
سوء الإدارة هو بداية النهاية، بل والنهاية الحتمية لأي قيادي كان، وغبار الفشل يرتد عليه قبل أن يرتد على الكيان أو المؤسسة المؤتمن عليها.
أول “مسمار” الفشل هو تسليم الخيط والمخيط لمن لا يستحق من غير المؤهلين ومعسولي الكلام، ومن يقدمون أنفسهم أنهم سياج الأمان والاطمئنان، ومن هنا تكون البداية الحقيقية لانهيار وسقوط الكيانات، مهما تعاظمت استثماراتها وانتشرت أذرعها ومشاريعها.
الرئيس الفاشل أنهى “إمبراطوريته” بيده لا بيد عمرو، حتى أشفق عليه الكثير ممن حوله وظنوا أنه “مسحور” من شدة غرابة ممارساته وتصرفاته اللامعقولة والتي تعكس حالة اللاوعي، وكأنه مسلوب العقل، ليتضح فيما بعد أنه موتور.
لم يذكر التاريخ المالي القديم والحديث أن سلم رئيس مجلس إدارة ملف إدانة كامل الدسم لـ”لص” محتال مدان بالوثائق والمستندات! والرسالة الواضحة لهذا السلوك أن الرئيس يمنح اللص بهذه الممارسة صك الثقة والأمان والاطمئنان، وكأنه يقول له بصريح العبارة…”استمر” وواصل إلى الأمام، “اختلس ما شئت” وحول ما تشاء إلى من تريد وتختار، فالخير كثير ووفير، ولك الحماية المطلقة، فأنا الرئيس وليس قبلي أو بعدي أحد يستطيع أن يتخذ إجراء ضدك!!
أما التفسير الأكثر خزياً للصمت على الاختلاس وإبلاغ صاحب الواقعة، هو أن يكون “اللص” يمارس هذه الهواية لمصلحة الرئيس ذاته، وبالتالي لا مجال هنا لأي حوكمة أو انضباط مالي أو معايير تطبق، طالما صاحب “الحلال” منح الضوء الأخضر لـ”اللص” المنفذ.
إنه سوء إدارة بامتياز مع مرتبة الشرف، ولا مبالاة وغياب للأمانة وانعدام للمسؤولية، عندما يرى قيادي أو رئيس أو مسؤول خطأ موثق ويغض البصر عنه.
يقال “من حكم في ماله ما ظلم”، لكن لوكان لك شريكاً واحداً فالمال ليس ملكية مطلقة، بل هو مشاركة مقيدة بمعايير الحوكمة، وقبلها مغلفة بغلاف الأمانة والأخلاق، فكيف يكون الحال إذا كانت الكيانات مساهمة عامة أو مقفلة، وتحوي مئات الشركاء والمساهمين من أفراد ومؤسسات وصناديق ومحافظ؟!
في حالات الشراكة تعتبر هكذا ممارسات تعدي واختلاس وتستر من رئيس مجلس الإدارة على من اختاره ليكون شريكاً في الاختلاس أو منفذاً لممارسات لا تتفق مع أبجديات الإدارة الحصيفة.
عندما يعلم أي مسؤول بممارسة سلبية لأي قيادي تحت مسؤوليته أو إشرافه ويغض البصر فهو شريك أساسي وضالع في الفساد ويتحمل مسؤولية مضاعفة أكثر من صاحب الفعل نفسه.
لذلك في معايير الاستثمار لم تعد الأرقام والنتائج هي كل الحكاية أو نقطة الأساس لاتخاذ القرار بالشراء أو الشراكة، بل أصبحت سمعة مجلس الإدارة هي أحد أهم المعايير التي يتم الاستناد إليها وعليها في اتخاذ القرار.
فثمة وجوه كالحة لا تستحي أن يقال عنها “باق أموال المساهمين” أو “يبوق الكحل من العين”، لذلك لم يكن من فراغ أبداً أن تم تصنيف “الحياء” على أنه شعبة من الإيمان، كما ورد في حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان”.
عالم المال والأعمال في كل أسواق العالم مليء بالممارسات والدروس والعبر، والكيّس الفطن من اتعظ من ممارسات وأخطاء غيره.




