
كثيرة هي القصص والعبر التي تؤخذ من التجارب وشتى الممارسات في عالم البزنس والتجارة ولغة الأرقام وأسواق المال عموماً منذ تأسيس أول بورصة رسمية للأسهم في العالم عام 1602 في هولندا، ثم توالت بعدها البورصات والأسواق المالية في العالم تباعاً، بدءاً من بورصة نيويورك في 1792، وبورصة لندن في 1801، ثم امتدت عمليات تأسيس الأسواق والبورصات في شتى أنحاء العالم.
الأسواق المالية في العالم واحدة في الممارسة، والنظم قريبة من بعضها البعض أو مستنسخة، قد يكون هناك بعض الفوارق والخصوصية في تطوير الأدوات المالية أو إتاحة قاعدة أوسع وأعمق من الشركات المدرجة، أو تباين في القطاعات والتخصصات النوعية الدقيقة للأنشطة، مثل قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرقائق وغيرها.
لكن “الجمبزة” و “الجمبازية” في كل أسواق العالم سلوكهم وممارساتهم واحدة، ويلتقون في نقطة واحدة هي محور التخطيط ومحطة الوصول الأساسية التي يستهدفونها، وهي صياغة منتج أو مجموعة منتجات وضخها للجمهور بهدف بيعها بأعلى الأسعار وبأقل تكلفة ممكنة، فهي تعتمد فقط على صطناع الأرقام وتضيخم الميزانيات وهندسة البيانات، ثم القفز على الأحبال بين التابع والزميل، وكذلك ممارسة سياسة تدوير الوجوه واللعب على المسميات وإطلاق الوعود كل وعد أكبر مما سبقه، عملاً بما قاله “جوزف غوبلز”… اكذب اكذب حتى يصدقك الناس”!
من قصص الممارسات والدروس التوعوية، أن أحد الطامحين أُعجب ذات يوم برئيس تنفيذي من النوع الجبمازي الفريد من نوعه، شديد الذكاء حاد الرؤية ثاقب البصر، لكنه أعمى البصيرة وأسود القلب، يدعي التدين والالتزام وهو بعيد عنهما كل البعد، محترف في اصطناع الأرقام الوهمية لدرجة أنه من شدة الاحترافية قادر على إيهام أعتى عتاة التدقيق المالي، وخداع أكثر المستثمرين احترافية، فهو يملك مهارة سلب العقول وإيهام الآخر أن ما يقدمه من أرقام صحيحة 100%، وليس عند هذا الحد فقط، بل قدرته الخارقة أوهمت آلاف المستثمرين من شتى الجنسيات وعشرات الأعضاء من مشارب مختلفة، بأن هذا “الخشب هو ذهب”، وكأنه أحد السحرة الطغاة العتاة الذين إذا ألقوا سحروا الأعين والعقول والقلوب، فحجم التدليس على الأفراد بشتى تخصصاتهم وخبراتهم في العديد من الدول ومن مدارس مختلفة وجنسيات عديدة، كفيلة بأن تُلخص مراوغة وتلاعبات شخص واحد احترف تدوير الأرقام باستخدام “نواطير”.
هذا الفتى الذي هو نواة عمليات تدليس كبيرة ومتعددة كان بمثابة المهندس، فيما العراب أو “الناطور” الذي يستخدمه كغطاء أو ستار هو الواجهة التي توقع وتوفر له المسرح لإصدار التراخيص وتأسيس الكيانات والذهاب يميناً ويساراً للتفاوض، خصوصاً وأن كل عملية كان يخرج منها بملايين الدولارات، فيتقاسمون الغنائم سوياً على حساب أفراد شتى. استمروا في غيهم وضلالهم حتى انتفخت أوداجهم وأرصدتهم فانقلب السحر على الساحر والباطل على بعضه البعض وتطاعنوا وتفاجروا في الخلاف والخصومة.
لكن بما أن ساحر الأرقام يسحر العقول بتزيين الأرقام والأرباح، فقد نجح في أن يجد نواطير أخرى تصدقه ويكرر عليهم نفس نغمة تحقيق الأرباح وصناعة الأصول واقتناص الفرص، وفي نهاية المشوار من سيمسك الجمرة أخيراً ستحرق يده، ويكون الساحر كما يقال “فص ملح وذاب” مثل “بيض الصعو” الذي يبحث عنه البعض حتى الآن.
العبرة والعظة هي عدم الانسياق وراء هذا وذاك، وخصوصاً أصحاب الوعود الوردية، والذئاب التي تظهر في ثياب الواعظين، أو من يهبطون فجأة بالباراشوت أو ينتحلون صفة رجل أعمال وهم في الحقيقة لا ينتمون لهذه الصفة لا من قريب أو بعيد، فمن يدلس على البشر ليس برجل أساساً، والتجارة ممارسة الأنبياء، فقد عمل سيد الخلق محمد بن عبد الله في التجارة، ولكن شتان بين صاحب الخلق العظيم وفاقدي ومنعدمي الأخلاق، لذلك الثقة والأخلاق والأصل صفات يجب البحث عنها أولاً…
من لا يذكر انهيار “إنرون” عملاق الطاقة في 2001 وممارسة التلاعب بالأرقام وإخفاءها وغيرها من ممارسات “مادوف”.




