مقالات

المدقق الافتراضي: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل المحاسب خلال 5 سنوات؟

 

  • الذكاء الاصطناعي لم يأتِ ليأخذ وظيفتك… بل ليكشف من لا يتطور

 

بقلم/ د. علي عويد رخيص

خبير اقتصادي ومحاسبي

مؤس ومدير عام – مكتب الواحة لتدقيق الحسابات عضو Nexia

رئيس لجنة أمناء إفلاس شركة دار الاستثمار TID

 

المقدمة: الصدمة ليست في AI… بل في سرعة التغيير

تخيل أن يدخل إلى مكتب التدقيق “موظف” لا ينام، ولا يأخذ إجازة، ولا يطلب راتبًا، ويستطيع تحليل ملايين العمليات خلال دقائق، واكتشاف نمط غير طبيعي ربما لم يلاحظه فريق كامل خلال أسابيع.

هل ستحتاج بعد ذلك إلى نفس عدد المحاسبين والمدققين؟

هنا تبدأ القصة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في مهنة المحاسبة.

التحول الذي نشهده اليوم ليس مجرد استخدام برنامج جديد أو أتمتة بعض المهام. نحن أمام إعادة تعريف لما يعنيه أن تكون محاسبًا أو مدققًا في الأساس.

ومع ازدياد تعقيد المتطلبات المهنية، من معايير التقارير المالية مثل IFRS 17 إلى تقارير الاستدامة وتحليل المخاطر، أصبحت كمية البيانات التي يتعامل معها المحاسب أكبر من أن تعتمد على العمل اليدوي وحده.

لكن السؤال الأهم ليس: هل يستطيع AI أن يقوم بعمل المحاسب؟

السؤال الحقيقي هو: ما الذي سيبقى من دور المحاسب عندما يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام بجزء كبير من العمل الروتيني؟

ماذا يفعل الذكاء الاصطناعي في التدقيق اليوم؟

الذكاء الاصطناعي لم يعد فكرة مستقبلية بعيدة. شركات التدقيق الكبرى بدأت بالفعل في دمجه داخل عمليات التدقيق والتحليل وإدارة المخاطر.

فـPwC طوّرت منصة Maestro، وهي بيئة تدقيق مدعومة بالذكاء الاصطناعي بشكل أصلي (AI-native)، تجمع بين تقييم المخاطر والتحليلات المتقدمة والكشف عن الشذوذ، مع التركيز على إبقاء الحكم المهني في قلب العملية. كما تؤكد الشركة أن الهدف هو تمكين المدقق من التركيز على المهام الأعلى قيمة وممارسة الحكم المهني.

وفي Deloitte، تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في مجالات مثل تحليل المستندات، تقييم المخاطر، اكتشاف الحالات الشاذة، وأتمتة بعض المهام المتكررة. كما طورت الشركة منصة Omnia التي أصبحت تضم شبكة من وكلاء الذكاء الاصطناعي (Agentic AI) قادرة على تنفيذ إجراءات أولية مثل استخراج البيانات وصياغة الوثائق وتقييم المخاطر، إلى جانب أداة DARTbot للبحث المهني ودعم المدققين في الوصول إلى المعلومات والمعايير المهنية.

أما KPMG فتدمج الذكاء الاصطناعي والأتمتة داخل منصة KPMG Clara عبر وكلاء ذكيين يدعمون التحليل المستمر للبيانات الكاملة والكشف عن الأنماط، مع التأكيد على أن مخرجات الذكاء الاصطناعي لا تحل محل الحكم المهني للمدقق وتخضع للرقابة البشرية.

أبرز ما يستطيع AI القيام به:

التدقيق المستمر: بدل الاعتماد فقط على عينات محدودة من العمليات، تستطيع أدوات التحليل الحديثة التعامل مع مجموعات بيانات ضخمة واكتشاف الحالات غير الطبيعية بشكل أسرع.

كشف الاحتيال والشذوذ: الخوارزميات تستطيع البحث عن أنماط وعلاقات غير معتادة قد يصعب على الإنسان اكتشافها وسط ملايين العمليات.

تحليل المخاطر: يمكن استخدام AI للمساعدة في تحديد المناطق والحسابات والعمليات التي تستحق اهتمامًا أكبر من فريق التدقيق.

وهنا يحدث التغيير الجوهري:

المدقق لم يعد مضطرًا إلى قضاء معظم وقته في البحث عن المشكلة؛ التكنولوجيا تساعده على تحديد أين يحتمل أن تكون المشكلة، ثم يأتي دوره في فهمها والتحقق منها واتخاذ الحكم المهني.

 

هل سيأخذ AI وظيفة المحاسب؟ الحقيقة أكثر تعقيدًا

الإجابة القصيرة: ليس بالضرورة.

الذكاء الاصطناعي سيأخذ مهام من المحاسب أكثر مما سيأخذ دور المحاسب بالكامل.

هناك فرق كبير بين الاثنين.

المهام الأكثر عرضة للأتمتة:

* إدخال البيانات.

* مطابقة الفواتير والعمليات.

* بعض أعمال التسويات الروتينية.

* استخراج المعلومات من المستندات.

* إعداد بعض التقارير الأولية.

* بعض أعمال المراجعة والتحقق المتكرر.

لكن في المقابل، هناك مهام يصعب اختزالها في مجرد خوارزمية:

* تفسير النتائج.

* تقييم المخاطر.

* الحكم المهني.

* فهم سياق الشركة وبيئتها.

* التعامل مع الحالات الاستثنائية.

* التواصل مع الإدارة وأصحاب المصلحة.

* اتخاذ القرار عندما لا تكون الإجابة واضحة.

وهنا تظهر شخصية المحاسب الجديد.

لن يكون دوره مجرد “حارس للأرقام”، بل قد يتحول إلى: مفسر بيانات + خبير مخاطر + مستشار أعمال + مستخدم ذكي للتكنولوجيا.

بمعنى آخر، لن تكون القيمة المستقبلية للمحاسب في قدرته على القيام بكل شيء يدويًا، بل في قدرته على معرفة ماذا يسأل، وكيف يفسر الإجابة، ومتى لا يثق بها.

 

التحدي الحقيقي: ماذا لو كان AI مخطئًا؟

من السهل أن نتحدث عن سرعة AI وقدرته على تحليل كميات ضخمة من البيانات، لكن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية:

ماذا يحدث عندما يعطي الذكاء الاصطناعي نتيجة خاطئة؟

الذكاء الاصطناعي ليس معصومًا من الخطأ.

وقد تكون المشكلة أكبر في المحاسبة والتدقيق لأن القرارات المهنية ترتبط بالأموال، والمساهمين، والمستثمرين، والجهات التنظيمية.

لذلك، لا يكفي أن تكون لدينا أداة ذكية. نحتاج أيضًا إلى:

* جودة بيانات عالية.

* رقابة بشرية.

* ضوابط واضحة.

* قابلية لتفسير النتائج.

* حماية للبيانات والخصوصية.

* تحديد واضح للمسؤولية.

* تدريب مهني مستمر.

وهذا هو السبب في أن شركات التدقيق نفسها تؤكد على أهمية الحوكمة والحكم المهني عند استخدام AI. Deloitte، على سبيل المثال، تشير إلى أهمية إدارة المخاطر والأخلاقيات والتدريب، بينما تؤكد KPMG أن مخرجات الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى التحقق والحكم المهني.

إذن، السؤال ليس فقط: هل يستطيع AI القيام بالمهمة؟

بل: هل نستطيع استخدامه بطريقة يمكن الوثوق بها؟

 

التحدي في الكويت والخليج

إذا كان هذا التحول عالميًا، فالسؤال الذي يهمنا في الخليج هو:

هل نحن مستعدون له؟

التحدي في الكويت والخليج ليس بالضرورة في توفر التكنولوجيا، وإنما في جاهزية المؤسسات لاستخدامها بالشكل الصحيح.

هناك عدة تحديات قد تواجه الشركات:

أولًا: جودة البيانات

الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى بيانات جيدة. فإذا كانت البيانات غير منظمة أو غير مكتملة أو موزعة على أنظمة مختلفة، فلن تتحول التكنولوجيا وحدها إلى حل سحري.

ثانيًا: مقاومة التغيير

بعض المؤسسات قد تنظر إلى AI باعتباره تهديدًا للموظفين بدل اعتباره أداة لرفع الإنتاجية وتغيير طبيعة العمل.

ثالثًا: التكلفة والجاهزية

تطبيق AI بصورة صحيحة لا يعني شراء أداة فقط، بل يحتاج إلى بنية تقنية، وأمن معلومات، وتدريب، وحوكمة، وربط مع الأنظمة القائمة.

رابعًا: المسؤولية والحوكمة

إذا اتخذ نظام AI قرارًا خاطئًا أو أشار إلى عملية باعتبارها عالية المخاطر، فمن المسؤول عن القرار النهائي؟

هنا تحديدًا ستصبح الحوكمة والأخلاقيات جزءًا أساسيًا من عمل المحاسب والمدقق في المستقبل.

وتشير دراسات حديثة في دول الخليج إلى أن معظم المؤسسات لا تزال في مرحلة التجارب الأولية (Pilot Purgatory)، حيث لم تتحول بعد من التجربة إلى التطبيق الواسع المصحوب بحوكمة واضحة وعائد ملموس.

والاتجاه العالمي نفسه يتجه نحو هذا النوع من الاستخدام المسؤول؛ فالشركات الكبرى في التدقيق لا تتعامل مع AI باعتباره بديلًا عن الإنسان، بل كأداة تحتاج إلى ضوابط وحكم مهني ورقابة.

كيف تستعد؟ أربع مهارات يجب أن تبدأ بتطويرها اليوم

إذا كنت محاسبًا أو مدققًا أو طالب محاسبة، فالسؤال الأهم ليس:

“هل سيستبدلني AI؟”

بل: “هل سأكون أنا الشخص الذي يعرف كيف يستخدم AI؟”

1- فهم البيانات

لا يشترط أن تصبح مبرمجًا محترفًا، لكن من المهم أن تفهم كيفية التعامل مع البيانات وتحليلها. ابدأ بأدوات مثل: SQL – Power BI – Python. والهدف ليس أن تتحول إلى عالم بيانات، بل أن تصبح محاسبًا يستطيع فهم البيانات واستخدامها لاتخاذ قرار أفضل.

2- التفكير النقدي

AI يعطيك نتيجة. لكن أنت المسؤول عن السؤال: هل هذه النتيجة منطقية؟ وهذه قد تكون واحدة من أهم المهارات في عصر الذكاء الاصطناعي. المحاسب القوي في المستقبل لن يكون الشخص الذي يثق بإجابة AI، بل الشخص الذي يعرف متى يشك فيها.

3- الحوكمة والأخلاق

من المسؤول عندما يخطئ AI؟ كيف نحمي البيانات المالية؟ كيف نضمن عدم استخدام معلومات حساسة بطريقة غير صحيحة؟ وكيف نوثق القرارات التي ساهم AI في اتخاذها؟ هذه الأسئلة ستصبح جزءًا أساسيًا من الممارسة المهنية، وليس مجرد موضوع تقني.

4- التواصل وشرح النتائج

الذكاء الاصطناعي يعطي أرقاماً وتحليلات، لكن العميل أو الإدارة أو لجنة التدقيق تحتاج إلى فهم واضح ومقنع. القدرة على ترجمة النتائج التقنية إلى لغة أعمال بسيطة، وشرح المخاطر والفرص، أصبحت مهارة أساسية تميز المحاسب والمدقق في عصر AI

الخاتمة: المهنة لن تختفي… لكنها ستتغير

في النهاية، ربما يكون السؤال: “هل سيحل AI محل المحاسب؟” سؤالًا خاطئًا من الأساس.

السؤال الأهم هو: “ما نوع المحاسب الذي سيحتاجه السوق بعد خمس سنوات؟”

المحاسب المستقبلي لن تكون قيمته في قدرته على إدخال البيانات أو مطابقة الأرقام فقط، بل في قدرته على فهم البيانات، وتفسير المخاطر، وطرح الأسئلة الصحيحة، واتخاذ القرار عندما لا تكون الإجابة واضحة.

الذكاء الاصطناعي لن يستبدل المحاسب بالكامل، لكنه سيعيد تعريف المحاسب الذي يحتاجه السوق.

وقد تكون الحقيقة الأكثر قسوة:

المحاسب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لن يستبدل به المحاسب الذي لا يستخدمه؛ بل قد يحل محله.

ومن يتأخر في تطوير هذه المهارات لن يجد نفسه مستبدلاً بالذكاء الاصطناعي مباشرة، بل مستبدلاً بمن يجيد استخدامه.

المستقبل ليس: AI ضد الإنسان.

المستقبل هو: الإنسان + AI ضد الإنسان الذي اختار أن يعمل وحده.

ولهذا، فإن أفضل وقت للمحاسب كي يبدأ بالتطور ليس عندما تختفي بعض وظائف اليوم،

بل قبل أن تختفي.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى