بين مطرقة التضخم وسندان الإدارة: كيف تُصاغ القرارات المؤسسية في الأزمات الاقتصادية؟
بقلم: تامـر عبدالعزيز
أمين سر – مدير إدارة الموارد البشرية
في بيئة الأعمال المعاصرة، لا يُعد الاقتصاد مجرد سياق خارجي، بل هو القوة المحركة التي تشكل ملامح الاستراتيجية التنظيمية عندما تضطرب المؤشرات الكلية وتتصاعد معدلات التضخم، تجد القيادات الإدارية نفسها في مواجهة “معضلة البقاء”، حيث تضطر للموازنة بين الحفاظ على الجدوى المالية وبين الوفاء بوعود العلامة التجارية. إن تأثير التذبذب الاقتصادي على القرار المؤسسي ليس مجرد رد فعل عشوائي، بل هو عملية تخضع لقوانين علمية وإدارية صارمة.
أولاً: المحركات العلمية لتأثير التذبذب على القرار
لا تتأثر المؤسسات بالتضخم لمجرد ارتفاع الأسعار، بل نتيجة اختلال التوازنات العلمية التالية:
* نظرية تكلفة الوكالة والتمويل: (Agency Theory).
علمياً، عندما تضطرب العملة، تزداد “تكلفة التمويل”. تضطر الإدارة هنا لاتخاذ قرارات بتقليص الاستثمارات طويلة الأجل (R&D) والتركيز على الأرباح قصيرة الأجل لضمان تدفق السيولة، وهو ما يُعرف بـ “قصر النظر الإداري القسري”.
* مرونة الطلب السعرية: (Price Elasticity of Demand).
في أوقات التضخم، تعيد المؤسسات دراسة مرونة منتجاتها. إذا كان المنتج “مرناً”، فإن أي رفع للسعر سيؤدي لانهيار المبيعات. هنا يظهر القرار العلمي بتبني استراتيجية “هندسة القيمة”، أي إعادة تصميم المنتج لتقليل تكلفته دون المساس بوظيفته الأساسية.
* مخاطر النظام (Systemic Risk):
التذبذب الاقتصادي يرفع معامل “بيتا” (Beta) للمؤسسة، مما يجعل المستثمرين يطالبون بعوائد أعلى. هذا يدفع الإدارة لاتخاذ قرارات “تحوطية” (Hedging) عبر الدخول في عقود مستقبلية لتثبيت أسعار المواد الخام أو العملات.
ثانياً: الحلول الإدارية (نموذج الاستجابة المرنة)
لمواجهة هذه الضغوط، تتبنى المؤسسات الرائدة حزمة من الحلول الإدارية القائمة على “المرونة الاستراتيجية”:
– التسعير الديناميكي (Dynamic Pricing): بدلاً من قوائم الأسعار الثابتة التي يلتهمها التضخم، تلجأ الإدارة لاستخدام خوارزميات تعدل الأسعار بناءً على تكلفة المدخلات اللحظية وقوة الطلب، وهو ما يضمن الحفاظ على هامش الربح (Profit Margin) .
– إعادة هيكلة سلاسل الإمداد (Near-shoring): كحل إداري للأزمات، بدأت المؤسسات العالمية في نقل مصانعها لتكون أقرب جغرافيًا من الأسواق المستهدفة لتقليل مخاطر تذبذب أسعار الشحن والعملات الدولية.
– التحول من “النمو” إلى “الكفاءة”: في المستقرة، يكون القرار هو “التوسع”، أما في الأزمات، فينتقل القرار إلى “التحسين”. يتم تفعيل منهجيات مثل (Six Sigma) لتقليل الهدر، حيث يصبح توفير 1% من التكاليف التشغيلية يعادل زيادة 5% في المبيعات في وقت الركود.
ثالثاً: أمثلة واقعية وعلمية من التاريخ الاقتصادي
– مثال (1) – صناعة السيارات: خلال أزمة التضخم العالمي، اتجهت شركات مثل “تويوتا” لتقليل عدد الرقائق الإلكترونية غير الضرورية في بعض الطرازات للحفاظ على سعر تنافسي، وهو قرار إداري تقني يعتمد على “ترتيب أولويات العميل”.
– مثال (2) – قطاع التجزئة: تلجأ شركات الأغذية الكبرى عند تذبذب أسعار المواد الخام إلى استراتيجية (Shrinkflation)، وهي تقليل وزن المنتج مع الحفاظ على سعره، كقرار إداري لتجنب “الصدمة السعرية” التي قد تنفر المستهلك.
تُظهر التجارب العالمية أن الفارق بين الانهيار والازدهار في الأزمات الاقتصادية يكمن في “نوعية القرار الإداري”. إليك نموذج في التعامل مع التذبذب:
قطاع التصنيع (الاستجابة اليابانية للأزمات)
تعتبر الشركات اليابانية مثل “تويوتا” مرجعاً في “إدارة الوفرة في زمن الندرة”. عند تذبذب أسعار المعادن، تفعل تويوتا نظام “التحسين المستمر” (Kaizen) ليس كشعار، بل كأداة مالية:
* القرار: تفويض العمال في خطوط الإنتاج لتقديم مقترحات لتقليل الهدر بمقدار مليمترات في المواد الخام.
* النتيجة: توفير ملايين الدولارات دون تسريح موظف واحد، وهو قرار إداري يركز على “الاستدامة البشرية” كأصل رأسمالي في مواجهة تقلبات السوق.





