مقالات

الحوكمة المؤسسية… لماذا تفشل الحوكمة رغم وجود الأنظمة والقوانين؟

 

بقلم: د. علي عويد رخيص

خبير اقتصادي ومحاسبي – رئيس لجنة مراقبي الحسابات بجمعية المحاسبين والمراجعين الكويتية ورئيس لجنة تصفية شركة دار الاستثمار TID

 

في كثير من المنظمات نجد أنظمة حوكمة مكتوبة بإتقان، ولوائح مفصلة، ولجاناً متعددة… ومع ذلك تفشل الحوكمة فشلاً ذريعاً.

السؤال ليس: هل لدينا قوانين؟ السؤال هو: لماذا لا تعمل هذه القوانين؟

1. وجود القانون ≠ تطبيقه

القانون موجود على الورق. لكن:

* الانتقائية: يُطبَّق على الصغير ويُستثنى الكبير.

* التأخير: العقوبة تصل بعد سنوات فتفقد أثرها الرادع.

* الثغرات: نكتب قانوناً محكماً… ثم تفرّغه اللائحة التنفيذية من محتواه.

* التساهل الخارجي: أحياناً تكون الجهات الرقابية نفسها متساهلة أو بطيئة، فتعطي غطاءً إضافياً للفشل الداخلي.

النتيجة: الناس تحترم «القوة» لا «القانون».

2. تضارب المصالح يقتل الاستقلالية

هذا أخطر سبب. تجد عضو مجلس الإدارة هو نفسه المورد، أو رئيس لجنة التدقيق صديقاً للمدير التنفيذي. مهما كان النظام قوياً، القرار يخرج «مُفصَّلاً» لخدمة أشخاص لا المؤسسة.

مثال الجمعيات التعاونية: عندما يكون مجلس الإدارة هو المستأجر الأول لمحلات الجمعية… كيف تتوقع حوكمة عادلة في الإيجارات؟

3. هيكل الملكية يُضعف الحوكمة من جذورها

في البيئة الكويتية والخليجية، كثيراً ما يكون الفشل ناتجاً عن هيكل الملكية نفسه: سيطرة عائلية، ملكية حكومية كبيرة، أو تركز الأسهم في أيدي قلة. في هذه الحالات تتحول اللجان المستقلة إلى واجهة شكلية، لأن القرار النهائي يبقى بيد المسيطر الفعلي. الحوكمة الحقيقية تبدأ من توازن السلطات داخل هيكل الملكية، لا من كثرة اللجان.

4. ثقافة «الكمية» تغلب «الجودة»

اجتماعات مجلس إدارة كل شهر + تقارير + لجان… والكل يوقع دون قراءة. الحوكمة تتحول إلى «Checklist» لإرضاء التدقيق الخارجي، لا أداة لاتخاذ قرار أفضل.

والأخطر أن الكمية نفسها تُستخدم كدرع: «عقدنا 12 اجتماعاً وكتبنا 40 تقريراً، إذن نحن نمارس الحوكمة».

نسميها: «حوكمة شكلية» (Form over Substance).

5. غياب المحاسبة والمساءلة الحقيقية

القانون يقول «من يخطئ يُحاسب». الواقع يقول:

* لا مؤشرات أداء واضحة (KPIs).

* لا عزل للفاشل.

* المكافآت مربوطة بالعلاقات لا بالنتائج.

عندما يعرف الشخص أنه «لن يُحاسب»… يصبح القانون حبراً على ورق.

6. ضعف الكفاءة والوعي

نضع نظام حوكمة معقداً منسوخاً من شركة أمريكية على جمعية تعاونية أو شركة عائلية. النتيجة: المحاسب والمدير وأعضاء المجلس أنفسهم لا يفهمون النظام، فيتهربون منه أو يلتفون عليه.

7. غياب «نبرة من الأعلى» (Tone at the Top)

حتى لو وُجدت أنظمة ممتازة ولجان مستقلة، إذا كان رئيس المجلس أو المدير التنفيذي يتصرف بطريقة تنم عن الاستهتار بالقواعد، فإن الجميع سيقلده. الثقافة التنظيمية تُبنى من القمة، وتنهار من القمة أيضاً.

الخلاصة في جملة واحدة

القانون يمنع الفشل. لكن الحوكمة تصنع النجاح.

والنجاح يحتاج أربعة أشياء غير القانون: إرادة + استقلالية + ثقافة + هيكل ملكية متوازن.

6 حلول عملية لإنقاذ الحوكمة

المشكلة الحل العملي
1. تطبيق انتقائي لجنة حوكمة مستقلة فعلاً + تدوير مراقب الحسابات كل 3 سنوات + تفعيل دور الجهات الرقابية بجدية ومتابعة النتائج لا الاكتفاء بالتقارير
2. تضارب مصالح إلزام بالإفصاح الفوري + منع التصويت عند وجود مصلحة + سجل علني لعقود الأطراف ذات العلاقة + فترة تبريد (Cooling-off) بعد انتهاء العضوية
3. شكلية تقليل عدد الاجتماعات وزيادة جودتها. سؤال واحد لكل عضو في نهاية كل اجتماع: «ما هو القرار الصعب الذي اتخذناه اليوم؟»
4. لا محاسبة ربط 50% على الأقل من مكافآت المجلس والإدارة بمؤشرات تشغيلية ومالية حقيقية (بعد IFRS 18)، مع جزء طويل الأجل (3–5 سنوات)، وفصل واضح بين مكافآت المجلس ومكافآت التنفيذيين
5. ضعف الكفاءة تدريب إلزامي سنوي لأعضاء المجالس على فهم القوائم المالية والمخاطر والحوكمة + تقييم سنوي منهجي لأداء المجلس ككل ولكل عضو على حدة
6. ضعف الرقابة والثقافة حماية حقيقية للمُبلّغين عن المخالفات (Whistleblower) + استخدام أدوات تقنية لمراقبة العقود وتضارب المصالح + بناء ثقافة تجعل فقدان السمعة المهنية أشد أثراً من العقوبة القانونية

 

الرسالة الأخيرة

الأنظمة بدون ضمير مهني = قفل بلا مفتاح.

والقوانين بدون مساءلة = سيارة بلا سائق.

والحوكمة الحقيقية تبدأ عندما يخاف صاحب القرار من فقدان سمعته أكثر مما يخاف من العقوبة القانونية.

IFRS 18 كشف الأرقام، لكن الحوكمة هي التي ستحمي الأرقام من أن يتم «تجميلها» مرة ثانية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى