من «الشبكات التقليدية» إلى «المرافق الذكية»: مستقبل الطاقة مدعوماً بالذكاء الاصطناعي
الجزء الثاني: البُعد الإقليمي — تجارب دول مجلس التعاون الخليجي والمنطقة العربية (2/3)
بقلم — م. محمد عباس
مسؤول إقليمي سابق لنظم المعلومات بالبنك الدولي والأمم المتحدة ومستشار الذكاء الاصطناعي
مقدمة: من المحلي إلى الإقليمي
في الجزء الأول من هذه السلسلة، سلّطنا الضوء على واقع وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة في الكويت، واستعرضنا الفرص الهائلة التي يُتيحها الذكاء الاصطناعي لتحويل هذا القطاع الحيوي من نموذجه التقليدي إلى «المرفق الذكي». وقد خلصنا إلى أن المقومات الأساسية متوفرة، لكن الحاجة ماسّة إلى إرادة مؤسسية حاسمة ورؤية استراتيجية جريئة.
في هذا الجزء الثاني، نوسّع العدسة لنرصد كيف تتعامل مؤسسات الكهرباء والماء في دول مجلس التعاون الخليجي والمنطقة العربية الأوسع مع ملف التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. فالكويت لا تعمل في فراغ، بل تنتمي إلى منظومة إقليمية تتشابه فيها التحديات — من شُحّ المياه إلى الحرارة المرتفعة إلى الاعتماد على الوقود الأحفوري — مما يجعل الدروس المتبادلة ذات قيمة استثنائية.
أولاً: الإمارات العربية المتحدة — الريادة الرقمية في قطاع المرافق
هيئة كهرباء ومياه دبي (ديوا — DEWA): النموذج الأكثر تقدماً عربياً
تُعدّ هيئة كهرباء ومياه دبي (DEWA) من أبرز قصص النجاح في التحول الرقمي لقطاع المرافق على مستوى المنطقة والعالم. تبنّت الهيئة منذ سنوات استراتيجية شاملة للتحول نحو «المرفق الرقمي»، وحققت إنجازات ملموسة يمكن رصدها في عدة محاور.
على صعيد الشبكة الذكية، نجحت ديوا في نشر أكثر من مليوني عداد ذكي على شبكتي الكهرباء والمياه، مما أتاح جمع بيانات استهلاك لحظية ودقيقة تُغذّي منصات التحليل والذكاء الاصطناعي. هذه العدادات لا تقتصر على قياس الاستهلاك، بل تُمكّن الهيئة من رصد الأعطال فور حدوثها، وتحليل أنماط الاستخدام، وتقديم توصيات مُخصصة للمشتركين.
كما أطلقت ديوا مبادرة «شمس دبي» التي تسمح للمشتركين بتركيب ألواح شمسية على أسطح مبانيهم وربطها بالشبكة، وهو ما يتطلب أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة لإدارة التدفقات ثنائية الاتجاه وضمان استقرار الشبكة. وقد وظّفت الهيئة تقنيات التعلم الآلي للتنبؤ بإنتاج الطاقة الشمسية بناءً على بيانات الطقس والإشعاع الشمسي، مما يُحسّن التخطيط التشغيلي بشكل كبير.
في مجال الصيانة التنبؤية، طبّقت ديوا حلول الذكاء الاصطناعي على محطات التوليد ومحطات التحويل الرئيسية، حيث تُحلّل أجهزة الاستشعار المُثبّتة على المحولات والكابلات بيانات الحرارة والاهتزاز والأحمال للتنبؤ بالأعطال المحتملة. وقد أعلنت الهيئة عن خفض نسبة الأعطال غير المخططة بشكل ملحوظ منذ تطبيق هذه الأنظمة.
أما على صعيد خدمة المتعاملين، فقد أطلقت ديوا مساعداً افتراضياً ذكياً يعمل بالذكاء الاصطناعي يُدعى «رمّاس»، يتعامل مع استفسارات المتعاملين باللغتين العربية والإنجليزية عبر قنوات متعددة تشمل الموقع الإلكتروني وتطبيق الهاتف ومنصات التواصل الاجتماعي. رمّاس يُجيب على آلاف الاستفسارات يومياً، مما خفّف الضغط على مراكز الاتصال بنسبة كبيرة وحسّن تجربة المتعاملين.
الدرس المستفاد للكويت من تجربة ديوا واضح: التحول الرقمي الشامل يبدأ برؤية قيادية واضحة، ويتطلب استثماراً مبكراً في البنية التحتية الرقمية وخاصة العدادات الذكية، ويُثمر نتائج ملموسة في الكفاءة التشغيلية ورضا المتعاملين.
شركة أبوظبي للتوزيع (ADDC) وشركة العين للتوزيع (AADC)
في إمارة أبوظبي، تعمل شركتا التوزيع تحت إشراف دائرة الطاقة على تنفيذ برامج طموحة للتحول الرقمي. نشرت الشركتان عدادات ذكية بشكل واسع، واعتمدتا أنظمة إدارة شبكة متقدمة تستخدم تحليلات البيانات لتحسين الأداء التشغيلي. كما استثمرت أبوظبي بكثافة في مشروع محطة «براكة» للطاقة النووية السلمية — وهي أول محطة نووية في العالم العربي — مما يطرح تحديات جديدة في إدارة مزيج الطاقة تتطلب حلول ذكاء اصطناعي متقدمة لتحقيق التوازن بين مصادر التوليد المختلفة.
ثانياً: المملكة العربية السعودية — تحوّل بحجم رؤية 2030
الشركة السعودية للكهرباء (SEC)
تُعدّ الشركة السعودية للكهرباء أكبر مرفق كهربائي في الشرق الأوسط من حيث القدرة التوليدية وحجم الشبكة وعدد المشتركين. وفي إطار رؤية المملكة 2030، أطلقت الشركة برنامج تحول رقمي شامل يتضمن عدة مبادرات استراتيجية.
على صعيد العدادات الذكية، تنفّذ الشركة أحد أكبر مشاريع نشر العدادات الذكية في المنطقة، بهدف تركيب أكثر من عشرة ملايين عداد ذكي. هذا المشروع الضخم سيُوفر قاعدة بيانات هائلة تُمكّن من تطبيق حلول الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، من التنبؤ بالطلب إلى كشف الفاقد وتحسين كفاءة الشبكة.
في مجال الطاقة المتجددة، تُنفّذ المملكة مشاريع طاقة شمسية ورياح بقدرات ضخمة في إطار البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، مما يستلزم أنظمة ذكاء اصطناعي متطورة لدمج هذه المصادر المتقطعة في الشبكة الكهربائية وإدارة التوازن بين العرض والطلب.
كما أطلقت الشركة السعودية للكهرباء مركزاً للتحكم الوطني يستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات الضخمة لإدارة الشبكة الكهربائية عبر المملكة في الوقت الفعلي، مع قدرات تنبؤية لإدارة أحمال الذروة وخاصة خلال مواسم الحج والعمرة التي تُشكّل تحديات تشغيلية فريدة.
المياه الوطنية (NWC)
شركة المياه الوطنية السعودية تبنّت هي الأخرى برامج طموحة لتوظيف التقنيات الحديثة في إدارة شبكة المياه. من أبرز المبادرات تطبيق أنظمة كشف التسربات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، حيث تُستخدم أجهزة استشعار صوتية وضغطية متصلة بمنصات تحليل ذكية لتحديد مواقع التسربات بدقة عالية. وقد أعلنت الشركة عن نجاحها في خفض نسبة الفاقد المائي بشكل ملموس في عدد من المدن التي طُبّق فيها النظام.
كما تستخدم الشركة تقنيات التوأم الرقمي لمحاكاة شبكة المياه في بعض المناطق، مما يُتيح اختبار سيناريوهات مختلفة وتحسين خطط التوسعة والصيانة بشكل علمي مدروس.
مشروع نيوم (NEOM)
يُمثّل مشروع نيوم رؤية مستقبلية متكاملة حيث يُخطَّط لأن تكون المدينة مدعومة بالكامل بالطاقة المتجددة ومُدارة بالذكاء الاصطناعي. شبكة الكهرباء والمياه في نيوم مُصمّمة من الأساس لتكون «ذكية بالكامل»، مع اعتماد كلي على الشبكات الذكية وأنظمة إدارة الطاقة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وبصرف النظر عن الجدل حول حجم المشروع وواقعيته، فإن المبادئ التقنية المُعتمدة فيه تُقدّم دروساً قيّمة حول ما يمكن تحقيقه عند بناء البنية التحتية من الصفر دون قيود الأنظمة القديمة.
ثالثاً: قطر — استعدادات كأس العالم وما بعدها
المؤسسة العامة القطرية للكهرباء والماء (كهرماء — Kahramaa)
شكّل تنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 محفّزاً قوياً لتسريع التحول الرقمي في قطاع المرافق القطري. استثمرت كهرماء بكثافة في تحديث شبكاتها وتطبيق حلول ذكية لضمان موثوقية الإمداد خلال البطولة وما بعدها.
من أبرز مبادرات كهرماء نشر العدادات الذكية على نطاق واسع، وتطبيق أنظمة مراقبة ذكية للشبكة الكهربائية تستخدم تحليلات البيانات لرصد الأعطال والاستجابة لها بسرعة أكبر. كما أطلقت المؤسسة برنامج «ترشيد» الوطني للحفاظ على الكهرباء والماء، مدعوماً بأدوات رقمية تُساعد المشتركين على فهم أنماط استهلاكهم وتحسينها.
في مجال تحلية المياه، استثمرت قطر في محطات تحلية جديدة تعمل بتقنية التناضح العكسي وهي أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة من التقنيات الحرارية التقليدية، مع توظيف أنظمة تحكم ذكية لتحسين أداء هذه المحطات.
رابعاً: سلطنة عُمان — التنويع والتحديث
تعمل هيئة تنظيم الخدمات العامة في سلطنة عُمان على تطوير قطاع الكهرباء والمياه في إطار رؤية عُمان 2040. من المبادرات اللافتة تنفيذ مشاريع طاقة شمسية كبيرة لتنويع مزيج الطاقة، مع خطط لنشر العدادات الذكية بشكل أوسع.
كما تبنّت الشركة العُمانية لشراء الطاقة والمياه (OPWP) أنظمة تخطيط متقدمة تعتمد على النمذجة الحاسوبية للتنبؤ بالطلب على المدى القصير والمتوسط والطويل، وهي أنظمة يمكن تعزيزها بتقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين دقة التنبؤات وكفاءة تخطيط القدرات.
في مجال تحلية المياه، تُشغّل عُمان عدداً من محطات التحلية الكبرى، وتسعى لتحسين كفاءتها التشغيلية عبر تطبيق حلول رقمية متقدمة.
خامساً: مملكة البحرين — التحول في سوق صغير ومرن
تتميّز البحرين بصغر حجمها الجغرافي والسكاني نسبياً، مما يُتيح لها تطبيق الحلول التقنية الجديدة بسرعة أكبر مقارنة بالأسواق الأكبر. أطلقت هيئة الكهرباء والماء في البحرين مشروعاً لنشر العدادات الذكية وتحديث أنظمة إدارة الشبكة، مع التركيز على تحسين كفاءة التوزيع وتقليل الفاقد.
كما استثمرت البحرين في مشاريع طاقة متجددة وخاصة الطاقة الشمسية، وتعمل على تطوير إطار تنظيمي يدعم تبني التقنيات الذكية في قطاع المرافق.
سادساً: التجارب العربية خارج الخليج — دروس من مصر والأردن والمغرب
مصر: تحديث البنية التحتية على نطاق واسع
نفّذت مصر خلال العقد الأخير برنامجاً ضخماً لتوسيع قدرات التوليد الكهربائي، شمل إنشاء محطات عملاقة بالتعاون مع شركة سيمنز بقدرة إجمالية تتجاوز 14,000 ميغاواط. هذه المحطات الجديدة مُجهّزة بأنظمة تحكم رقمية متقدمة تُتيح توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين الكفاءة التشغيلية.
كما تعمل الشركة القابضة لكهرباء مصر على تحديث شبكات التوزيع ونشر العدادات الذكية مسبوقة الدفع في عدد من المحافظات، وهي خطوة أساسية نحو بناء قاعدة بيانات تُمكّن من تطبيق حلول الذكاء الاصطناعي مستقبلاً.
مشروع الربط الكهربائي بين مصر والمملكة العربية السعودية بقدرة 3,000 ميغاواط — الذي أشرنا إليه في الجزء الأول — يُمثّل نموذجاً للتعاون الإقليمي الذي يستفيد من اختلاف أوقات الذروة بين البلدين، والذكاء الاصطناعي سيلعب دوراً محورياً في إدارة هذا التبادل بكفاءة.
الأردن: ريادة في الطاقة المتجددة
حقق الأردن قفزات ملحوظة في مجال الطاقة المتجددة، حيث ارتفعت حصة الطاقة المتجددة من مزيج الطاقة بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة. هذا التحول فرض حاجة متزايدة لأنظمة إدارة شبكة ذكية قادرة على التعامل مع التقلبات في إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. شركة الكهرباء الوطنية الأردنية (NEPCO) تعمل على تطوير مركز تحكم وطني متقدم يستخدم تقنيات تحليل البيانات لإدارة مزيج الطاقة المتنوع بكفاءة.
المغرب: مجمّع نور — نموذج عالمي
يُعدّ مجمّع نور للطاقة الشمسية في ورزازات من أكبر مشاريع الطاقة الشمسية المُركّزة في العالم. هذا المشروع الطموح يستخدم أنظمة تحكم متقدمة لإدارة عمليات التوليد والتخزين الحراري، ويُقدّم نموذجاً لكيفية توظيف التقنيات الحديثة في مشاريع الطاقة الكبرى في المنطقة العربية. الوكالة المغربية للطاقة المستدامة (MASEN) تعمل على توسيع محفظة مشاريع الطاقة المتجددة مع تبني حلول رقمية لتحسين الأداء التشغيلي.
التحديات المشتركة والفجوات القائمة
رغم التقدم الملحوظ في عدد من الدول العربية، لا تزال هناك تحديات مشتركة تُبطئ تبني الذكاء الاصطناعي في قطاع المرافق على المستوى الإقليمي.
التحدي الأول يتعلق بجودة البيانات وتوفرها. فالذكاء الاصطناعي يعتمد أساساً على بيانات ضخمة ودقيقة ومُهيكلة، وكثير من مؤسسات المرافق في المنطقة لا تزال تعمل بأنظمة قديمة لا تُوفر البيانات بالجودة والحجم المطلوبين. نشر العدادات الذكية وأجهزة الاستشعار هو الخطوة الأولى والأهم لسدّ هذه الفجوة.
التحدي الثاني يتمثل في الكوادر البشرية المتخصصة. فالمنطقة تعاني من نقص في الكفاءات التي تجمع بين الخبرة الهندسية في قطاع الطاقة والمياه والمعرفة المتقدمة في علوم البيانات والذكاء الاصطناعي. هذه الفجوة تتطلب برامج تأهيل مكثفة وشراكات مع الجامعات ومراكز الأبحاث.
التحدي الثالث هو الأطر التنظيمية والتشريعية. فتبني الذكاء الاصطناعي في قطاع حيوي كالكهرباء والمياه يطرح أسئلة حول المسؤولية القانونية عند حدوث أخطاء في القرارات الآلية، وحماية البيانات الشخصية للمشتركين، والمعايير الفنية لاعتماد الأنظمة الذكية. معظم دول المنطقة لا تزال في مراحل مبكرة من تطوير هذه الأطر.
التحدي الرابع يرتبط بالتكامل مع الأنظمة القائمة. فمعظم مؤسسات المرافق في المنطقة تُشغّل أنظمة تقليدية مُعقّدة تراكمت عبر عقود، ودمج حلول الذكاء الاصطناعي مع هذه الأنظمة يتطلب تخطيطاً دقيقاً واستثمارات كبيرة في البنية التحتية الوسيطة.
مقارنة تحليلية: أين تقف الكويت في سباق التحول الذكي الإقليمي؟
عند مقارنة موقع الكويت بنظيراتها الخليجية والعربية في مسار التحول الرقمي لقطاع المرافق، يتضح أن الكويت تقع في منطقة وسطى. فهي تمتلك بنية تحتية رقمية جيدة وقدرات مالية كبيرة، لكنها تأخرت نسبياً مقارنة بدبي وأبوظبي والسعودية في تنفيذ مشاريع التحول الرقمي الكبرى في قطاع المرافق.
دبي تتقدم بوضوح بفضل الرؤية القيادية المبكرة لهيئة ديوا والاستثمار المكثف في العدادات الذكية والمنصات الرقمية. السعودية تُنفّذ تحولاً ضخماً يتناسب مع حجم شبكتها الهائل ومدعوماً بزخم رؤية 2030. قطر استفادت من محفّز كأس العالم لتسريع التحديث. أما الكويت فلا تزال في مراحل مبكرة نسبياً، مع وجود مبادرات واعدة لكنها تحتاج إلى تسريع وتوسيع.
النقطة المضيئة هي أن الكويت تستطيع الاستفادة من تجارب جيرانها وتجنب الأخطاء التي وقعوا فيها، والبدء من حيث انتهى الآخرون بدلاً من إعادة اختراع العجلة. فالمنصات التقنية الناضجة والدروس المستفادة متاحة، وما يُحتاج إليه هو القرار الاستراتيجي والتنفيذ المنضبط.
الدروس المستفادة من التجارب الإقليمية
من مجمل التجارب الإقليمية المستعرضة، يمكن استخلاص عدد من الدروس الجوهرية التي تنطبق مباشرة على حالة الكويت.
الدرس الأول هو أن القيادة المؤسسية الملتزمة هي العامل الحاسم. فنجاح ديوا لم يكن صدفة، بل نتيجة رؤية قيادية واضحة واستثمار مستمر على مدى سنوات. التحول الرقمي في قطاع المرافق ليس مشروعاً تقنياً فحسب، بل قرار استراتيجي يبدأ من القمة.
الدرس الثاني هو أن العدادات الذكية تُشكّل حجر الأساس. فبدون بيانات استهلاك دقيقة ولحظية من العدادات الذكية، تظل تطبيقات الذكاء الاصطناعي محدودة الفعالية. الاستثمار في نشر العدادات الذكية على أوسع نطاق هو الخطوة الأولى غير القابلة للتأجيل.
الدرس الثالث هو أهمية البدء بمشاريع تجريبية محدودة النطاق وقابلة للقياس، ثم التوسع تدريجياً بناءً على النتائج. فالتجارب الناجحة في المنطقة بدأت بمشاريع pilot على محطات أو مناطق محددة قبل التعميم.
الدرس الرابع هو قيمة الشراكات الاستراتيجية مع مزوّدي التقنية المتخصصين. فشركات مثل C3.ai وسيمنز وشنايدر إلكتريك وغيرها تمتلك خبرات تراكمية في قطاع المرافق يمكن الاستفادة منها بدلاً من بناء القدرات من الصفر.
الدرس الخامس هو ضرورة الاستثمار المتوازي في الكوادر البشرية. فكل التجارب الإقليمية الناجحة اقترنت ببرامج تأهيل مكثفة للمهندسين والفنيين، وإنشاء فرق متخصصة في التحول الرقمي داخل المؤسسة.
خاتمة: الكويت والفرصة السانحة
المشهد الإقليمي يكشف أن التحول نحو المرافق الذكية لم يعد خياراً بل ضرورة تنافسية. دول الجوار تتقدم بخطوات متسارعة، وأي تأخير إضافي من الكويت يعني توسّع الفجوة وتراجع القدرة التنافسية. لكن الخبر الجيد هو أن الكويت تمتلك مقومات التحول — من بنية تحتية رقمية إلى قدرات مالية إلى كوادر هندسية — وأن الطريق واضح المعالم بفضل الدروس المستفادة من التجارب الإقليمية.
المطلوب اليوم هو إرادة مؤسسية حاسمة تُترجم الرؤية إلى خطة تنفيذية واضحة بجداول زمنية ومؤشرات أداء محددة، وتبدأ فوراً بالخطوات الأولى: نشر العدادات الذكية، وإطلاق مشاريع تجريبية للصيانة التنبؤية، وبناء الشراكات الاستراتيجية مع مزوّدي الحلول المتخصصين.
في الجزء الثالث والأخير من هذه السلسلة، سنوسّع النظرة إلى البُعد الدولي، لاستقراء أفضل الممارسات العالمية في توظيف الذكاء الاصطناعي في قطاع المرافق، ودراسات الحالة الرائدة من أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تُثري مسيرة التحول في الكويت والمنطقة.
المستقبل ينتمي لمن يصنعه اليوم.
ملاحظة للقرّاء: في إطار التغطية المعمّقة لهذا الملف، ستُجري «الاقتصادية» مقابلة تقنية حصرية مع فريق شركة C3.ai في منطقة الخليج والكويت، لتسليط الضوء على القيمة المضافة التي يمكن أن تُقدّمها حلول الذكاء الاصطناعي المتخصصة لقطاع المرافق في الكويت والمنطقة. ترقبوا هذه المقابلة في الأعداد القادمة.
وفي الجزء الثالث من هذه السلسلة، سنوسّع العدسة إلى البُعد الدولي لاستقراء أفضل الممارسات العالمية ودراسات الحالة الرائدة من أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا، واستخلاص الدروس المستفادة.
هذا المقال هو الجزء الثاني من سلسلة مكونة من ثلاثة أجزاء حول تحول قطاع الكهرباء والماء نحو «المرفق الذكي».
المراجع والمصادر الرئيسية:
- هيئة كهرباء ومياه دبي — ديوا (dewa.gov.ae): التقارير السنوية، واستراتيجية الشبكة الذكية، وبيانات مبادرة «شمس دبي» والمساعد الافتراضي «رمّاس».
- دائرة الطاقة — أبوظبي (doe.gov.ae): بيانات التحول الرقمي لشركتي التوزيع ADDC وAADC ومشروع محطة براكة النووية.
- الشركة السعودية للكهرباء — SEC (se.com.sa): البيانات الرسمية حول مشروع العدادات الذكية ومركز التحكم الوطني.
- شركة المياه الوطنية — NWC (nwc.com.sa): بيانات برامج كشف التسربات الذكية والتوأم الرقمي.
- مشروع نيوم — NEOM (neom.com): الوثائق المنشورة حول البنية التحتية الذكية للطاقة والمياه.
- المؤسسة العامة القطرية للكهرباء والماء — كهرماء (km.qa): بيانات برامج التحول الرقمي وبرنامج «ترشيد».
- هيئة تنظيم الخدمات العامة — سلطنة عُمان (apsr.om): بيانات تطوير قطاع الكهرباء والمياه في إطار رؤية عُمان 2040.
- هيئة الكهرباء والماء — مملكة البحرين (ewa.bh): بيانات مشاريع العدادات الذكية والطاقة المتجددة.
- الشركة القابضة لكهرباء مصر (eehc.gov.eg): بيانات مشاريع التوسع والتحديث ومشروع الربط السعودي — المصري.
- شركة الكهرباء الوطنية الأردنية — NEPCO (nepco.com.jo): بيانات دمج الطاقة المتجددة ومركز التحكم الوطني.
- الوكالة المغربية للطاقة المستدامة — MASEN (masen.ma): بيانات مجمّع نور للطاقة الشمسية ومشاريع الطاقة المتجددة.
- هيئة الربط الكهربائي الخليجي (GCCIA): بيانات شبكة الربط الكهربائي وقدرات التبادل الإقليمي.
- C3.ai — Enterprise AI for Utilities: وثائق المنصة ودراسات الحالة المنشورة في قطاع المرافق.
- الوكالة الدولية للطاقة (IEA): تقارير رقمنة قطاع الطاقة والمرافق في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
- تقارير McKinsey وBoston Consulting Group: الدراسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في قطاع المرافق بمنطقة الشرق الأوسط.
- Bloomberg NEF: تقارير التحول الرقمي والطاقة المتجددة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
حول الكاتب:
م. محمد عباس: مستشار دولي في الذكاء الاصطناعي، يمتلك خبرة واسعة كمسؤول إقليمي سابق لنظم المعلومات في البنك الدولي والأمم المتحدة. يركز في كتاباته على تحليل الفجوات الرقمية واستراتيجيات البنية التحتية التكنولوجية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

