مقالات

ثمن “اللا قرار”: عندما يصبح تجنب المخاطر هو الخطر الأكبر!

 

بقلم: سيد ترهوني – مدير إدارة مخاطر

  (CMA, PMI-RMP)

 

في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد السؤال الأهم هو “هل نخاطر؟”، بل أصبح: “ما هو ثمن عدم المخاطرة؟”. لقد اعتدنا في عالم المال والأعمال أن نحسب تكلفة كل شيء؛ نحسب تكلفة الفشل، وتكلفة الخسارة، وتكلفة الخطأ في حال فشل أي مشروع. ولكن، نادراً ما نحسب التكلفة الأكثر خطورة وهي “تكلفة عدم اتخاذ القرار”؛ تلك الملايين التي خسرناها ليس لأننا أخطأنا، بل لأننا “لم نفعل شيئاً” في الوقت المناسب، وهو ما يسمى مالياً بـ “تكلفة الفرصة الضائعة”.

بصفتي متخصصاً في إدارة المخاطر، أرى أن السوق اليوم لا يرحم المترددين. فكم من فرصة ذهبية ضاعت من بين أيدينا لأننا انتظرنا كثيراً؟ وكم من مشروع واعد تحول إلى حلم منسي في أدراج الاجتماعات؟ هذه ليست تساؤلات عادية، بل هي الخطر الحقيقي الذي يواجه الكيانات الكبرى، وهو ما أسميه “وهم البقاء في المنطقة الآمنة” .

إن الإدارة التي تفتخر بأنها لم تخسر ديناراً واحداً لأنها جمدت قراراتها ولم تدخل في أي مشروع جديد، هي في الحقيقة تسجل “خسائر غير مرئية” كل يوم من حصتها السوقية وقيمتها المستقبلية.

“شلل التحليل”… مقبرة الفرص الذهبية

ثمة مرض تنظيمي خفي يفتك بالشركات الكبرى نسميه “شلل التحليل”؛ ذلك الوهم الذي يجعلنا نعتقد أن المزيد من الدراسات سيؤدي حتماً إلى قرار أفضل. الحقيقة المؤلمة هي أن الفرص تشبه القطارات؛ إما أن تمسك بها في وقتها، أو تشاهدها تبتعد للأبد.

وهذا بالضبط ما حدث لشركة “كوداك”؛ العملاق الذي اخترع الكاميرا الرقمية لكنه ظل “يحلل” و”يدرس” خوفاً على أرباحه التقليدية، حتى التهم المنافسون السوق. التردد هنا ليس حكمة، بل هو وصفة لإهداء حصتك السوقية لمنافس أكثر رشاقة.

 خرافة “المخاطرة الصفرية”

بعض الإدارات تبحث عن استثمارات بـ “مخاطر صفرية”. هذه خرافة لا وجود لها إلا في الكتب النظرية. في الواقع العملي، “اللا مخاطرة” تعني “اللا ربح”.

انظروا إلى “بلوك باستر”، عملاق تأجير الفيديو الذي رفض في مطلع الألفية شراء شركة ناشئة آنذاك تدعى “نتفليكس” بمبلغ زهيد لأنه رآها “مخاطرة”. لقد اختاروا “الأمان التقليدي”، فاختارهم التاريخ ليكونوا درساً في النسيان. بينما كانت الشركة “تتردد” و”تنتظر”، كان المنافسون يتقدمون وحصتها تتآكل.

الشركات التي تنجح وتنمو هي التي تعرف متى تخاطر، ومتى تتحفظ. دورنا هنا هو هندسة هذه المخاطر لتكون “محسوبة”. فأن تحمي الشركة من الغرق لا يعني أبداً أن تمنعها من الإبحار.. فالنجاح ليس لمن يتجنب الأخطاء، بل لمن يتقن إدارتها بذكاء.

النمو ليس رفاهية .. بل ضرورة للبقاء

في ظل التضخم وتآكل قيمة النقد، فإن الشركة التي لا تنمو هي فعلياً “تنكمش”. بلغة الأرقام: الشركات التي تحافظ على أرقامها ثابتة في ظل تضخم سنوي يبلغ 4%، هي في الواقع تخسر 4% من قيمتها الحقيقية سنوياً.

الحفاظ على “الوضع الراهن” ليس استراتيجية محافظة، بل هو استراتيجية خاسرة على المدى الطويل، وهذا هو الدرس القاسي الذي تعلمته “نوكيا”حينما تمسكت بنظامها “الآمن” وترددت في التغيير، لتجد نفسها فجأة خارج اللعبة.

إدارة المخاطر الاستراتيجية تدفع الشركة للبحث المستمر عن “مصادر دخل جديدة”، لأن الاعتماد على مصدر دخل واحد هو أكبر مخاطرة يمكن أن ترتكبها أي مؤسسة.

ختاماً: كن “صانع لعب” لا “حارس مرمى”

لقد ولى الزمن الذي كان فيه مدير المخاطر هو الشخص الذي يقول “لا”. اليوم، نحن شركاء في صناعة “نعم، ولكن بذكاء”.

رسالتي لكل قائد وصانع قرار: الخيار اليوم ليس بين المخاطرة أو الأمان، بل بين المخاطرة المحسوبة أو التقادم المحتوم.  لا تخشَ من ارتكاب الأخطاء في سبيل النمو، بل اخشَ من “الجمود القاتل” الذي يبدو آمناً.

وكما يقال في أدبيات الاستثمار:  “أكبر مخاطرة هي ألا تخاطر بشيء على الإطلاق.. ففي عالم يتغير بسرعة البرق، الاستراتيجية الوحيدة المضمونة الفشل هي عدم المخاطرة.

والأن الاختيار بين يديك: فإما أن تكون صانعاً لمستقبلك، أو ضحية لماضيك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى