بقلم/ د. علي عويد رخيص
خبير اقتصادي ومحاسبي
مؤس ومدير عام – مكتب الواحة لتدقيق الحسابات عضو Nexia
رئيس لجنة أمناء إفلاس شركة دار الاستثمار TID
المقدمة
قبل عقد من الزمان، كان بند «التنمية المستدامة» يُكتب في آخر سطر من ميزانية الشركة، وكأنه صدقة اختيارية تُمنح عند وجود فائض. حملة تشجير هنا، تبرع لمدرسة هناك، ومبادرة تطوعية تُحذف فور ضغط الأرباح.
اليوم انقلبت المعادلة تماماً.
ما كان يُعتبر «ترفًا إداريًا» أصبح شرطًا تمويليًا، ومتطلبًا رقابيًا، ومعيارًا يُقيّم به المستثمرون الأجانب الشركات. انتقلت الاستدامة من صفحة المسؤولية الاجتماعية إلى قلب الموازنة التشغيلية والاستراتيجية.
فكيف تحولت من بند «نتصدق به» إلى بند «نُحاسب عليه»؟ وما الذي يجب أن يتغير في طريقة تفكيرنا محاسبيًا واستراتيجيًا تجاهها؟
أولاً: ما الذي غيّر مكانة التنمية المستدامة؟
ثلاث قوى رئيسية دفعتها من الهامش إلى المركز:
1- التنظيم والرقابة
هيئة أسواق المال، بنك الكويت المركزي، ومعايير الحوكمة ESG أصبحت تطلب إفصاحات واضحة عن الأثر البيئي والاجتماعي. لم تعد اختيارية.
2- التمويل
البنوك اليوم تسأل: «ما خطة الشركة للاستدامة؟» قبل اعتماد القرض.
وفي الكويت على سبيل المثال، بدأت بعض البنوك المحلية تربط هامش الفائدة بتقييم الشركة في مؤشرات ESG. الاستدامة أصبحت تساوي فلوس مباشرة.
3- المخاطر
من انقطاع المياه إلى ارتفاع أسعار الطاقة إلى سمعة العلامة التجارية. الشركات اكتشفت أن تجاهل الاستدامة = خسارة مباشرة على قائمة الدخل.
ثانياً: من «مصروف» إلى «استثمار استراتيجي»
| البند | سابقاً: بند ترف | الآن: بند استراتيجي |
| الهدف | تحسين الصورة | تقليل المخاطر وزيادة القيمة |
| التمويل | من صافي الربح المتبقي | بند معتمد في الميزانية السنوية |
| القياس | عدد المبادرات | العائد على الاستثمار ROI + الأثر |
| المسؤول | قسم العلاقات العامة | الإدارة العليا + مجلس الإدارة |
مثال عملي:
تركيب ألواح طاقة شمسية لم يعد «مبادرة خضراء»، هو الآن مشروع يخفض فاتورة الكهرباء لمدة تصل إلى 20 سنة. هذا استثمار، وليس صدقة.
ثالثاً: المعالجة المحاسبية.. أين نضع الاستقطاع؟
الخطأ الشائع: تحميل الاستقطاع للتنمية على صافي الربح بعد الضريبة.
المعالجة الصحيحة حسب معايير IFRS:
1- التزاماً تعاقدياً أو قانونياً ← مخصص وفق `IAS 37` ويُحمل قبل صافي الربح.
2- مبادرة اختيارية مرتبطة بالإيراد ← مصروف تسويق أو تشغيل وفق `IFRS 15`.
3- مشروعاً رأسمالياً مثل ألواح شمسية ← يُرسمل كأصل وفق `IAS 16`.
4- إفصاحاً إلزامياً وفق `IFRS S1/S2` ← ربط الميزانية المالية بالمستدامة في التقرير السنوي المتكامل.
رابعاً: كيف تبني ميزانية استدامة ناجحة؟
1- اربطها بالمخاطر: الماء، الطاقة، الموظفين، سلسلة التوريد.
2- ضع مؤشرات أداء KPIs قابلة للقياس: «خفضنا استهلاك الماء بنسبة 15%».
3- افصل بين النفقات الرأسمالية Capex والتشغيلية Opex.
4- أفصح بشفافية: المستثمر يريد الرقم والأثر، وليس الصور.
خامساً: التحديات وتحذير من الغسل الأخضر Greenwashing
أخطر التحديات هو «الغسل الأخضر»: تقديم صورة وهمية عن الاستدامة دون أثر حقيقي. أصبح مخاطرة سمعة وتنظيمية مع تشديد الرقابة.
النجاح يكون عندما ترتبط مؤشرات الاستدامة بمكافآت الإدارة العليا وبنظام رقابة داخلية.
سادساً: من يدفع الثمن؟
من لا يدفع اليوم، سيدفع غداً أضعافاً: غرامات، فقد تمويل، خسارة عقود.
الاستدامة لم تعد تكلفة، بل هي تأمين ضد مخاطر المستقبل.
الخاتمة
التنمية المستدامة اليوم إدارة مخاطر، وميزة تنافسية، وشرط بقاء.
القاعدة الذهبية:
«لا تخصص للتنمية ما تبقى من الميزانية.. خصص للميزانية ما تحتاجه التنمية لتبقى شركتك.»
في عالم المال الجديد، الشركات التي ترى الاستدامة «ترفًا».. ستجد نفسها «ترفًا» يمكن للسوق الاستغناء عنه.




