مقالات

الضمانات غير القابلة للتنفيذ وتأثيرها على استقرار القطاع المصرفي

قراءة في تعميم بنك الكويت المركزي

 

بقلم/ يوسف صالح العثمان

الرئيس الفخري – جمعية المحاسبين والمراجعين الكويتية

 

يُشكل القرار الصادر عن بنك الكويت المركزي بتاريخ 9 أغسطس 2026 بشأن استبعاد “القسائم المقامة على أملاك الدولة” من وعاء الضمانات الائتمانية منعطفاً تنظيمياً مهماً في إدارة المخاطر المصرفية. فالتعميم لا يتناول مجرد إجراء إداري، بل يعالج إشكالية جوهرية في علم إدارة المخاطر الائتمانية: العلاقة بين “وجود الضمان” و “قابلية تسييله عند التعثر”.

الأساس النظري: مبدأ ملاءمة الضمانات في بازل 3

تستند الممارسات المصرفية الدولية، وتحديداً إطار بازل 3، إلى مبدأين أساسيين عند قبول الضمانات:

1- الملكية القانونية الواضحة: يجب أن يكون للدائن حق قانوني مباشر على الأصل المرهون.

2- قابلية التسييل: أن يكون الأصل قابلاً للبيع في السوق خلال فترة زمنية معقولة وبسعر يعكس قيمته العادلة.

القسائم المقامة على أملاك الدولة لا تستوفي هذين الشرطين. فهي حق انتفاع يصدر بقرار إداري، ولا ترقى إلى مرتبة الملكية الخاصة القابلة للرهن والبيع بالمزاد العلني. وبالتالي فإن الاعتماد عليها يخلق “وهم تغطية” للمخاطر دون وجود آلية تنفيذ فعلية عند تعثر المقترض.

المخاطر الناتجة عن قبول ضمانات غير قابلة للتنفيذ:

من منظور علمي، يؤدي قبول هذا النوع من الضمانات إلى 3 تشوهات رئيسية:

1-  تشوه في احتساب كفاية رأس المال:

عند إدراج ضمان ضعيف ضمن الضمانات الاحتياطية، تنخفض الأوزان الترجيحية للمخاطر بشكل مصطنع، مما يعطي صورة مضللة عن متانة المركز المالي للبنك.

2-  تضخم الائتمان على أسس غير اقتصادية:

يؤدي توافر ضمان “سهل” إلى توسع الإقراض دون تقييم دقيق للجدارة الائتمانية للمقترض، مما يزيد من تراكم الديون المتعثرة مستقبلاً.

3-  مخاطر قانونية وتنظيمية:

في حال التعثر، ستجد البنوك نفسها أمام أصل لا يمكنها التصرف فيه قضائياً، مما يطيل أمد التسوية ويرفع كلفة الخسارة.

دلالات التعميم على السياسة النقدية والاستقرار المالي

قرار المركزي الكويتي يعكس انتقالاً من “الرقابة الشكلية” إلى “الرقابة الجوهرية”. فبدلاً من الاكتفاء بوجود مستند ضمان، يطالب البنك بإجراء “تقييم شامل” للتسهيلات القائمة وطلب “ضمانات إضافية مقبولة” عند الحاجة. هذا يعني:

– إعادة تسعير المخاطر: سيضطر القطاع المصرفي لإعادة تقييم محفظته الائتمانية ورفع المخصصات.

– انضباط ائتماني: سيؤدي إلى ترشيد الإقراض المرتبط بأصول غير منتجة، وتوجيه التمويل نحو المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية الحقيقية.

– حماية المال العام: يمنع تحويل أملاك الدولة إلى أداة لرفع الروافع المالية في القطاع الخاص دون مقابل.

 الخلاصة

إن تعميم بنك الكويت المركزي يمثل تطبيقاً عملياً لنظرية “جودة الأصول” على مستوى السياسة الرقابية. فاستبعاد الضمانات ذات القابلية القانونية والتنفيذية الضعيفة ليس تقييداً للائتمان، بل هو تصحيح لمسار تخصيص الموارد. الهدف النهائي هو بناء جهاز مصرفي أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، وضمان أن يكون النمو الائتماني مدعوماً بضمانات حقيقية وليس بضمانات ورقية.

هذا التوجه يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية ويعزّز مناعة القطاع المالي الكويتي في مواجهة تقلبات الدورات الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى