مقالات

رئيس تنفيذي جديد … وتعاليل شاعر الربابة

 

بقلم/ محمد سعد خليل

غالبا ما تنقسم المستويات الإدارية في الشركات إلى ثلاث مستويات، فهناك الإدارة العليا، والإدارة الوسطى أو ما يطلق عليها بالتنسيقية، والإدارة الدنيا أو الإدارة التشغيلية أو الإشرافية، مثل رؤساء الأقسام الذين يشرفون على أعمال النشاط اليومي للشركة، ويبذلون ما بوسعهم للمحافظة على حسن سير النشاط في الشركة، وتطبيق ما يأتي إليهم من قرارات من المستويات الإدارية العليا والوسطى.

تتكون الإدارة العليا Top Management، من أعضاء مجلس إدارة الشركة ورئيس المجلس، والمدير العام للشركة والرئيس التنفيذي، وعادة ما يتم دمج وظيفة المدير العام مع وظيفة الرئيس التنفيذي تحت مسمى المدير العام والرئيس التنفيذي للشركة.

من المهام الرئيسية التي تقع على كاهل الإدارة العليا وضع الرؤى والأهداف للشركة،  والخطط الاستراتيجية الكفيلة بتحقيقها، سواء كانت خطط قصيرة أو متوسطة أو طويلة الأجل، وكذلك من المهام الأساسية أيضا للإدارة العليا هي عملية اتخاذ القرارات الرشيدة والتي لها علاقة في مصير الشركة، مثل إعادة هيكلة الشركة أو تصفيتها أو الاستحواذ على شركة جديدة، أو التخلي عن بعض الأصول، سواء كانت مالية أو ثابتة لصالح شركة أخرى …الخ، وأيضا من مهام الإدارة العليا تخصيص الموارد وإدارة المخاطر وتمثيل الشركة لدى كافة الجهات المعنية.

عندما يصبح موقع الرئيس التنفيذي في شركة ما شاغرا لسبب أو لآخر، يقع على عاتق مجلس إدارة الشركة اختيار شخص مناسب تتوافر فيه الصفات التي تتناسب مع موقع الرئيس التنفيذي مثل أن يكون لديه المهارات القيادية المختلفة، والقدرة على حل المشاكل والقدرة على التواصل مع الآخرين، وكذلك المؤهلات العلمية اللازمة والخبرات العميقة التي تؤهله لشغل هذا المنصب، بالإضافة إلى المرونة والكاريزما، والتوافق الثقافي، أي قدرته على تقبل طروحات مجلس الإدارة والانسجام معها ضمن قيم وفلسفة وثقافة الشركة …الخ.

لتعبئة شاغر الرئيس التنفيذي يكون لدى مجلس لإدارة خيارين، أما اختيار أحد المدراء من داخل الشركة الذين يتمتعون بالمؤهلات والخبرات والصفات المطلوبة، أو من خلال الإعلان المفتوح حيث يمكن لأي شخص من خارج الشركة يأنس في نفسه الكفاءة التقدم للوظيفة.

في الحياة العملية صاحب أكبر حصة في رأس مال الشركة، والذي هو بطبيعة الحال رئيس مجلس الإدارة، هو الذي يختار الرئيس التنفيذي ويزج به إلى ذلك الكرسي ليبدأ عمله كرئيس تنفيذي للشركة.

يبدأ بعض الرؤساء التنفيذيين الجدد، وليس الكل طبعا، مهامهم الوظيفية بشعار فرق تسد، وهناك من صغار الموظفين من يعرض على الرئيس التنفيذي الجديد الخدمات المجانية، حيث يبدأ بالتلفظ بعبارات لافتة مثل … تحت أمرك … اعتبرني ذراعك اليمين …. تاريخ الشركة كله سيكون على طاولتك غداَ صباحا …الخ.

يبدأ المدير التنفيذي الجديد عمله بجولة في إدارات وأقسام الشركة، ومن ثم يبدأ بممارسة عمله بتفقد الملفات التي أمامه والملفات التي بحاجة إلى معالجة، وإذا كان حديث العهد بالإدارة ، فنجده سرعان ما يصطدم ببعض المشاكل التي بحاجة إلى قرارات هامة، ومن هنا تبدأ عملية الصراع غير المرئي بين هذا الرئيس التنفيذي الجديد وبعض المدراء من ذوي الأقدمية في العمل الذين غالبا ما يكونوا محبطين من عملية التعيين لأنهم يرون أنهم يتمتعون بكفاءات وخبرات تؤهلهم لشغل موقع الرئيس التنفيذي.

في وسط صراع غير ظاهر للعيان بين الرئيس التنفيذي والقدماء من المديرين، يبدأ الرئيس التنفيذي الجديد في استخدام صلاحياته بالتخلص من هؤلاء المدراء، إما بنقلهم إلى ادارات وأقسام بعيدة عن المبنى الرئيسي للإدارة العامة، أو بتطفيشهم والضغط عليهم لتقديم الاستقالة، أو إنهاء خدماتهم إذا كانوا تجاوزوا الستين من العمر.

هذا يذكرني بشاعر الربابة الذي يجيد مهارة الحز (العزف) على الربابة، فيطرب له شيخ القبيلة وينجذب بالتعاليل معاه.

يبدأ شاعر الربابة أشعاره عن الكرم والجود والرجولة، مثل قصيدة …

يا كليب شب النار يا كليب شبة، عليك شبة والحطب لك يجابي

وعليا أنا يا كليب هيلة وحبة، وعليك تقليط الدلال العذابي،

الوالمة يا كليب عجل بصبة، والرزق عند اللي ينشي السحابي

ومن لا صبر يا كليب في حكم ربه، هذاك يوم البعث ماله ثوابي ……

وسرعان ما يتجه نحو شعر الغزل والجمال ، فتطرب مسامع شيخ القبيلة ويبدأ بصبغ ما تبقى من شعر رأسه الأبيض والشوارب والحواجب واللحية ليعود ويعيش أيام الشباب، كما يبدأ بالتخلص من رجال القبيلة الكبار من أهل الحل والعقد ليستبدلهم بآخرين على هواه، فيسوء حال القبيلة وتتردى أوضاعها.

الأمر نفسه ينطبق على الرئيس التنفيذي الجديد، الذي يقوم بإقصاء كل المدراء من أصحاب الخبرة من أجل التفرد بالقرارات، مما ينعكس سلبا فيما بعد على وضع الشركة الذي يترنح بين الربح تارة والخسارة تارات أخرى، وبالتالي أوضاع الشركة تزداد سوء مع مرور الوقت وتصبح حقوق صغار المساهمين الذين لا حول لهم ولا قوة في مهب الريح.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى