مقالات

من «احتكار التطبيق» إلى عدالة السوق: قانون توصيل المطاعم الكويتي تحت المجهر

 

 

* ثورة هادئة في قطاع التوصيل لإنصاف المطاعم والمستهلكين

* أول تشريع خليجي من نوعه… يصفه أصحاب المطاعم في الكويت بـ«طوق النجاة»

* الدولة تتدخل لحماية المطاعم من التطبيقات

* قرار جريء من وزير التجارة والصناعة خليفة العجيل يكسر سطوة التطبيقات على المطاعم

* الكويت تفتح الباب لنموذج تنظيمي خليجي جديد وتضع منصّات التوصيل تحت الرقابة

* عمولات منصّات التوصيل… من «منطقة رمادية» إلى أرقام معلنة تخضع للمحاسبة

* تنظيم قطاع التوصيل تغيير لقواعد اللعبة ووجه جديد لعلاقة المطعم بالتطبيق

* تحويل الشكاوى الصامتة إلى تشريع ملزم

 

 

قانون اقتصاد السرعة في الكويت: حين تُدار الوجبة بالخوارزميات ويُدفع الثمن أصحاب المطاعم والعميل والسائق.

في الكويت، لم يعد توصيل وجبة الطعام مجرد خدمة استهلاكية عابرة، بل تحوّل إلى ناتج منظومة اقتصادية رقمية تديرها الثواني. ضغطة واحدة على تطبيق التوصيل كفيلة بتشغيل سلسلة معقدة تشمل المطاعم، والخوارزميات، والطرق، والسائقين. لكن وراء هذه السلاسة الظاهرية، يختبئ اقتصاد موازٍ تتحمّل أعباءه العنصر البشري بشكل أساسي.

يوصف هذا النظام اقتصاديًا بـ “اقتصاد السرعة”، حيث تُقاس الكفاءة بمدى السرعة في التنفيذ، لا بجودة ظروف العمل أو العدل في الأجور. هنا تُعظَّم الإنتاجية عبر تقليص الوقت إلى الحد الأدنى، بينما تُنقل التكاليف الجسدية والنفسية إلى آخر السلسلة وأضعف حلقاتها.

تشير البيانات إلى أن متوسط دخل سائق التوصيل في الكويت يتراوح بين 800 و1200 دولار شهريًا، مقابل ساعات عمل يومية قد تصل إلى 10–12 ساعة. كما أن هذا الدخل غير مستقر، فهو يتأثر بالموسمية، حيث يهبط في فصل الصيف رغم ارتفاع درجات الحرارة والمخاطر المرتبطة بالعمل.

وتلعب الخوارزميات دور “المدير غير المرئي”، فهي تقوم بتوزيع الطلبات، ومراقبة أوقات التسليم، وتقييم أداء السائقين. وبالرغم من تصنيف معظم السائقين كعاملين مستقلين، إلا أن المنصات الرقمية تحتفظ بسلطة كبيرة على دخلهم واستمراريتهم في العمل. وهذا الواقع يحوِّل إعادة تصميم سياسات الحوافز والسلامة المهنية من مجرد مطلب اجتماعي إلى ضرورة اقتصادية ملحة.

جاء القانون الكويتي الجديد ينقل سوق توصيل الطلبات من مرحلة «فوضى المنصات» إلى إطار تنظيمي واضح يحد من تعسّف بعض الشركات الكبرى ويعيد توزيع القوة التفاوضية لصالح المطاعم والمستهلكين، مع جعل الكويت أول دولة في الخليج تضع قواعد ملزمة ومفصلة لهذا القطاع الرقمي.

أولاً: ما الذي يقرره القرار الوزاري رقم 10 لسنة 2026؟

* تثبيت الرسوم والعمولات: يُلزم المنصات بتقديم لائحة سنوية موحّدة للرسوم والعمولات واعتمادها لدى وزارة التجارة، مع تجميدها لثلاث سنوات ومنع تغييرها أو فرض رسوم «من تحت الطاولة» عبر عقود جانبية.

* حظر الحصرية والعقود الجانبية: يمنع ربط المطعم حصرياً بمنصة واحدة، ويحظر الاتفاقات التي تُجبر المطاعم على عدم التعامل مع منافسين أو قبول شروط تمييزية مقابل ترويج أفضل داخل التطبيق.

* شفافية كاملة في التسعير والرسوم: إلزام المنصات بإظهار كل الرسوم للمطعم والمستهلك في العقود والشاشات قبل إتمام الطلب، مع توثيق كامل للعمولات والرسوم الإضافية (خدمة، تغليف، توصيل).

* تصنيف وترخيص النشاط: إلزام شركات التوصيل بتعديل تراخيصها إلى نشاط «إدارة خدمات توصيل طلبات المطاعم عبر المنصات الإلكترونية» وفق التصنيف الدولي 532013 خلال مهلة محددة، ما يخرجها من «المنطقة الرمادية» تنظيمياً.

* حقوق المطاعم والبيانات: المطاعم تملك الحق في الوصول المجاني إلى بيانات عملياتها (عدد الطلبات، متوسط القيمة، المناطق، الأوقات)، والتعاقد مع أكثر من منصة دون قيود، وهو عنصر جوهري لتوازن القوى التفاوضية.

* حماية المستهلك: توحيد معايير الخدمة (زمن التوصيل، جودة الطعام، آليات الشكوى) مع إلزام المنصات بمسارات واضحة لتعويض العميل عند التأخير أو الخطأ أو الإلغاء، وتحمّل المسؤولية عن سوء الخدمة ضمن ضوابط محددة.

 

هذا الإطار يجعل السوق أكثر تشبهًا بقطاع منظم (مثل الاتصالات) من كونه «تطبيقات حرة» تفرض شروطها منفردة.

ثانياً: الأثر الاقتصادي على المنصات :

– تآكل هامش المناورة التسعيرية

* المنصات كانت تستخدم نموذج تسعير ديناميكي: زيادة العمولات تدريجياً، فرض رسوم جديدة (تسويق، ترتيب، بنود خاصة)، وتعديل الشروط بسرعة في غياب سقف أو إطار ملزم.

* تثبيت الرسوم لثلاث سنوات وتحريم العقود الجانبية يُجمّد قدرة المنصات على تمرير ارتفاع تكاليفها فوراً للمطاعم، ويجبرها على تحسين الكفاءة التشغيلية بدل «تدوير الفاتورة» على الطرف الأضعف.

– إعادة تقييم نموذج الأعمال

* المنصات التي بنت تقييمها السوقي على هوامش عمولات مرتفعة (أحياناً تتجاوز 25–30%) ستضطر لإعادة هيكلة نموذج الربحية:

* زيادة الاعتماد على الإعلانات داخل التطبيق أو خدمات التسويق للمطاعم (ظهور مميز، حملات دفع عند النقر).

* الدفع نحو اشتراكات شهرية ثابتة للمطاعم مقابل عمولات أقل.

* دخول لاعب جديد مثل Keeta بدعم من Meituan – عملاق توصيل صيني – يعني أن المنصات القائمة لم تعد تستطيع التعويل على «موقع محتكر» في سوق الكويت؛ القانون يزيد صعوبة استخدام الحصرية كسلاح دفاعي أمام هذا المنافس.

– استثمارات أكبر في الامتثال والأنظمة

الشركات ستحتاج إلى:

* تعديل عقودها مع آلاف المطاعم بما يتوافق مع النموذج الجديد.

* تطوير أنظمة محاسبية وتقريرية تربط لائحة الرسوم المعتمدة مع كل عملية.

* إدارة مخاطر قانونية أكبر (غرامات، إغلاق، سحب ترخيص) نتيجة مخالفة اللائحة.

النتيجة: المنصات ستصبح أقرب إلى «مرافق تنظيمية» تخضع لرقابة اقتصادية وقانونية مستمرة، لا مجرد start-up مرن يغيّر شروطه بضغطة زر.

ثالثاً: مكاسب المطاعم – من «أسير المنصة» إلى شريك تفاوضي

1- وضوح في التكلفة وهامش الربح

* كثير من أصحاب المطاعم في الكويت اشتكوا خلال السنوات الماضية من عمولات مرتفعة وغير مستقرة، ومن حملات تسويقية مفروضة عملياً كشرط للظهور في مقدمة التطبيق.

* تثبيت الرسوم ومنع العقود الجانبية يُمكّن المطعم من التخطيط المالي بشكل أفضل، وحساب نقطة التعادل وهامش الربح على الطلبات الآتية من كل منصة بدقة أكبر.

2- كسر «الاحتجاز الرقمي»

* الحصرية كانت تعني عملياً أن المطعم أسير منصة واحدة؛ الخروج منها أو إغضابها يعني خسارة شريحة كبيرة من الطلبات، ما يجعل شروط التفاوض غير متكافئة.

* الآن، يمكن للمطعم أن ينشر وجوده على أكثر من منصة، وأن يفاوض كل منصة على أساس واضح، مستفيداً من وجود عدة منافسين وربما منصات محلية جديدة.

3- قوة أكبر في بناء العلامة الخاصة

* مع إلزام المنصات بإتاحة بيانات العمليات، يصبح بإمكان المطاعم تحليل سلوك الطلب، وتطوير قنوات مباشرة (تطبيق خاص، موقع، خدمة اتصال)، والحد من اعتمادها الكلي على المنصة كواجهة وحيدة للعميل.

هذا يفسر «ارتياح» شريحة واسعة من أصحاب المطاعم؛ القانون أعاد توزيع المخاطر والتكاليف على نحو أكثر توازناً.

رابعاً: تأثير القانون على المستهلكين

1- استقرار نسبي في الأسعار ورسوم التوصيل

* تثبيت الرسوم والعمولات للمطاعم يقلل من احتمالات قفزات مفاجئة في أسعار الوجبات، أو تمرير زيادات متكررة تحت عنوان «رسوم خدمة/منصة» غير مفهومة للمستهلك.

* وضوح الرسوم قبل إتمام الطلب، وإلزام المنصات بعرض كل بند (توصيل، تغليف، خدمة)، يزيد شفافية القرار الاستهلاكي ويقلل الإحساس بـ«الخداع السعري».

2 تحسين الجودة وتجربة الخدمة

* وجود آليات شكوى واضحة وجداول زمنية للرد والتعويض (أو تحمل التكاليف في حال الخطأ) يرفع مستوى المساءلة، ويشجع المنصات على مراقبة السائقين والمطاعم وضبط الجودة بدرجة أعلى.

* السماح للمطاعم بالتعامل مع أكثر من منصة قد يزيد من تنوع الخيارات للمستهلك، ويخلق منافسة على السرعة والجودة لا على «إغلاق السوق» أمام الآخرين.

3- احتمال آثار جانبية

* إذا شعرت بعض المنصات أن الربحية تراجعت بشدة، قد تحاول تعويض جزء من ذلك عبر رسوم على المستهلك (اشتراكات عضوية، رسوم خدمة ثابتة)، أو تقليل التخفيضات والعروض؛ هنا ستكون رقابة الوزارة وحساسية السوق عامل حسم.  لكن إجمالاً، في الأجل القصير والمتوسط، المستهلك يستفيد من شفافية أكبر ومنافسة أقل تشوهاً.

خامساً: مقارنة تنظيمية مع دول مجلس التعاون

حتى الآن، الكويت هي أول دولة خليجية تصدر لائحة ملزمة بهذا التفصيل لتنظيم رسوم وعمولات منصات التوصيل وحظر الحصرية والتعاقدات الجانبية.

السعودية والإمارات:

* توجد أطر عامة لحماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، وقوانين تجارة إلكترونية وحماية مستهلك، لكن لم تُعلن حتى الآن لوائح تفصيلية تثبّت عمولات منصات التوصيل أو تمنع الحصرية بشكل صريح مشابه للنموذج الكويتي.

* التدخل غالباً يكون عبر قضايا فردية (ممارسات احتكارية، اندماجات، أو شكاوى من تجار) أكثر من كونه لائحة قطاعية مكتملة لهذا النشاط بالذات.

قطر، البحرين، عمان:

* أسواق التوصيل أقل حجماً من السعودية والإمارات، وأطر التنظيم أقرب إلى المستوى العام (رخص تجارية، اشتراطات صحية، لوائح حماية مستهلك)، من دون تشريع قطاعي مخصص لمنصات توصيل المطاعم.

بهذا المعنى، الكويت تضع نفسها في موقع «المختبر التنظيمي» خليجياً: إذا نجحت التجربة في تحقيق توازن بين حماية المطاعم والمستهلكين واستمرار جاذبية السوق للاستثمار، ستجد دول أخرى مبرراً لاستنساخ النموذج أو تطويره.

الخلاصة:

هذا القرار «تنظيم أسعار»؛ أعاد التعريف لعلاقة ثلاثية بين المنصات، المطاعم، والمستهلكين في اقتصاد باتت التطبيقات فيه بنية تحتية حقيقية وليست مجرد خدمة إضافية.  من منظور قانوني–اقتصادي، يمكن القول إن الكويت انتقلت من مرحلة السماح للمنصات بتحديد قواعد اللعبة منفردة إلى مرحلة «تنظيم اقتصاد المنصات» بما ينسجم مع حماية المنافسة والشفافية.
التحدي التالي سيكون في التطبيق:

* هل تلتزم المنصات بروح النص لا بحرفه فقط؟

* هل تملك الوزارة القدرة الفنية والرقابية لمتابعة آلاف العقود والعمليات؟

* وهل تستغل المطاعم هذه الفرصة لبناء نماذج عمل أكثر استدامة، أم تكتفي بالارتياح اللحظي من «قص أجنحة» المنصات الكبرى؟

نجاح التجربة الكويتية أو تعثّرها لن يبقى محلياً؛ فهو مؤشر مبكر على كيف يمكن لدولة صغيرة نسبياً في السوق الخليجي، لكنها عالية الاختراق في استخدام تطبيقات التوصيل، أن تعيد صياغة قواعد اقتصاد رقمي يتسع تأثيره من شاشة الهاتف إلى توازنات القوة في قطاع المطاعم والتجزئة بأكمله.  ختامًا، يمثل نموذج توصيل الطعام في الكويت مرآة تعكس تحولًا أعمق في سوق العمل المعاصر. فالنجاح المستدام لهذا القطاع لن يُقاس فقط بمدى سرعة وصول الطلب، بل بقدرته على تحقيق توازن حقيقي بين كفاءة المنظومة الرقمية وحماية جميع الأطراف التي تقف في قلبها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى