كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز مكانة بورصة الكويت إقليمياً وعالمياً؟
من «التداول التقليدي» إلى «البورصة الذكية»:
الجزء الثالث والأخير: البُعد الدولي — دروس من البورصات العالمية الرائدة (3/3)
بقلم – م. محمد عباس
مسؤول إقليمي سابق لنظم المعلومات بالبنك الدولي والأمم المتحدة ومستشار الذكاء الاصطناعي
من الخليج إلى العالم: البورصات الكبرى تقود ثورة الذكاء الاصطناعي
في الجزئين السابقين من هذه السلسلة، استعرضنا المشهد المحلي لبورصة الكويت وفرصها الاستراتيجية، ثم انتقلنا إلى البُعد الإقليمي لنرصد تجارب البورصات الخليجية والعربية في سباق التحول الرقمي. اليوم، في هذا الجزء الثالث والأخير، نُوسّع العدسة إلى أبعد مدى لنستقرئ تجارب البورصات العالمية الرائدة التي تقود ثورة الذكاء الاصطناعي في أسواق المال، ونستخلص الدروس العملية التي يمكن أن تُسهم في رسم ملامح مستقبل «البورصة الذكية» في الكويت.
إن ما يحدث في بورصات نيويورك ولندن وسنغافورة وهونغ كونغ وطوكيو ليس مجرد تحديث تقني تدريجي، بل هو إعادة تعريف جذرية لمفهوم البورصة ذاته. هذه المؤسسات لم تعد مجرد منصات لمطابقة أوامر البيع والشراء، بل تحوّلت إلى منظومات ذكية متكاملة تستخدم الذكاء الاصطناعي في كل حلقة من حلقات سلسلة القيمة، من مراقبة السوق والكشف عن التلاعب، إلى تسعير المنتجات المالية وإدارة المخاطر، وصولاً إلى تحسين تجربة المستثمر وتقديم خدمات تحليلية غير مسبوقة.

أولاً: الولايات المتحدة — بورصة نيويورك (NYSE) ومجموعة ناسداك: المعيار الذهبي
بورصة نيويورك (NYSE) — مجموعة ICE
بورصة نيويورك، المملوكة لمجموعة إنتركونتيننتال إكستشينج (Intercontinental Exchange — ICE)، تُعدّ أكبر بورصة في العالم من حيث القيمة السوقية الإجمالية للشركات المُدرجة، والتي تتجاوز 25 تريليون دولار. وقد تحوّلت هذه المؤسسة العريقة التي تأسست عام 1792 إلى واحدة من أكثر المنصات المالية تقدماً تقنياً في العالم.
على صعيد الذكاء الاصطناعي، طوّرت مجموعة ICE منصة بيانات ضخمة تستخدم خوارزميات التعلم الآلي لتحليل تريليونات نقاط البيانات يومياً عبر فئات أصول متعددة. ومن أبرز التطبيقات العملية قيام المجموعة بتطوير نظام مراقبة ذكي يعمل بالذكاء الاصطناعي يُحلّل أنماط التداول في الوقت الفعلي عبر جميع الأسواق التابعة لها، وهو قادر على رصد أنماط التلاعب المعقدة التي يصعب اكتشافها بالطرق التقليدية، مثل عمليات «الطبقات» (Layering) و«الخداع» (Spoofing) التي تتوزع عبر أسواق متعددة.
كما استثمرت المجموعة بكثافة في خدمات البيانات الذكية، حيث أطلقت منصة ICE Data Services التي تُوظّف الذكاء الاصطناعي في تسعير الأوراق المالية غير السائلة وتقديم تحليلات مخاطر متقدمة للمؤسسات المالية. هذا التحول من مشغّل بورصة تقليدي إلى مزوّد خدمات بيانات ذكية يعكس إعادة تعريف نموذج أعمال البورصات العالمية.
مجموعة ناسداك (Nasdaq) — رائدة التقنية المالية
إذا كانت بورصة نيويورك تُمثّل العراقة، فإن ناسداك تُمثّل الريادة التقنية. ناسداك، التي وُلدت رقمية منذ تأسيسها عام 1971 كأول بورصة إلكترونية في العالم، تحوّلت اليوم إلى ما يمكن وصفه بـ«شركة تقنية تُدير بورصة» وليس العكس.
تجربة ناسداك في الذكاء الاصطناعي تستحق دراسة معمّقة. فقد أطلقت المجموعة منصة Nasdaq Verafin التي تُعدّ واحدة من أكبر منصات مكافحة الجرائم المالية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في العالم، وذلك بعد استحواذها على شركة Verafin الكندية عام 2021 بقيمة 2.75 مليار دولار. هذه المنصة تستخدم خوارزميات التعلم الآلي المتقدمة لتحليل أكثر من 9 تريليونات دولار من المعاملات سنوياً، وتخدم أكثر من 2500 مؤسسة مالية في أمريكا الشمالية للكشف عن عمليات غسل الأموال والاحتيال المالي.
علاوة على ذلك، طوّرت ناسداك نظام مراقبة السوق SMARTS الذي يعمل بالذكاء الاصطناعي، وهو النظام ذاته الذي تستخدمه أكثر من 50 بورصة وجهة تنظيمية حول العالم، بما فيها بعض البورصات الخليجية. هذا النظام يُوظّف تقنيات معالجة اللغة الطبيعية (NLP) لتحليل الأخبار والتقارير المالية وربطها بأنماط التداول غير المعتادة، مما يُوفر طبقة إضافية من الرقابة الاستباقية.
كما أعلنت ناسداك عام 2023 عن إطلاق مبادرة شاملة لدمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في خدماتها، بما في ذلك تطوير مساعدات ذكية تُمكّن المستثمرين والمنظمين من استخراج رؤى تحليلية من كميات هائلة من البيانات المالية باستخدام اللغة الطبيعية.
الدرس الأهم من التجربة الأمريكية: التحول من نموذج «البورصة كمنصة تداول» إلى نموذج «البورصة كشركة تقنية وبيانات» هو المسار الذي ستسلكه البورصات الناجحة مستقبلاً. مصادر الإيرادات الجديدة لن تأتي من عمولات التداول فحسب، بل من خدمات البيانات الذكية والحلول التقنية.
ثانياً: المملكة المتحدة — مجموعة بورصة لندن (LSEG): التحول الجذري
مجموعة بورصة لندن (London Stock Exchange Group — LSEG) شهدت تحولاً جذرياً بعد استحواذها على شركة ريفينيتيف (Refinitiv) عام 2021 بقيمة 27 مليار دولار، وهي الصفقة التي غيّرت هوية المجموعة بشكل جوهري وحوّلتها إلى واحدة من أكبر مزوّدي البيانات والتحليلات المالية في العالم.
التطور الأبرز جاء في عام 2023 عندما أعلنت LSEG عن شراكة استراتيجية بارزة مع شركة مايكروسوفت بقيمة تتجاوز مليار دولار لتطوير حلول ذكاء اصطناعي متقدمة لأسواق المال. هذه الشراكة تضمنت دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بما فيها نماذج GPT من OpenAI، في منصات المجموعة لتقديم خدمات تحليلية غير مسبوقة. ومن أبرز تطبيقات هذه الشراكة تطوير مساعد ذكي يعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي مدمج في منصة Workspace التابعة لريفينيتيف، يُتيح للمحللين الماليين ومديري الاستثمار طرح أسئلة بلغة طبيعية حول بيانات السوق والحصول على تحليلات فورية مدعومة بالذكاء الاصطناعي. كما شملت الشراكة ترحيل البنية التحتية للمجموعة إلى السحابة عبر منصة Microsoft Azure واستخدام أدوات التعلم الآلي لتحسين جودة البيانات ودقتها.
ما يُميّز تجربة لندن هو التركيز على بناء «نظام بيئي مفتوح» (Open Ecosystem) يُتيح لشركات التقنية المالية والمطورين بناء تطبيقات ذكية فوق منصات المجموعة، مما يُحوّل البورصة إلى منصة ابتكار وليس مجرد مكان للتداول. هذا النموذج يتجاوز مفهوم البيئة الاختبارية التنظيمية ليصل إلى مفهوم «البورصة كمنصة» (Exchange as a Platform).
الدرس الأهم من تجربة لندن: الشراكات الاستراتيجية مع عمالقة التقنية يمكن أن تُحقق قفزة نوعية في قدرات البورصة، شريطة أن تكون شراكات عميقة ومُهيكلة وليست مجرد عقود توريد تقنية تقليدية.
ثالثاً: سنغافورة — بورصة سنغافورة (SGX): نموذج الدولة الذكية
بورصة سنغافورة (Singapore Exchange — SGX) تُقدّم نموذجاً ملهماً لبورصة في دولة صغيرة جغرافياً لكنها عملاقة تقنياً. هذا النموذج يحمل أوجه تشابه مهمة مع وضع بورصة الكويت، من حيث حجم السوق النسبي والطموح للعب دور إقليمي يتجاوز الحجم المحلي.
أطلقت SGX مبادرات متعددة في مجال الذكاء الاصطناعي أبرزها تعاونها مع سلطة النقد السنغافورية (MAS) في مشروع «أوبن» (Project Ubin) الذي استكشف استخدام تقنية البلوك تشين والعقود الذكية في تسوية الأوراق المالية، وقد نجح المشروع في إثبات إمكانية تسوية الصفقات في الوقت الفعلي تقريباً بدلاً من دورة التسوية التقليدية التي تستغرق يومين (T+2).
كما طوّرت البورصة نظام مراقبة ذكياً يستخدم خوارزميات التعلم العميق (Deep Learning) لرصد أنماط التداول المشبوهة، مع قدرة على التكيّف والتعلم المستمر من البيانات الجديدة. وأطلقت SGX أيضاً منصة بيانات بديلة (Alternative Data Platform) تُتيح للمستثمرين الوصول إلى مصادر بيانات غير تقليدية، مثل صور الأقمار الاصطناعية وبيانات حركة النقل وبيانات المشاعر (Sentiment Data) المُستخرجة من وسائل التواصل الاجتماعي، وتحليلها باستخدام الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات استثمارية أكثر استنارة.
ما يجعل التجربة السنغافورية فريدة هو التكامل الوثيق بين البورصة والجهات التنظيمية والقطاع التقني. سلطة النقد السنغافورية لا تكتفي بتنظيم السوق، بل تُشارك فعلياً في تطوير الحلول التقنية وتوفير البيئة التنظيمية الداعمة. كما أن استراتيجية سنغافورة الوطنية للذكاء الاصطناعي (National AI Strategy) تضع القطاع المالي كأحد القطاعات ذات الأولوية، مع تمويل حكومي مباشر لمشاريع البحث والتطوير.
الدرس الأهم من تجربة سنغافورة: حجم السوق ليس عائقاً أمام الريادة التقنية. الدولة الصغيرة يمكنها أن تتفوق إذا امتلكت رؤية واضحة وبيئة تنظيمية ذكية وتكاملاً فعّالاً بين القطاعين العام والخاص. هذا الدرس هو الأكثر صلة بوضع بورصة الكويت.
رابعاً: هونغ كونغ — بورصة هونغ كونغ (HKEX): بوابة الصين الذكية
بورصة هونغ كونغ (Hong Kong Exchanges and Clearing — HKEX) تلعب دوراً فريداً كبوابة بين أسواق المال الصينية الضخمة والمستثمرين الدوليين، وقد وظّفت الذكاء الاصطناعي بشكل مكثف لتعزيز هذا الدور.
من أبرز مبادرات HKEX إطلاقها مختبر الابتكار (HKEX Innovation Lab) الذي يُركّز على استكشاف تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتقنية البلوك تشين في عمليات ما بعد التداول. كما طوّرت البورصة نظام «Stock Connect» الذي يربط أسواق هونغ كونغ بأسواق شنغهاي وشنتشن، ويستخدم خوارزميات ذكية لإدارة التدفقات العابرة للحدود ومراقبة المخاطر في الوقت الفعلي.
وفي عام 2024، أعلنت HKEX عن استثمارات كبيرة في تطوير منصة إدراج رقمية بالكامل تستخدم الذكاء الاصطناعي لمراجعة طلبات الإدراج وتحليل الإفصاحات المالية وتقييم المخاطر، مما يُقلّص وقت عملية الإدراج بشكل كبير ويُعزز جودة المراجعة التنظيمية.
الدرس الأهم من تجربة هونغ كونغ: الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة استراتيجية لتعزيز دور البورصة كبوابة إقليمية ومركز ربط بين أسواق مختلفة، وهو دور يمكن لبورصة الكويت أن تطمح إليه خليجياً.
خامساً: اليابان — مجموعة بورصة طوكيو (JPX): الأتمتة والكفاءة
مجموعة بورصة اليابان (Japan Exchange Group — JPX) تُقدّم نموذجاً متميزاً في توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز كفاءة العمليات. فقد طوّرت المجموعة نظام التداول «أروهيد» (Arrowhead) الذي يُعدّ من أسرع أنظمة التداول في العالم بزمن استجابة يقاس بالميكروثانية.
على صعيد الذكاء الاصطناعي، تعاونت JPX مع شركات تقنية يابانية رائدة لتطوير أنظمة مراقبة ذكية تستخدم تقنيات معالجة اللغة الطبيعية لتحليل الإفصاحات المالية باللغة اليابانية وربطها بحركة التداول. كما أطلقت منصة بيانات متقدمة تُتيح للمستثمرين الوصول إلى تحليلات مدعومة بالذكاء الاصطناعي حول الشركات المُدرجة.
من المبادرات اللافتة أيضاً قيام JPX بتطوير نماذج ذكاء اصطناعي لتحسين جدولة المزادات وتحديد أوقات التوقف والاستئناف في حالات التقلب الحاد، مما يُعزز استقرار السوق ويحمي المستثمرين.
الدرس الأهم من تجربة طوكيو: الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تسويقية، بل أداة لتعزيز الكفاءة التشغيلية الجوهرية للبورصة بشكل يومي.
سادساً: أستراليا — بورصة أستراليا (ASX): الجرأة في التجريب
بورصة أستراليا (Australian Securities Exchange — ASX) تستحق الذكر لجرأتها في تجريب التقنيات الحديثة، رغم أن بعض تجاربها واجهت تحديات. فقد كانت ASX من أوائل البورصات الكبرى التي أعلنت عن خطة لاستبدال نظام المقاصة والتسوية بالكامل بنظام يعتمد على تقنية البلوك تشين، وهو مشروع طموح واجه تأخيرات وتحديات تقنية أدت إلى إعادة تقييمه.
هذه التجربة، رغم عدم اكتمالها كما خُطط لها، قدّمت دروساً قيّمة للصناعة حول أهمية التدرج في التحول التقني وضرورة التوازن بين الطموح والواقعية. كما واصلت ASX الاستثمار في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات المراقبة وتحليل البيانات، مستفيدة من الدروس المستخلصة.
الدرس الأهم من تجربة أستراليا: الجرأة في التجريب ضرورية، لكن يجب أن تُقترن بإدارة واقعية للتوقعات وتقييم مستمر للمخاطر. الفشل في مشروع محدد لا يعني فشل التوجه الاستراتيجي بأكمله.
سابعاً: خارطة طريق مقترحة لبورصة الكويت — من الدروس إلى التطبيق
بعد استقراء التجارب الدولية الرائدة، يمكن تقديم خارطة طريق عملية لبورصة الكويت تستند إلى الدروس المستفادة وتراعي خصوصية السوق الكويتي:
المرحلة الأولى — تعزيز الأساسات (العام الأول): التركيز على تطوير نظام مراقبة ذكي للسوق يعتمد على خوارزميات التعلم الآلي، على غرار نظام SMARTS من ناسداك، مع تخصيصه ليتناسب مع أنماط التداول في السوق الكويتي. كما تشمل هذه المرحلة إنشاء فريق متخصص في الذكاء الاصطناعي داخل البورصة وهيئة أسواق المال، وإطلاق بيئة اختبارية تنظيمية (Regulatory Sandbox) بالتنسيق مع هيئة أسواق المال.
المرحلة الثانية — التوسع والابتكار (العامان الثاني والثالث): تطوير منصة بيانات ذكية تُتيح للمستثمرين والمحللين أدوات تحليلية متقدمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مع استكشاف إمكانية إطلاق خدمات «المستشار الآلي» (Robo-Advisor) المُرخّصة. وتشمل أيضاً عقد شراكات استراتيجية عميقة مع شركات التقنية العالمية الكبرى على غرار شراكة LSEG مع مايكروسوفت.
المرحلة الثالثة — الريادة الإقليمية (العامان الرابع والخامس): التحول نحو نموذج «البورصة كمنصة» الذي تقوده ناسداك وبورصة لندن، حيث تُصبح البورصة منصة مفتوحة تُتيح لشركات التقنية المالية بناء حلول مبتكرة فوق بنيتها التحتية. وتشمل هذه المرحلة السعي لأن تكون بورصة الكويت مركزاً خليجياً لابتكارات الذكاء الاصطناعي في أسواق المال، مستفيدة من إرثها الريادي كأقدم بورصة خليجية.
خاتمة شاملة: ملخص السلسلة — ثلاثة أبعاد لبورصة ذكية
على مدى ثلاثة أجزاء، حاولنا رسم صورة شاملة لفرص وتحديات تحول بورصة الكويت نحو نموذج «البورصة الذكية»، من البُعد المحلي إلى الإقليمي فالدولي.
في الجزء الأول (البُعد المحلي)، كشفنا عن إرث ريادي عريق لبورصة الكويت بوصفها أقدم بورصة خليجية، واستعرضنا الفرص الاستراتيجية الكامنة في توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز كفاءة السوق وحمايته وخدمة مستثمريه. وأكدنا أن البنية التقنية القائمة تُوفر أساساً صلباً يمكن البناء عليه.
في الجزء الثاني (البُعد الإقليمي)، رصدنا سباقاً متسارعاً بين البورصات الخليجية والعربية نحو التحول الرقمي، مع تقدم واضح للسعودية والإمارات. واستخلصنا خمسة دروس جوهرية من التجارب الإقليمية تتمحور حول الارتباط بالرؤية الوطنية، والبيئة التنظيمية الاستباقية، والشراكات الاستراتيجية، والتدرج المحسوب، والاستثمار في الكوادر البشرية.
في الجزء الثالث (البُعد الدولي)، وسّعنا العدسة لتشمل التجارب العالمية الرائدة، واكتشفنا أن البورصات الكبرى تتحوّل بسرعة من منصات تداول إلى منظومات تقنية ذكية. من ناسداك التي أصبحت شركة تقنية بامتياز، إلى بورصة لندن التي عقدت شراكة مليارية مع مايكروسوفت، إلى سنغافورة التي أثبتت أن صغر الحجم لا يمنع من الريادة.
الرسالة المركزية عبر هذه الأجزاء الثلاثة واضحة: نافذة الفرصة أمام بورصة الكويت لا تزال مفتوحة، لكنها لن تبقى كذلك إلى الأبد. السباق العالمي نحو «البورصة الذكية» يتسارع يوماً بعد يوم، والمسافة بين المتقدمين والمتأخرين تتسع باستمرار.
بورصة الكويت تمتلك مقومات حقيقية للنجاح: إرث ريادي يمتد لعقود، بنية تقنية جيدة، سوق ناضج بقاعدة مستثمرين واسعة، ودولة تمتلك ثروات سيادية هائلة قادرة على تمويل التحول المطلوب. ما ينقص هو الإرادة المؤسسية الحاسمة التي تضع هذا التحول في صدارة الأولويات، والرؤية الاستراتيجية الجريئة التي ترى في البورصة ليس مجرد سوق مال تقليدي، بل منصة ذكية قادرة على تعزيز مكانة الكويت المالية إقليمياً وعالمياً.
الميزة التنافسية الحقيقية في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون لمن يمتلك أفضل تقنية فحسب، بل لمن يُوظّف التقنية بأذكى طريقة لخدمة مستثمريه وتعزيز كفاءة سوقه وشفافيته ونزاهته. وفي هذا السياق، يحقّ لبورصة الكويت أن تطمح لاستعادة ريادتها التاريخية، لا كأقدم بورصة خليجية فحسب، بل كأذكى بورصة في المنطقة.
المستقبل ينتمي لمن يصنعه اليوم.
هذا المقال هو الجزء الثالث والأخير من سلسلة مكونة من ثلاثة أجزاء حول تحول أسواق المال نحو «البورصة الذكية».
المراجع والمصادر الرئيسية:
* مجموعة إنتركونتيننتال إكستشينج (ICE): التقارير السنوية ومبادرات ICE Data Services.
* مجموعة ناسداك (Nasdaq): بيانات منصة Verafin ونظام SMARTS للمراقبة الذكية، ومبادرات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
* مجموعة بورصة لندن (LSEG): تفاصيل الشراكة الاستراتيجية مع مايكروسوفت ومنصة Workspace.
* بورصة سنغافورة (SGX): وثائق مشروع Ubin ومبادرات البيانات البديلة.
* بورصة هونغ كونغ (HKEX): تقارير مختبر الابتكار ومنصة Stock Connect.
* مجموعة بورصة اليابان (JPX): وثائق نظام Arrowhead ومبادرات الذكاء الاصطناعي.
* بورصة أستراليا (ASX): تقارير مشروع البلوك تشين للمقاصة والتسوية.
* الاتحاد العالمي للبورصات (WFE): الإحصاءات المقارنة والتقارير حول التحول الرقمي.
* تقارير McKinsey وBoston Consulting Group وDeloitte: الدراسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في أسواق المال العالمية.
* IOSCO (المنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية): التقارير الخاصة بالذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في أسواق المال.
حول الكاتب:
م. محمد عباس: مستشار دولي في الذكاء الاصطناعي، يمتلك خبرة واسعة كمسؤول إقليمي سابق لنظم المعلومات في البنك الدولي والأمم المتحدة. يركز في كتاباته على تحليل الفجوات الرقمية واستراتيجيات البنية التحتية التكنولوجية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

