل فصل، لا يستطيع مدير الموارد البشرية أن يضمن أن الكفاءات التي يحتاجها اليوم هي نفسها التي سيحتاجها بعد عام. العقود المرنة تمنح المؤسسة القدرة على الدخول والخروج من الاحتياجات التشغيلية دون الارتباط بالتزامات طويلة الأمد أو تكاليف إنهاء خدمة مرهقة. المقاولون العالميون يسمّون هذا المبدأ “Agility over Tenure” الرشاقة بدلاً من الأقدمية.
ثانياً: الوصول إلى المهارات النادرة
تكشف بيانات 2025 أن 88% من مؤسسات منطقة الخليج عانت من نقص في المهارات خلال العام الماضي. ونادراً ما يُجدي الانتظار لإيجاد موظف دائم حين تكون المهارة المطلوبة نادرة. العقود المؤقتة تُتيح للمؤسسة استقطاب خبير في الذكاء الاصطناعي أو محلل بيانات متخصص لمدة ثلاثة أشهر لإنجاز مشروع محدد، دون الحاجة إلى توظيفه بشكل دائم في بيئة ربما لن يبقى فيها طويلاً أصلاً.
ثالثاً: خفض التكاليف التشغيلية
لا يحتاج موظف العقد المؤقت إلى مكتب ثابت، ولا تكاليف تأمين صحي على المدى البعيد، ولا خطط انتقال عائلية، ولا أسهم في برامج المكافآت طويلة الأمد. وبالنسبة للمؤسسات الخليجية التي تتعامل مع ضغوط متزايدة لخفض التكاليف مع الحفاظ على الإنتاجية، هذا الفارق مهم.
ماذا يريد الموظف من هذا النموذج؟
الأمر ليس فرضاً من المؤسسات فحسب — إنه طلب حقيقي من الموظفين أنفسهم.
تُشير الأبحاث إلى أن 87% من العاملين في منطقة الخليج يبدون انفتاحاً على نماذج العمل عن بُعد أو الهجينة. وبينما يُصنّف 59.9% من المرشحين الراتب والمزايا كأولوية قصوى عند قبول أي عرض وظيفي، باتت المرونة تتقدّم بسرعة في سلّم الأولويات.
الجيل الجديد من المحترفين الخليجيين وخاصة المواطنين من الجيل Z يُعيد تعريف علاقته مع العمل. هؤلاء لا يُعرفون أنفسهم بالشركة التي يعملون فيها، بل بالمهارات التي يمتلكونها والمشاريع التي يُنجزونها. إنهم يُفضّلون كسب خبرات متعددة وأسرع على الاستقرار في بيئة واحدة لسنوات.
التحديات: ما لا يقوله المشرفون عادةً
لكن هذه الصورة المضيئة تحتاج إلى توازن. الانتقال إلى نماذج العمل المرنة ليس بلا تكاليف أو مخاطر.
أولاً: الولاء المؤسسي في خطر: موظف العقد المؤقت لا يستثمر عاطفياً في ثقافة المؤسسة بنفس قدر الموظف الدائم. وحين تواجه المؤسسة أزمة، غالباً ما يكون هؤلاء الأول خروجاً. هذا يُعرّض خط قيادة المستقبل “Leadership Pipeline” لفراغات حقيقية، كما يُحذّر خبراء كورن فيري، الذين لاحظوا أن إزالة الأدوار المؤسسية المتوسطة يُدمّر “بنك المواهب القيادية” بصمت.
ثانياً: التحديات القانونية والامتثال: مع تنوّع نماذج العمل، ازداد تعقيد الامتثال القانوني. وقد كشفت تحديثات اشتراطات التوظيف في دول مجلس التعاون لعام 2026 أن من يستخدم العمالة التعاقدية أو الفرق الموزعة مطالَب بمراجعة عقوده وإجراءاته الضريبية وفق تصنيفات الامتثال الجديدة، مع غرامات صارمة لمن لا يلتزم.
ثالثاً: ضعف الشعور بالانتماء: في بيئة العمل الرقمي والمرن، أفاد 12% فقط من المدراء بثقتهم الكاملة في إنتاجية فرقهم عن بُعد. ويُشير المختصون إلى خطر “التحيّز نحو الحضور الجسدي” أي أن الموظف البعيد يبقى بعيداً عن قرارات الترقية والتقدير أيضاً.
رابعاً: نقص المهارات الرقمية في الإدارة: كثير من المدراء الخليجيين تلقّوا تدريبهم القيادي في بيئة مكتبية تقليدية. الإدارة عن بُعد تتطلب مهارات مختلفة: الثقة بدلاً من المراقبة، والنتائج بدلاً من ساعات الحضور، والتواصل الرقمي الفعّال بدلاً من اجتماعات الغرفة المغلقة.
دروس من تجارب عالمية يمكن توطينها
لا نبدأ من الصفر. كثير من اقتصادات العالم سبقتنا في هذه الرحلة ومنها ما يمكن الاستفادة منه:
* نموذج هولندا: رائد عالمياً في العمل الجزئي؛ ما يزيد على نصف القوى العاملة الهولندية تعمل بدوام جزئي مع حماية قانونية كاملة. النتيجة: إنتاجية عالية ورضا وظيفي استثنائي.
* نموذج سنغافورة: يكرس ربط المرونة بالتطوير المهني؛ إذ تشترط الحكومة على المؤسسات التي توظف بعقود مرنة توفير برامج تأهيل مستمرة تحمي مسيرة الموظف المهنية على المدى البعيد.
ما الذي يجب أن تفعله المؤسسات الخليجية الآن؟
في مواجهة هذا التحوّل، يبدو واضحاً أن المؤسسة التي تنتظر حتى يُصبح الواقع أمراً واقعاً قبل أن تتكيّف، ستجد نفسها خارج المنافسة على أفضل المواهب. وفيما يلي توصيات عملية:
1: مراجعة سياسات التوظيف وتصنيف الأدوار إلى دائمة وتعاقدية وهجينة بناءً على طبيعة العمل الحقيقية، لا التقليد الموروث.
2: تطوير أطر تعاقدية واضحة تحمي حقوق كل الأطراف: الراتب، والإجازات، ومكافأة نهاية الخدمة، وحماية البيانات بما يتوافق مع التشريعات المحلية المستجدة.
3: الاستثمار في قيادة المرونة: تدريب المدراء على الإدارة بالنتائج، وبناء الثقة في الفرق الموزعة، واكتشاف المواهب بغض النظر عن موقعها الجغرافي.
4: عدم إهمال خط القيادة: التأكد من أن نماذج العمل المرنة لا تُفرز موظفين “من الدرجة الثانية” غائبين عن مسارات الترقية والتطوير.
5: قياس الأداء بمعايير جديدة: مؤشرات مثل “ساعات الحضور” تفقد معناها في بيئة مرنة. آن الأوان لاعتماد مؤشرات النتائج والأثر.
الاستنتاج: مَن يُعرف القواعد، يُعرِف المستقبل
المؤسسات التي ستنجح في هذا المشهد الجديد هي تلك التي تتعامل مع القوى العاملة كشبكة مهارات متحرّكة لا كهيكل جامد، والتي تبني سياساتها على مبدأ أن “العقد الجيد” ليس بالضرورة “العقد الدائم” — بل العقد الذي يخدم الجهتين بوضوح وعدالة وشفافية.
الخليج بنى نفسه على الرؤية والجرأة في التحوّل. ونموذج العمل المرن ليس سوى فصل جديد في تلك القصة.
عزيزي القارئ المسؤول:
في نهاية المطاف، مرونة التوظيف ليست موضة إدارية عابرة، ولا استجابة ظرفية لجائحة أو أزمة. إنها انعكاس لتحول أعمق في الاقتصاد العالمي والخليجي: اقتصاد يُقدر المهارة على الاستمرارية، والأثر على الحضور، والكفاءة على الأقدمية.


