مقالات

هل تفعلها الكويت؟… “سيناريو مجموعة بن لادن“ وخارطة الطريق اللوجستية الجديدة

 

بقلم: م. يوسف عدنان المطوع

لغير المتابع لما حدث خلف الحدود، قد تبدو قصة “مجموعة بن لادن” في السعودية مجرد تعثر شركة مقاولات. لكن الحقيقة الاقتصادية أعمق بكثير؛ فالمملكة لم تسمح بسقوط العملاق الذي بنى بنيتها التحتية، بل اختارت “الحل الجريء”: تحويل الديون والأخطاء والأحكام إلى “حصة سيطرة” للدولة. استحوذت الحكومة على الشركة، وأعادت هيكلتها، لتصبح اليوم الذراع التنفيذي الحكومي الجاهز لبناء مشاريع “نيوم” و”إكسبو”. هي عملية جراحية دقيقة حولت “المشكلة” إلى “أداة بناء”.

عاصفة “الصناعة” واسترداد السيادة

بالانتقال إلى مشهدنا المحلي، من يقرأ الجريدة الرسمية “الكويت اليوم” في الآونة الأخيرة، يلحظ بوضوح “تسونامي” القرارات الصادرة عن الهيئة العامة للصناعة ومؤسسة الموانئ. قرارات متلاحقة بسحب تراخيص، وإلغاء عقود، واسترداد قسائم في أمغرة وميناء الدوحة والشعيبة. هذه ليست مجرد إجراءات إدارية روتينية، بل هي عملية ممنهجة لـ “تطهير الأرض” واستعادة أصول الدولة الاستراتيجية من قبضة الانتفاع الطويل الأمد الذي لم يعد يخدم الرؤية الجديدة.

الأرض والمدين.. والفرصة التاريخية

هنا تكتمل أركان “المسرح” لسيناريو شبيه بما حدث مع مجموعة بن لادن. لدينا اليوم كبرى الشركات اللوجستية الوطنية (مثل أجيليتي والرابطة وغيرها) محاصرة بأحكام قضائية نهائية ومطالبات مالية ضخمة للدولة، بالتزامن مع سحب الأراضي التي كانت تشكل عصب تشغيلها.

السؤال الذي يطرح نفسه أمام صانع القرار الكويتي: هل نكتفي بتحصيل الغرامات وتكسير عظام هذه الكيانات؟ أم نفعلها كما فعلت المملكة ونستحوذ؟

المنطق الاقتصادي لرجل الدولة يقول: الكويت لا تملك رفاهية الوقت لبناء شركة لوجستية حكومية من الصفر (شاحنات، أنظمة تتبع، مخازن مبردة، عمالة مدربة). هذه الأصول والخبرات موجودة بالفعل لدى الشركات التي تواجه الأحكام. الخيار الأمثل هو “تسوية ذكية”: مبادلة المديونيات والأحكام بالاستحواذ على نسبة من الأصول التشغيلية لهذه الشركات، لتكون هي النواة الجاهزة فوراً لـ “الشركة الحكومية اللوجستية”.

المثلث الذهبي: هندسة، تشغيل، وشراكة هذا التحرك الجريء سيخلق الكيان الوطني القادر على استيعاب العقود الاستشارية الملزمة التي وقعتها الدولة مؤخراً مع المكاتب الهندسية العالمية لتطوير المناطق الشمالية (العبدلي والوفرة). فلا يعقل أن نأتي بالمصمم العالمي، ونتحالف مع “التنين الصيني” في ميناء مبارك، ومع الخبرات الإماراتية في الموانئ، ثم نبحث عن مقاول محلي فلا نجد إلا شركات مكبلة بالقضايا أو مفلسة.

نحن أمام فرصة تاريخية لإغلاق ملف النزاعات القضائية المعقدة، ليس بالإلغاء، بل بالدمج والسيطرة. فهل تملك الإدارة الاقتصادية الجرأة لقلب الطاولة، وتحويل “خصوم المحاكم” إلى “تروس” في ماكينة الدولة اللوجستية القادمة؟

الأرض مُهدت، والمخططات وُضعت، والنموذج السعودي ماثلٌ للعيان.. والقرار ينتظر التوقيع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى