مقالات

إيلون ماسك والاقتصاد القائم على القيمة: قراءة في فلسفة المال والإنتاج

 

بقلم/ ليما راشد الملا

 

تُثار تساؤلات متزايدة حول مستقبل المال والاقتصاد مع تسارع التطور التكنولوجي واحتدام الأزمات المالية العالمية. وسط هذه التحولات، نتابع اسم إيلون ماسك كأحد أكثر الأصوات تأثيرًا في إعادة طرح الأسئلة الكبرى المرتبطة بالقيمة، والعمل، ودور المال. فطرح ماسك لا يكتفي بنقد النموذج الاقتصادي السائد، بل يقترح إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية انطلاقًا من الإنتاج الحقيقي لا من المؤشرات المالية وحدها.

يرى ماسك أن المال، مهما تضخم حضوره، يبقى أداة تنظيمية لتسهيل تبادل السلع والخدمات، وليس جوهر الاقتصاد. هذا الطرح يعيد الاعتبار إلى فكرة أساسية كثيرًا ما تراجعت لصالح المضاربات والأسواق الورقية، وهي أن القيمة تُخلق عندما يتحول الجهد والمعرفة والتكنولوجيا إلى منتجات وخدمات ملموسة. فالناتج الاقتصادي الحقيقي لا يُقاس بحجم السيولة المتداولة، بل بقدرة المجتمع على تلبية احتياجاته الأساسية والمتقدمة بكفاءة واستدامة.

ينتقد ماسك تركّز بعض الاقتصادات على تدوير المال بدل توسيع القاعدة الإنتاجية، معتبرًا أن هذا الخلل يؤدي إلى فقاعات مالية وانفصال بين الأرقام والواقع المعيشي. ومن هذا المنطلق، يربط متانة أي اقتصاد بمدى استثماره في البنية التحتية، والطاقة، والصناعة، والتكنولوجيا، لا بارتفاع مؤشرات الأسواق المالية وحدها. فالاقتصاد الذي لا ينتج ما يستهلكه يكون عرضة للصدمات، مهما بدت أرقامه براقة.

الذكاء الاصطناعي يحتل موقعًا محوريًا في رؤية ماسك الاقتصادية. فهو يتوقع أن يؤدي التقدم السريع في الأتمتة والروبوتات إلى قفزة هائلة في الإنتاجية، ما قد يقلل الحاجة إلى العمل البشري التقليدي في قطاعات واسعة. هذا التحول لا يعني نهاية النشاط الإنساني، بل إعادة توجيهه نحو الإبداع والبحث والتطوير، مع تراجع الأعمال الروتينية التي يمكن للآلة أداؤها بكفاءة أعلى. عند هذه النقطة، يصبح السؤال الاقتصادي الأهم مرتبطًا بتوزيع الوفرة لا بندرة الموارد.

في هذا السياق، يطرح ماسك مفهوم “الدخل المرتفع للجميع” بدل الاكتفاء بفكرة الدخل الأساسي الشامل. الفكرة تقوم على أن وفرة الإنتاج الناتجة عن الذكاء الاصطناعي يمكن أن تضمن مستوى معيشيًا كريمًا لغالبية السكان، دون الارتباط الحتمي بوظيفة تقليدية. هذا التصور يفتح نقاشًا عميقًا حول علاقة الإنسان بالعمل، ودور الدولة، وحدود السوق في مرحلة تتغير فيها أسس الإنتاج ذاتها.

اقتصاديًا، يميل ماسك إلى الدفاع عن السوق الحر بوصفه البيئة الأكثر تحفيزًا للابتكار، مع اعتراضه على الضرائب التي يرى أنها تعاقب النجاح أو تثبط الاستثمار. لكنه في المقابل لا يرفض التدخل الحكومي بشكل مطلق، بل يقبل به عندما يكون موجّهًا لدعم التحول الاستراتيجي، كما هو الحال في الطاقة النظيفة أو التقنيات المتقدمة التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة طويلة الأمد. هذا التوازن يؤكد مقاربة براغماتية أكثر منها أيديولوجية.

رؤية ماسك للمال والاقتصاد تبقى مثار جدل واسع بين من يعتبرها طموحة أكثر من اللازم، ومن يراها قراءة استباقية لمسار لا مفر منه. إلا أن جوهر هذه الرؤية يطرح حقيقة يصعب تجاهلها: الاقتصاد لا يمكن أن يستمر بالاعتماد على المال كغاية مستقلة عن الإنتاج. ومع تسارع الابتكار، تتغير معايير القوة الاقتصادية، لتصبح القدرة على خلق قيمة حقيقية ومستدامة العامل الحاسم في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

في الخلاصة، تكشف قراءة أفكار إيلون ماسك الاقتصادية عن تحوّل عميق في طريقة فهم المال ودوره، حيث لم يعد محور النقاش يدور حول حجم الثروات أو حركة الأسواق بقدر ما يتمحور حول القدرة على خلق قيمة حقيقية ومستدامة. ومع تسارع الابتكار التكنولوجي وتراجع مركزية العمل التقليدي، فلابد من الحاجة إلى إعادة التفكير في أسس النمو والعدالة الاقتصادية. فالمعادلة المقبلة لن تُحسم بالأرقام وحدها، بل بمدى استعداد المجتمعات لتكييف أنظمتها الاقتصادية مع واقع جديد تصبح فيه الوفرة ممكنة، ويصبح الإنسان أمام اختبار مختلف: كيف يدير الثروة عندما لا تعود ندرتها هي القاعدة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى