مقالات

تعدد مناصب الرئيس التنفيذي… مخاطر خفية تهدد شفافية الشركات وثقة المستثمرين

من المستفيد من جمع المناصب… الشركة، الرئيس التنفيذي أم المساهمين؟

الرئيس التنفيذي ليس بطلاً خارقاً يُدير كل شيء، بل هو قائد يحتاج إلى بيئة عمل متكاملة، وفريق فعال، ونظام رقابي متين.

شغل المناصب من قبل قلة من الأشخاص يحد من فرص القيادات الجديدة ويضعف تجديد الدماء الإدارية.

يشهد العالم المعاصر تحولات متسارعة في أسلوب إدارة الشركات والمؤسسات الكبرى، حيث لم يعد من الغريب أن نجد الرئيس التنفيذي يشغل أكثر من منصب في الوقت ذاته.

يجب إنشاء لجان حوكمة مستقلة لمراقبة تضارب المصالح المحتملة.

تحديد سقف لعدد المناصب التي يمكن أن يشغلها التنفيذي في وقت واحد.

المدير ذو الخبرة المالية المحدودة يكون الأكثر اندفاعاً نحو الممارسات غير السليمة.

تقييد الجمع بين منصبي الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة لتفادي تركيز السلطة بيد شخص واحد.

بين تعدد المناصب وتحديات الحوكمة: هل هي علامة قوة أم مؤشر خطر؟

يشهد العالم المعاصر تحولات متسارعة في أسلوب إدارة الشركات والمؤسسات الكبرى، حيث لم يعد من الغريب أن نجد الرئيس التنفيذي يشغل أكثر من منصب في الوقت ذاته: رئيسًا تنفيذيًا هنا، وعضوًا في مجلس إدارة هناك، ومستشارًا في شركة ثالثة. هذه الظاهرة، التي قد ينظر إليها البعض بوصفها انعكاسًا طبيعيًا لكفاءة القيادات الإدارية وتميزها، تثير في المقابل تساؤلات حول آثارها بعيدة المدى على الأداء المؤسسي، وتوازن القوى، ومستقبل الحوكمة الرشيدة.

نحتاج دراسة محلية كالدراسة السعودية التي فتحت الصندوق الأسود لإدارة الشركات وكشفت أسرار السيطرة والأرباح المصطنعة

كشفت دراستان جديدتان، أجريتا في جامعتي الجوف والملك فيصل، عن نتائج تثير الكثير من التساؤلات حول الإدارة التنفيذية في الشركات السعودية المدرجة. إذ بيّنت الأبحاث أن تعدد المناصب وانشغال الرئيس التنفيذي في عدة مهام يرتبط بشكل مباشر بانخفاض موثوقية ودقة النتائج المالية، وازدياد ميل الإدارة لخيارات التلاعب المالي.

وفي الدراسة التي تناولت بيانات 134 شركة سعودية مدرجة خلال الفترة ما بين 2019 و2022، رصد الباحث( طلال الرويلي) أربعة أنماط أو سمات تجعل المدير التنفيذي أكثر قابلية للانخراط في سلوكيات تلاعب مالي:

1- امتلاك المدير التنفيذي لأسهم في الشركة: حيث يسعى حينها بكل جهده لتعظيم أرباحه الشخصية ولو على حساب سلامة الشركة واستقرارها.

2- ارتفاع الراتب والمكانة الوظيفية: يدفع السعي وراء المكاسب الشخصية بعض التنفيذيين لمحاولة إظهار إنجازات مميزة—بغض النظر عن صدقيتها—لرفع مكافآتهم وحوافزهم.

3- طول فترة بقاء المدير التنفيذي: فكلما طالت مدة إدارته شعر بسيطرة أقوى ودافعته ثقته للبحث عن نتائج مبهرة بأي ثمن، حتى لو تطلب ذلك تزييف الأرقام وتجملها.

4- وجود المدير التنفيذي كعضو بمجلس الإدارة: يتيح له ذلك قدرة أكبر على التأثير في قرارات الشركة ورقابة الإفصاح المالي، ما يزيد فرص التلاعب خدمةً لمصالحه.

وكشفت الدراسة أيضاً عن عامل بالغ الخطورة: المدير ذو الخبرة المالية المحدودة يكون الأكثر اندفاعاً نحو الممارسات غير السليمة، إذ يدفعه قصر نظره لانتهاج قرارات سريعة تحقق مكاسب وقتية، ولكنها تهدد استدامة الشركة وسمعتها على المدى الطويل.

وفي المقابل، فإن غياب الفهم العميق لآثار قرارات التلاعب المالي يغري بعض التنفيذيين بقرارات مغامرة، متجاهلين العواقب بعيدة الأمد، الأمر الذي يعرض أموال وحقوق المستثمرين للخطر، ويؤكد أهمية تشديد معايير الحوكمة في السوق والحذر من مغريات الإدارة قصيرة النظر.

فهل يُعد تعدد المناصب علامة على القوة والمرونة، أم أنه مؤشر خطر يهدد كفاءة العمل واستقرار المؤسسات؟

أولاً: دوافع انتشار الظاهرة

تتعدد الأسباب التي تدفع التنفيذيين إلى قبول أكثر من منصب في الوقت ذاته:

1. تعزيز النفوذ والشبكات: فوجود المدير في أكثر من موقع يمنحه قدرة على توسيع شبكة علاقاته، وزيادة تأثيره داخل السوق.

2. زيادة الخبرة التراكمية: حيث يستفيد التنفيذي من تبادل الأفكار والخبرات بين مؤسسات متعددة.

3. البعد المادي والمعنوي: كثيرًا ما تكون المناصب الإضافية مصحوبة بمكاسب مالية ومكانة اجتماعية مرموقة.

4. الثقة المتزايدة: إذ ترى بعض مجالس الإدارات أن المدير الناجح في موقع معين سيكون قادرًا على نقل نجاحه إلى موقع آخر.

ثانياً: الآثار الإيجابية المحتملة

رغم الجدل، لا يمكن إنكار أن الجمع بين المناصب قد يحمل بعض المزايا:

1. تكامل الرؤى الاستراتيجية: المدير الذي يشارك في أكثر من قطاع أو مؤسسة يستطيع الربط بين التوجهات المختلفة وخلق فرص جديدة.

2. تحفيز الابتكار: من خلال الاطلاع على تجارب متنوعة يمكن للمدير إدخال حلول مبتكرة في كل موقع.

3. نقل المعرفة: بعض المؤسسات تستفيد فعلاً من خبرة قياداتها الذين يعملون في بيئات مختلفة ويجلبون معهم ممارسات عالمية ناجحة.

ثالثاً: المخاطر والتحديات

إلى جانب هذه الإيجابيات، تتكشف تحديات كبيرة عند السماح للجمع بين المناصب:

1. تضارب المصالح: وهو الخطر الأكبر، حيث قد تؤثر قرارات المدير في موقع ما على التزاماته في موقع آخر.

2. الإرهاق وقلة التركيز: المسؤوليات المتعددة تستهلك طاقة المدير وتقلل من كفاءته في أداء مهامه الأساسية.

3. ضعف المساءلة: من الصعب تتبع مدى التزام المدير إذا كان موزعًا على عدة مواقع.

4. هيمنة الفرد على المؤسسة: قد يؤدي إلى غياب التنوع في اتخاذ القرار ويضعف استقلالية مجالس الإدارات.

رابعاً: الأثر الاقتصادي والإداري

الأثر لا يتوقف عند حدود المؤسسة نفسها، بل يمتد إلى الاقتصاد الكلي:

1. انخفاض الإنتاجية: المؤسسات التي يقودها مديرون مشتتون قد تعاني من بطء في اتخاذ القرار وضعف في الأداء.

2. تكلفة الفرص الضائعة: كل دقيقة ينشغل فيها التنفيذي عن مهمته الأساسية تعني احتمال ضياع فرصة نمو أو استثمار.

3. تأثير سلبي على سوق العمل: شغل المناصب من قبل قلة من الأشخاص يحد من فرص القيادات الجديدة ويضعف تجديد الدماء الإدارية.

4. انعكاس على ثقة المستثمرين: تعدد المناصب قد يثير قلق المستثمرين بشأن جدية المؤسسة في تطبيق مبادئ الحوكمة.

خامساً: الممارسات العالمية في ضبط الظاهرة

العديد من الدول والشركات الكبرى بدأت باتخاذ إجراءات لتقنين هذه الظاهرة:

1. تحديد سقف لعدد المناصب التي يمكن أن يشغلها التنفيذي في وقت واحد.

2. الإفصاح الإلزامي عن جميع المواقع التي يشغلها المدير لضمان الشفافية أمام المساهمين والجمهور.

3. إنشاء لجان حوكمة مستقلة لمراقبة تضارب المصالح المحتملة.

4. تقييد الجمع بين منصبي الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة لتفادي تركيز السلطة بيد شخص واحد.

سادساً: التوصيات

لمعالجة هذه الظاهرة، من المهم أن تتحرك الحكومات ومجالس الإدارة وفق نهج متوازن:

1. تفعيل التشريعات التي تنظم الجمع بين المناصب وتضع حدودًا واضحة.

2. تعزيز ثقافة الحوكمة داخل المؤسسات، بحيث يُنظر إلى الاستقلالية على أنها ركيزة قوة وليست عقبة.

3. إعداد قيادات بديلة لضمان تجديد الدماء وعدم الاعتماد المفرط على أسماء محددة.

4. تشجيع الشفافية في الإفصاح عن كل المناصب والأنشطة الخارجية التي يقوم بها التنفيذيون.

ختاماً:

تَكشف الدراسة السعودية النقاب عن ظاهرة تمنحنا فرصة حقيقية للتغيير قبل أن تتحول لأزمة: الرئيس التنفيذي ليس بطلاً خارقاً يُدير كل شيء، بل هو قائد يحتاج إلى بيئة عمل متكاملة، وفريق فعال، ونظام رقابي متين.  رسم صورة القائد الفذ يجب ألا يكون غطاءً لتضخم السلطات على حساب الجودة والشفافية؛ فمستقبل الشركات الناجحة يبنى على توزيع الكفاءة والثقة، لا على مركزية القرار… وتلك باختصار، معادلة الاقتصاد الرشيد في عصر الشفافية والمنافسة.  إن الجمع بين المناصب قد يبدو في البداية علامة على القوة والنجاح، لكنه في كثير من الأحيان يخفي وراءه مخاطر كبيرة قد تهدد استقرار المؤسسة والاقتصاد معًا. التحدي الحقيقي أمام المؤسسات اليوم هو الموازنة بين الاستفادة من خبرات القادة المتميزين ومنع تحول الأمر إلى عبء يضر بالإنتاجية ويقوّض مبادئ الحوكمة.

يبقى السؤال مطروحًا: هل سنظل ننظر إلى تعدد المناصب بوصفه مؤشرًا على النجاح، أم سنعتبره إنذارًا مبكرًا بوجود خلل في إدارة وتوزيع الموارد البشرية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى