
الاحتيال هو الثابت والقاسم المشترك على مر العصور والأزمنة. تتغير الوجوه وكذلك الأدوات والآليات، لكن “آكلي السحت” ومصاصي الدماء، ومن يعتاشون على الإضرار بالآخرين، وأصحاب الوجوه المتلونة المتحولة التي تتبدل حسب الموجة، كل هذه ممارسات ليست جديدة أو حديثة، إنما هو إرث سيئ من مستنقع الفاسدين والمفسدين مالياً، عديمي الأخلاق، مدعين الفضيلة ممن يقولون ما لا يفعلون.
مدارس الاحتيال متعددة ومختلفة وسلوكياتها متباينة، لكنهم يلبسون جميعاً قناع الشرف والفضلي، ويدرسون عن الأخلاق، ويصدرون الشعارات الرنانة عن الأمانة، ويحاربون الفساد علناً، لكنه فساد الآخرين بالطبع، أما فسادهم فمباح ومشروع وربما قليل من الماء يُطهره.
هذه الشريحة من الفاسدين يلبسون آلاف الأقنعة ولهم آلاف الوجوه، حتى أن بعضهم يعتبر من أكبر المتبرعين الخيّرين، وربما بعضهم من مؤسسي المساجد، لكن لنقف أمام ما جاء في الأثر “من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا”، والتي تتطابق مع قول الله تعالي، (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ).
لذلك ليس هناك أي عجب أو استغراب من أن يكون فاسداً أو متلاعباً أو ذو تاريخ سلبي في الشركات والكيانات التجارية، ثم يتصدر المشهد وسدة الإدارة في كبرى المؤسسات، ففي بعض الأحيان أصحاب البصمة السيئة قد يحالفهم الحظ مؤقتاً، كما قال الحق سبحانه وتعالى، (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) .
فهم يهتمون بترتيب الدفاتر والميزانيات والبيانات المالية، وينمقون تقارير الحوكمة والاستدامة، ويتعاقدون مع الأبواق ويرتبون الشعارات مع “الدمباكجية” و”المطبلين” لكن على من تتلوا مزاميرك ياداوود…!!
قد يستمر المحتال لسنوات، وقد لا ينكشف، وقد يكون هناك من يوفر له الحماية ومن يدعمه ومن يوفر له النصاب الكامل للاستمرار، لكن علمتنا الحياه وقوانينها ونواميس الكون أن الحساب قادم مهما تأخر، ومهما تيقن من تيقن أنه فلت أو سيفلت من الحساب.
وأخيرا، إلى بعض المحتالين، ما عليكم الوعي به هو أن ممارساتكم ليست شطارة أو نباهة أو ذكاء، إنها سلوك سيئ سلبي يستطيع الكثيرين ممارسته بسهولة، لكن تمنعهم قوانين الأخلاق التي لا تعرفونها عندما تلتهمون الأخضر واليابس من أجل مصالحكم الخاصة والطوفان يجرف من بعدكم، فهل تتعظون ممن سبقكم بتوريث العار المجتمعي لطابور الورثة.




