تكنولوجيا

المال القذر في عالم رقمي نظيف المظهر

 

بقلم/ عمرو علاء

مسؤول مطابقة والتزام

  • كيف تُغسل المليارات عبر العملات الرقمية — والسباق المحتدم بين الجريمة والرقابة

 

في مكانٍ ما الآن شخصٌ يجلس أمام شاشة مضيئة ويُحوّل عائدات جريمة، مخدرات، رشاوى، احتيال، سطو إلى بيتكوين ثم إلى عملة مشفرة أخرى ثم إلى محفظة رقمية مجهولة الهوية في دولة لا تسأل كثيراً.

بعد ساعات يخرج المال من الطرف الآخر نظيفاً على الورق ( استثماراً في عقار، أو تحويلاً مصرفياً، أو حتى تبرعاً خيرياً)

هذا ليس سيناريو خيالي من فيلم جريمة هذا ما يحدث يومياً على نطاق يُقدَّر بمئات المليارات من الدولارات، والأدهى أن التكنولوجيا التي صُنعت لتحرير الناس من قبضة المصارف التقليدية باتت تُوظَّف أحياناً لتحرير المجرمين من قبضة القانون.

السؤال ليس: هل تُستخدم العملات الرقمية في غسيل الأموال؟ هذا ثابت.
السؤال هو: كيف؟ وما حجم الكارثة؟ وهل يستطيع العالم اللحاق بهذا التهديد المتشكّل بسرعة مذهلة؟

أولاً: غسيل الأموال الجريمة الأقدم في ثوبٍ رقمي جديد

غسيل الأموال ليس اختراعاً حديثاً إنه قديم قِدَم الجريمة المنظمة نفسها، الفكرة في جوهرها بسيطة إخفاء المصدر غير المشروع للأموال بتمريرها عبر سلسلة من المعاملات حتى تبدو في النهاية وكأنها نتاج نشاط اقتصادي مشروع، الغاسل يسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف: إخفاء مصدر المال، قطع الصلة بينه وبين الجريمة الأصلية، ثم إعادة توظيفه في الاقتصاد الرسمي.

لعقود طويلة اعتمدت شبكات غسيل الأموال على وسائل تقليدية مثل شركات وهمية، صرافات نقدية، عقارات، مطاعم ومحلات تجارية تُضخّم إيراداتها الوهمية لتمرير المال الحرام.

الأنظمة المالية الدولية والرقابة المصرفية تعلّمت كيف تتعامل مع هذه الأساليب تدريجياً، ثم جاء البيتكوين عام 2009 وفتح باباً لم تكن الأجهزة الرقابية مستعدة له.

العملات الرقمية قدّمت للغاسلين ما لم يحلموا به في الأساليب التقليدية، سرعة التحويل الفوري عبر الحدود، وانخفاض التكلفة، وإمكانية إخفاء الهوية، وغياب وسيط مصرفي مُلزَم بالإبلاغ، المزيج المثالي لمن يريد أن يُخفي مالاً وأن يُوصله إلى الجهة التي يريد بأقل قدر ممكن من الأثر الرقمي.

ثانياً: كيف يعمل الغسيل الرقمي؟ المراحل الثلاث بلغة مبسّطة

فهم آلية الغسيل ضروري لفهم كيفية مكافحته حيث تمر العملية في الغالب بثلاث مراحل متتالية، يُطوّر فيها المجرمون أساليبهم باستمرار لتجاوز الرقابة:

①   الإيداع — إدخال المال القذر إلى الدورة الرقمية

في هذه المرحلة يُحوّل الغاسل الأموال النقدية إلى عملات رقمية، يتم ذلك عبر منصات تبادل تفتقر للرقابة أو عبر وسطاء غير رسميين، وأحياناً عبر شراء عملات مشفرة من أفراد مباشرةً بعيداً عن المنصات الرسمية، الهدف في هذه المرحلة هو الخروج من النظام المصرفي التقليدي الذي يُلزِم بالتحقق من الهوية.

②   التمويه — قطع الأثر الرقمي

المرحلة الأكثر تطوراً وإبداعاً، يستخدم الغاسلون عدة أدوات مثل خدمات “الخلط” أو التدوير التي تُضخّ عملات من مصادر متعددة وتُعيد توزيعها لقطع الصلة بين العملة ومصدرها، أو يُحوّلون البيتكوين إلى عملات مُصمَّمة للخصوصية مثل مونيرو وزيكاش التي تُخفي هوية المُرسِل والمُستقبِل بشكل شبه كامل. أو يُنفّذون سلاسل طويلة من التحويلات عبر عشرات العناوين الرقمية في دول مختلفة خلال ثوانٍ.

③   الدمج — العودة إلى الاقتصاد الرسمي

المرحلة الأخيرة والهدف النهائي. يُحوّل الغاسل العملات الرقمية إلى أصول مشروعة مثل عقارات، أسهم، سيارات فاخرة، أو ببساطة إلى نقد في حساب مصرفي عبر منصات تبادل مرخّصة في دول ذات رقابة ضعيفة. في هذه المرحلة يكون المال قد قطع رحلةً طويلة كفيلة بتعقيد أي تحقيق يسعى لملاحقته.

ثالثاً: أدوات الغاسلين في العالم الرقمي (الترسانة الكاملة)

  1. منصات التبادل غير المرخّصة والمناطق الرمادية

بينما تُطبّق المنصات الكبرى مثل كوينبيس وبينانس معايير KYC صارمة، تعمل في أطراف السوق منصات أصغر وأقل رقابةً تغضّ الطرف عن هوية المستخدمين، هذه المنصات في دول ذات تشريعات ضعيفة تُمثّل مدخلاً رئيسياً لإيداع الأموال القذرة في الدورة الرقمية.

  1. بروتوكولات التمويل اللامركزي DeFi

التمويل اللامركزي أو DeFi هو منظومة خدمات مالية تعمل بشكل كامل عبر العقود الذكية بلا وسيط بشري ولا إلزام بالتحقق من الهوية، يستطيع أي شخص تحويل أموال أو استثمارها أو اقتراض مقابلها دون أن يكشف عن هويته، هذا الفضاء شهد نمواً انفجارياً في السنوات الأخيرة ومعه نمت جاذبيته لشبكات غسيل الأموال.

  1. العملات المُصمَّمة للخصوصية

هناك عملات صُمِّمت أصلاً لتوفير خصوصية تامة، لا يمكن تتبع المُرسِل، ولا المُستقبِل، ولا قيمة المعاملة على الإطلاق، بينما تُسجّل معاملات البيتكوين بشكل علني على سلسلة الكتل وإن كانت مجهولة الهوية فإن هذه العملات تُمثّل صندوقاً أسود رقمياً حقيقياً أمام المحققين الجنائيين الرقميين.

  1. الألعاب الإلكترونية ومنصات الميتافيرس

مسار لافت رصده المحققون مؤخراً لشراء عملات داخل ألعاب إلكترونية ضخمة بأموال مشبوهة، ثم بيع هذه العملات والأصول الرقمية لاحقاً لمستخدمين حقيقيين مقابل أموال نظيفة، المبالغ قد تكون أصغر مقارنةً بالقنوات التقليدية، لكن الصعوبة البالغة في التتبع تجعلها جذّابة لمن يريد الغسيل بعيداً عن أنظار الرقابة.

  1. العقارات الرقمية وNFT

شهد سوق الرموز غير القابلة للاستبدال NFT طفرة هائلة ومعها طفرة في التوظيف الإجرامي، بيع قطعة فنية رقمية بمبلغ ضخم لمشترٍ متواطئ هو أسلوب كلاسيكي من أساليب الغسيل نُقل إلى الفضاء الرقمي، الفن دائماً  كان قناةً للغسيل والفن الرقمي لا يختلف في المبدأ.

الغسيل الرقمي — بالأرقام الصادمة

23.8 مليار دولار  |  قيمة العملات الرقمية المُغسَلة في 2023 وحده  —  وفق تقرير Chainalysis السنوي

 

800%  |  ارتفاع في حجم الغسيل عبر DeFi  —  خلال الفترة 2020–2023

 

0.34%  |  فقط من إجمالي معاملات العملات الرقمية  —  مرتبطة بنشاط إجرامي — لكن النسبة تُمثّل مليارات

 

72%  |  من العملات الرقمية المُغسَلة تمر عبر منصة واحدة فقط  —  غالباً منصات في دول ذات رقابة ضعيفة

 

3.7 مليار دولار  |  حجم الاختراقات والسرقات في بروتوكولات DeFi في 2022

 

 

رابعاً: السلاح المضاد كيف يُطارَد المال القذر رقمياً؟

الخبر الجيد أن التكنولوجيا التي تُسهّل الغسيل تُسهّل أيضاً في الاتجاه المعاكس مطاردته. سلسلة الكتل blockchain، رغم ما يُشاع عن الخصوصية التي تُتيحها، هي في الأصل سجلٌّ علني لا يُمحى ولا يُعدَّل، كل معاملة بيتكوين مسجّلة إلى الأبد والمحقق الذي يستطيع ربط عنوان رقمي بشخص حقيقي يملك خيطاً لا ينقطع.

■  تحليل سلسلة الكتل — الجنائيات الرقمية

ظهرت شركات متخصصة في تحليل سلاسل الكتل مثل Chainalysis وElliptic وCipherTrace تُقدّم خدماتها للحكومات والمؤسسات المالية، هذه الشركات تبني خرائط ضخمة للمعاملات الرقمية، وتُحدّد العناوين المرتبطة بنشاط إجرامي، وتتتبع مسار الأموال عبر عشرات التحويلات، مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي FBI استعاد ملايين الدولارات من هجمات فدية وعمليات اختراق باستخدام هذه الأدوات.

■  تنظيم خدمات الأصول الرقمية VASP

مجموعة فاتف FATF أصدرت توجيهات تُلزم مزوّدي خدمات الأصول الرقمية بتطبيق نفس متطلبات مكافحة غسيل الأموال المفروضة على البنوك التقليدية مثل التحقق من هوية العملاء، ومراقبة المعاملات، والإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة. التطبيق الفعلي يتفاوت بشكل كبير بين الدول وهذا التفاوت هو ثغرة يستغلها الغاسلون باستمرار.

■  قاعدة السفر Travel Rule

قاعدة السفر تُلزم منصات تبادل العملات الرقمية بتبادل معلومات المُرسِل والمُستقبِل مع المنصة الأخرى في أي معاملة تتجاوز حداً معيناً مماثلةً بذلك ما يحدث في التحويلات المصرفية التقليدية، تطبيق هذه القاعدة في قطاع لامركزي بطبيعته يُمثّل تحدياً تقنياً وقانونياً ضخماً تعمل عليه الهيئات الدولية.

■  الذكاء الاصطناعي في مطاردة الغاسلين

نماذج تعلّم الآلة باتت قادرة على تحليل ملايين المعاملات الرقمية واكتشاف الأنماط التي تدلّ على نشاط الغسيل التقطيع المتكرر، والتحويلات الدائرية، والنشاط في ساعات غير مألوفة بسرعة ودقة تفوق أي تحليل بشري، المنصات الكبرى توظّف هذه الأنظمة لرصد المعاملات الداخلية وتجميد الحسابات المشبوهة فورياً.

المواجهة — أرقام من الميدان

30 مليار دولار  |  أصول رقمية جُمِّدت أو صُودِرت عالمياً منذ 2020

 

150+ دولة  |  التزمت بتطبيق إطار فاتف على العملات الرقمية

 

10 مليار دولار  |  الإيرادات السنوية لشركات تحليل سلاسل الكتل الجنائية  —  سوق يتضاعف سنوياً

 

94%  |  من العملات الرقمية الإجرامية المرصودة  —  تمر في نهايتها عبر منصات تبادل مركزية يمكن تعقّبها

 

 

خامساً: الكويت والخليج — أين نحن في هذا الملف؟

الكويت، كغيرها من دول الخليج، لم تكن بمنأى عن هذا التحدي المتصاعد، وقد انعكس الوعي بخطورة العملات الرقمية كقناة للجريمة المالية في الاهتمام المتزايد من جانب هيئة أسواق المال والبنك المركزي الكويتي بتطوير الإطار التنظيمي الناظم لهذا القطاع، الكويت حريصة على صون سمعتها كمركز مالي موثوق وعلى الاستمرار في تلبية متطلبات مجموعة فاتف والتقييمات الدولية الدورية.

على المستوى الخليجي، تقود الإمارات جهوداً طموحة في بناء إطار تنظيمي شامل للأصول الرقمية يوازن بين استقطاب الاستثمار في هذا القطاع ومنع توظيفه في الجريمة المالية، هيئة الأوراق المالية والسلع الإماراتية ومركز أبوظبي المالي العالمي رسما نموذجاً إقليمياً يُمكن الاستلهام منه، وثمة توافق خليجي متنامٍ على ضرورة التنسيق الإقليمي في مواجهة هذا التهديد العابر للحدود.

التحدي الأكبر إقليمياً يكمن في الاقتصاد غير الرسمي وشبكات الحوالة التي قد تُشكّل نقطة التقاء بين الجريمة التقليدية والعملات الرقمية، تحديث آليات الرقابة على هذه الشبكات وربطها بالمنظومة الرقابية للأصول الرقمية يُمثّل أولوية تنظيمية ملحّة في المنطقة.

سادساً: التحديات القائمة ، لماذا المعركة لم تُحسم بعد؟

◆  اللامركزية الجوهرية: بروتوكولات DeFi لا تملك مديراً يمكن محاسبته ولا مقراً يمكن مداهمته وهو ما يُعقّد التنظيم القانوني تعقيداً جذرياً.

◆  التفاوت التنظيمي العالمي: طالما بقيت دول ذات تشريعات متساهلة، سيجد الغاسلون ملاذاً آمناً لعملياتهم، المنظومة الدولية تسير بسرعة أبطأ من سرعة ابتكار أساليب الجريمة.

◆  سرعة الابتكار: كل إجراء رقابي جديد يُقابَل بأسلوب تحايل جديد. الغاسلون يوظّفون خبراء تقنيين على مستوى عالٍ ولديهم حافز مالي ضخم للابتكار.

◆  فجوة الكفاءات: المحققون الجنائيون الرقميون والمنظمون المتخصصون في العملات الرقمية أقل بكثير مما تتطلبه المرحلة والفجوة تتسع بتسارع التكنولوجيا.

✉  عزيزي القارئ

العملات الرقمية ليست شراً بالمطلق — إنها تكنولوجيا محايدة تكتسب قيمتها الأخلاقية من طريقة توظيفها. البيتكوين الذي يُستخدم لغسيل عائدات المخدرات هو نفس البيتكوين الذي يُستخدم لتحويل الأموال لعائلة في منطقة نزاع لا تصلها الخدمات المصرفية، التمييز بين الاستخدامين مسؤولية جماعية وأنت طرف فيها:

◆  إذا تلقّيت عرضاً للاستثمار في عملات رقمية بعوائد خارقة وبسرعة استثنائية وعبر قنوات غير رسمية هذا نمط كلاسيكي لمخططات احتيال أو لأنشطة مشبوهة تسعى لاستخدامك غطاءً. توقّف وتحقّق.

◆  للجميع: المال القذر لا يبقى قذراً بصمت تداعياته تصل إلى اقتصاداتنا وأسواقنا وأمن مجتمعاتنا، الوعي بهذه الجريمة ومعرفة كيف تعمل هو أول درجات المواجهة الفعلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى