الذكاء الاصطناعي وثورة الإنتاجية: لمن تذهب الثروة الجديدة؟
بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
Elshebshiry@outlook.com
لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغيّر الاقتصاد العالمي؛ فهذا التحول بدأ بالفعل. السؤال الأهم هو: من سيحصل على الجزء الأكبر من الثروة التي سيخلقها؟ فقد يستفيد العمال والمستهلكون والمجتمعات من أجور أعلى، وأسعار أقل، وساعات عمل أقصر، وخدمات أفضل. وقد تذهب الحصة الأكبر إلى الشركات الكبرى والمساهمين والمديرين التنفيذيين، في صورة أرباح أعلى وأسعار أسهم مرتفعة وإعادة شراء للأسهم.
تكمن القضية الاقتصادية الحقيقية في أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية جديدة، بل أداة قادرة على إعادة توزيع القوة بين العمل ورأس المال. فإذا دخل الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد تحكمه أولوية تعظيم قيمة المساهمين، فقد ترتفع الإنتاجية من دون أن يتوزع الدخل الناتج عنها توزيعًا عادلًا.
التكنولوجيا لا تحدد وحدها توزيع الثروة
يمتلك الذكاء الاصطناعي إمكانات هائلة لرفع الإنتاجية والنمو والدخل. ويقدّر صندوق النقد الدولي أنه سيؤثر في نحو 40% من الوظائف عالميًا، وقد تصل النسبة إلى 60% في الاقتصادات المتقدمة. غير أن الصندوق يحذّر من احتمال اتساع عدم المساواة إذا لم يُدار التحول بصورة مناسبة. كما تشير أبحاث اقتصادية إلى أن التكنولوجيا والأتمتة قد تستبدلان بعض المهام والعمال، وقد أسهم ذلك في زيادة التفاوت في الأجور خلال العقود الماضية.
لذلك، لا تكمن المشكلة بالضرورة في أن الذكاء الاصطناعي «سيقتل الوظائف»، بل في أن قيمة الوظائف التي ستختفي، وقيمة الوظائف الجديدة، ومكاسب الإنتاجية نفسها، قد لا تتوزع بالتساوي. وقد تبقى الوظيفة قائمة، لكن يزداد المطلوب من العامل من دون زيادة مماثلة في الأجر، أو تُستخدم التقنية لمراقبته وقياس أدائه لحظة بلحظة، فتتحول إلى أداة لرفع الإنتاجية وتعزيز السيطرة على العمل في آن واحد.
من الاستثمار طويل الأجل إلى أولوية سعر السهم
منذ صعود نموذج «قيمة المساهم» في الشركات الأمريكية، أصبح ارتفاع سعر السهم معيارًا أساسيًا لنجاح الإدارة. وبدل التركيز على بناء شركة أقوى خلال عقود، اتجهت بعض الشركات إلى تحقيق نتائج سريعة خلال الربع أو العام التالي. وعندما يتيح الذكاء الاصطناعي إنتاج الكمية نفسها بعدد أقل من العاملين، أو إنتاج كمية أكبر بالعدد نفسه، تنشأ ثروة إضافية؛ لكن السؤال يبقى: لمن تذهب؟
توضح إعادة شراء الأسهم هذا التوجه. فقد، أنفقت شركات مؤشر S&P 500 نحو 249 مليار دولار على إعادة شراء الأسهم في الربع الثالث من عام 2025، وبلغت عمليات إعادة الشراء خلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في سبتمبر من العام نفسه نحو 1.02 تريليون دولار. وكان يمكن توجيه جزء من هذه الأموال إلى زيادة الأجور، والتدريب، والبحث والتطوير، وبناء المصانع، أو تقليل ساعات العمل.
وتقدم Microsoft مثالًا دالًا؛ إذ أنها قد أنفقت بين عامي 2006 و2025 نحو 283 مليار دولار على إعادة شراء الأسهم، و223 مليار دولار على توزيعات الأرباح، أي 506 مليارات دولار مجتمعة. ولا يعني ذلك أن هذه الممارسات غير قانونية أو شريرة في ذاتها، لكنه يطرح سؤالًا جوهريًا: إذا ضاعفت التقنية إنتاجية العامل، فلماذا تذهب الزيادة تلقائيًا إلى المساهم، بدل أن يشارك فيها العامل الذي أسهم في تحقيقها؟
الذكاء الاصطناعي ليس قدرًا محتومًا
يمكن للتقنية أن تمكّن العامل أو تستبدله، والفرق تحدده المؤسسات والحوافز والقواعد. فإذا زادت إنتاجية شركة ما بنسبة 30%، يمكن توزيع القيمة الإضافية على المساهمين، أو العاملين، أو المستهلكين من خلال خفض الأسعار، أو المجتمع عبر الاستثمار في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، أو استخدامها لتقليل ساعات العمل والإنفاق على البحث والتطوير. ولا توجد قاعدة اقتصادية تفرض ذهاب هذه المكاسب إلى المساهمين؛ فذلك نتيجة لنظام الحوافز الذي تختاره المجتمعات.
لهذا لا يكفي أن يُقال للعمال: «تعلّموا استخدام الذكاء الاصطناعي». فإعادة تأهيل العاملين مهمة، لكنها لن تحل المشكلة إذا ذهبت معظم القيمة الناتجة عن مهاراتهم الجديدة إلى رأس المال. المطلوب ليس فقط إعادة تدريب العامل، بل أيضًا إعادة هيكلة النظام الذي يحدد كيفية توزيع مكاسب الإنتاجية.
نحو توزيع أعدل لمكاسب الإنتاجية
يتطلب ذلك ربط تعويضات المديرين التنفيذيين بالنجاح طويل الأجل، ومراجعة الحوافز التي تجعل إعادة شراء الأسهم أكثر جاذبية من الاستثمار المنتج، وتعزيز تمثيل العمال في مجالس الإدارة، وتحديث قوانين المنافسة لمنع شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة من تحويل قوتها التكنولوجية إلى احتكارات دائمة. كما ينبغي توجيه جزء أكبر من المكاسب إلى التعليم والتدريب والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية، بحيث يصبح العامل شريكًا في الثورة التقنية لا مجرد تكلفة تسعى الشركة إلى خفضها.
تُظهر تجربة الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية أن ارتفاع الإنتاجية والأجور واتساع الطبقة الوسطى لم يكن نتيجة التكنولوجيا وحدها، بل نتيجة النقابات، والاستثمار العام، والتعليم، والضرائب، والتنظيم المالي، والمساومة بين رأس المال والعمل.
الخلاصة
قد يكون الذكاء الاصطناعي أعظم فرصة لرفع الإنتاجية منذ الثورة الصناعية، لكنه قد يصبح أيضًا أداة غير مسبوقة لتركيز الثروة إذا خضعت مكاسبه لنظام يقدّم سعر السهم على الاستثمار في الإنسان. فالتكنولوجيا ستخلق الثروة، لكن المؤسسات هي التي ستحدد لمن تذهب. لذلك فإن المعركة الكبرى ليست بين الإنسان والآلة، بل بين نظام يجعل التقنية وسيلة للرخاء العام، ونظام يجعلها وسيلة أسرع لتركيز الثروة في أيدي مالكي رأس المال. والسؤال الحاسم ليس: «كم يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينتج؟» بل: «من سيحصل على ثمار ما ينتجه؟»




