مقالات

صدمة في وادي السيليكون: Google وMeta تُدانان بتعويضات قياسية في قضية تاريخية

 

بقلم/ د. عدنان البدر
باحث ومستشار استراتيجي في سياسة الموارد البشرية وبيئة العمل ورئيس ومؤسس الجمعية الكندية الكويتية للصداقة والأعمال
ckbafa@gmail.com

  • المقارنة مع السجائر/ التبغ ليست مبالغة صحفية، بل سيناريو قانوني محتمل يفرض نفسه في عصر الذكاء الاصطناعي.

  • آليات التمرير اللانهائي، الإشعارات، خوارزميات التوصية، وأنظمة المكافأة الفورية عناصر مقصودة لزيادة التعلق القهري.

  • ستضطر الشركات إلى إعادة تصميم منتجاتها بطريقة تقلل زمن التفاعل القهري وبالتالي أرباح أقل على المدى القصير.

  • أسعار أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى لا تعكس بوضوح سيناريو تعويضات بمئات المليارات.

  • سيناريو «اتفاق تريليوني» فوري مع شركات التكنولوجيا لا يبدو قريباً، لكن الطريق إليه بدأ يتشكل.

  • هل ستقبل في النهاية شركات السجاير/ التبغ باتفاق ضخم تبرمه وهي في موقف ضعف، كما فعلت شركات السجائر قبل ربع قرن؟

  • حكم لوس أنجلِس يعلن بداية عصر جديد تُعامل فيه شركات التكنولوجيا كصناعة ذات أثر صحي واجتماعي مباشر.

    تراكم الأحكام أو التسويات يمكن أن يدفع وكالات التصنيف والمحللين إلى إدخال «خصم مخاطر قانونية» في نماذج التقييم.

  • المستثمر – سواء كان فرداً أو صندوقاً سيادياً – عليه أن يقرأ هذا الحكم كإشارة مبكرة لا كعاصفة عابرة.

  • تصميم منصات يعتمد على مبادئ علم النفس السلوكي لزيادة زمن الاستخدام، مع استهداف دقيق لللأطفال والمراهقين القاصرين.

  • نموذج الربحية المبني على «خطف برائة الأطفال والمراهقين القاصرين» ليس خارج نطاق المساءلة.

  • تصميم المنصات وخوارزمياتها لعب دوراً جوهرياً في خلق هذا الإدمان وما ترتّب عليه من أذى نفسي وسلوكي.

 

حكم تاريخي يهز عمالقة التكنولوجيا: عندما أصبحت الخوارزميات «سجائر رقمية

لوس أنجلوس — في قرار قضائي غير مسبوق، أدانت هيئة محلفين في محكمة لوس أنجلوس العليا، الأربعاء 25 مارس، شركتي غوغل وميتا بتهمة تصميم منصاتهما بطريقة تشكل خطراً مباشراً على الأطفال والمراهقين، في حكم قد يُعيد تشكيل صناعة التكنولوجيا بأكملها.  ألزمت الهيئة الشركتين بدفع تعويضات قدرها 4.2 مليون دولار لميتا، و1.8 مليون دولار لغوغل. ورغم ضآلة المبلغين مقارنة بالقيمة السوقية للعملاقين، إلا أن الحكم يحمل دلالة رمزية عميقة: انتهى عصر الحصانة القانونية لشركات التكنولوجيا، وبدأت حقبة المساءلة الجادة.

لماذا يُعد هذا الحكم «طرف جبل الجليد»Iceberg ؟

لم تركز المحكمة على محتوى المنشورات، بل على تصميم المنصات نفسها: التمرير اللانهائي، الإشعارات المُغرية، والخوارزميات التي تُبقي المراهقين ملتصقين بالشاعات لساعات. وجدت هيئة المحلفين أن هذه العناصر ليست عوارض جانبية، بل ميزات مقصودة ومدروسة لاستغلال ضعف القاصرين نفسياً.  الأخطر: أثبتت الأدلة أن الشركتين كانتا تدركان المخاطر مسبقاً، ومع ذلك استمرتا في تعزيز آليات الإدمان. هذا المنطق القانوني يُذكرنا بدقة بما حدث مع صناعة التبغ قبل ربع قرن.

هل نحن أمام «اتفاق تبغ رقمي» جديد؟

عام 1998، وقعت شركات التبغ اتفاقاً تاريخياً بقيمة 206 مليار دولار بعد عقود من الإنكار. اليوم، تقف شركات التكنولوجيا في المرحلة نفسها: تراكم الأدلة العلمية، تزايد الدعاوى القضائية، وضغط متصاعد من الجهات التنظيمية.  لكن الفارق جوهري: التبغ كان منتجاً ترفيهياً بلا قيمة اجتماعية، أما منصات التواصل فهي بنية تحتية رقمية أساسية للتواصل والتجارة والتعليم. لذلك، لن يكون «الاتفاق الرقمي» نسخة طبق الأصل، بل سيكون أكثر تعقيداً.

الذكاء الاصطناعي: المتهم التالي على القائمة

الأكثر إثارة للقلق هو دخول الذكاء الاصطناعي كعنصر مُضاعف للمخاطر. بدأت تظهر دعاوى تتهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي التفاعلي بالتسبب في أزمات ذهانية ونفسية عبر حوارات ممتدة تُعزز أفكاراً سلبية.  إذا اقتنع القضاء أن تصميم هذه الأنظمة يُسبب إدماناً أو ضرراً عقلياً، ستنفتح الباب لموجة جديدة من الدعاوى لن تقتصر على السوشيال ميديا، بل ستمتد لكل خدمة رقمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

ماذا يعني هذا للمستثمر العربي؟

بالنسبة للمستثمرين في المنطقة الخليجية والعربية، هذا الحكم ليس شأناً أمريكياً بحتا. أستراليا بدأت بحظر من هم دون السادسة عشرة، والاتحاد الأوروبي يفرض تشريعات صارمة على الخوارزميات. العالم يتجه نحو عصر تصبح فيه «السلامة الرقمية» جزءاً من الصحة العامة.  في دول التعاون الخليجي، حيث تُسجل أعلى نسب انتشار لوسائل التواصل بين المراهقين عالمياً، ستجد الحكومات نفسها قريباً أمام سؤال حاسم: هل نكتفي بالتوعية الأسرية، أم نحتاج لتشريعات ودعاوى قضائية تفرض مسؤولية أكبر على الشركات؟

المخاطر المالية: ليست قنبلة فورية، لكن

السوق لا يزال يتعامل مع هذه القضايا كمخاطر بعيدة، لكن الخطر الحقيقي يكمن في تأخر الأسواق عن تسعير التحولات القانونية. إذا تكررت الأحكام وبدأت الولايات في تبني دعاوى جماعية، قد تجد شركات التكنولوجيا نفسها أمام فاتورة تريليونية — تماماً كما حدث للتبغ.  الأهم: هذا الضغط القانوني قد يُجبر الشركات على إعادة تصميم منتجاتها لتقليل التفاعل القهري، مما يعني نظرياً تقليص ساعات المشاهدة والإعلانات — وبالتالي انخفاض الإيرادات على المدى القصير.

السؤال المفتوح: هل تتعلم التكنولوجيا من دروس التبغ؟

حكم لوس أنجلوس لا يُفلس غوغل وميتا غداً، لكنه يُعلن بداية عصر جديد: عصر تُعامل فيه شركات التكنولوجيا كمؤسسة ذات أثر صحي واجتماعي مباشر، وليس كألعاب رقمية بريئة.  السؤال الآن: هل ستختار هذه الشركات التعلّم من تجربة التبغ والتفاوض على نموذج عمل أكثر مسؤولية قبل فوات الأوان، أم ستنتظر حتى تتراكم الأحكام فتقبل باتفاق ضخم وهي في موقف ضعف؟  التاريخ يُعيد نفسه — لكن هذه المرة، الخوارزميات هي التدخين الجديد.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى