بقلم المحامي الدكتور خالد عبدالحميد الدعاس
دكتوراه في القانون التجاري
Dr.khaledaldaas@gmail.com
لا تُقاسُ أزمةُ المضايق البحرية بعناوين النشرات وحدها، بل بما تُحدثه من زلزالٍ صامتٍ في العقود: مَن يتحمّلُ الخسارةَ حين تتوقّفُ الحاويةُ في عرض البحر؟ في هذه القراءة يُفكِّكُ القانونُ التجاري المشهدَ — من القوّة القاهرة في أعالي البحار إلى رفوف المستهلك في آخر السلسلة.
تخيّلْ تاجراً يترقّبُ حاويةً من بضاعته — أجهزةً كهربائية، موادَّ غذائية، قطعَ غيار، أقمشةً، أو أدوية قطعت نصفَ الطريق ثم توقّفت في عرض البحر. الاعتماد المستندي (LC) يَعُدُّ أيّامه، والزبائنُ ينتظرون الرفوف، وأجورُ التخزين والتعطيل تتراكمُ ساعةً إثرَ ساعة، وسؤالٌ واحدٌ يدورُ في ذهن التاجر: مَن يتحمّلُ الخسارة؟ هذا هو المشهدُ الحقيقي خلف إغلاق المضيق، لا صخبُ العناوين، وهو الوجهُ الباهت لأزمة مضيق هرمز كما تعيشها الشركاتُ يوماً بيوم.
فحين يتصدّرُ إغلاقُ المضيق الأخبارَ، يتّجهُ النظرُ تلقائياً إلى ناقلات النفط؛ غير أنّ القصّةَ الأوسعَ أثراً تُكتَبُ في مكاتب آلاف الشركات التي تجلبُ سلعَها بمختلف أصنافها عبر هذا الشريان. فمنذ إغلاقه في أواخر فبراير 2026، وتجدُّدِ الإعلان عنه في العشرين من يونيو الجاري على خلفية ما وُصِف بخرق تفاهمات إسلام آباد، غدا الممرُّ في حالةٍ قانونيةٍ «متنازَعٍ عليها». ولم يكن الأثرُ حكراً على الطاقة: فشركاتُ الملاحة علّقت عبورها أو التفّت حول رأس الرجاء الصالح بزيادةٍ تناهزُ أسبوعين على كلّ رحلة، وقفزت أقساطُ التأمين على الشحنات إلى أضعافها، وهي أعباءٌ تطالُ كلَّ من يجلبُ بضاعةً عبر البحر، لا مستورِدَ الطاقة وحده.
وأياً كانت السردية السياسيُّة للحدث، فإنه، من زاوية القانون التجاري، ليس مجرّدَ خبرٍ عابر، بل واقعةٌ قانونيةٌ مولِّدةٌ لآثار تسري في عقود البيع والنقل والتأمين والتوزيع والاعتمادات المستندية، وتُعيدُ طرحَ ثلاثة أسئلةٍ قديمةٍ في ثوبٍ جديد: متى يُعفى المدينُ من التزامه؟ ومَن يتحمّلُ تبعةَ استحالة التنفيذ؟ وأين يقفُ المستهلكُ من ذلك كلّه؟
أولاً: تكييفُ الواقعة (تسميةُ الحدث قبل توزيع الخسارة)
قبل أن نكيف الواقعة ونوزّعَ الخسائر، لا بدّ أن نُسمّيَ الحدثَ باسمه القانوني. فالإغلاقُ واقعةٌ خارجةٌ عن إرادة المتعاقدين، عامّةٌ في أثرها، يستحيلُ دفعُها أو توقّعُ زمنِ انقضائها؛ وهو بهذا الوصف يتأرجحُ بين فكرتين نظّمهما القانونُ المدني الكويتي بدقّة، ولكلٍّ منهما نتيجةٌ مختلفةٌ تماماً على التاجر المستورِد.
(1) القوّةُ القاهرة: حين يسقطُ الالتزام
تناولت المادة (215) من القانون المدني أثرَ استحالة التنفيذ لسببٍ أجنبيٍّ في العقود الملزمة للجانبين: فمتى أصبح تنفيذُ التزامِ أحد الطرفين مستحيلاً، انقضى التزامُه وانقضت معه الالتزاماتُ المقابلة، وانفسخ العقدُ من تلقاء نفسه؛ وفرّقت المادةُ بين الاستحالة الكلّية والجزئية، وعززتها المادة (437) في انقضاء الالتزام بالاستحالة، فيما تُسقِطُ هذه الاستحالةُ، بحسب المادة (293)، حقَّ الدائن في التعويض، لأنّ المدينَ لم يُخطئ. والمعيارُ صارمٌ لا يُجامِل: لا يكفي أن يصبح التنفيذُ أكثرَ كلفة، بل أن يصبح مستحيلاً استحالةً مطلقة.
وقد استقرّ قضاءُ محكمة التمييز الكويتية على أنّ السببَ الأجنبيَّ يشترطُ لانقضاء الالتزام أن يجعلَ تنفيذَه مستحيلاً استحالةً دائمةً مطلقة بالنسبة للكافّة لا للبعض؛ (الطعن بالتمييز رقم 355 لسنة 2001 تجاري — جلسة 28/4/2002).
(2) الظروفُ الطارئة: حين يُعدَّلُ الالتزامُ ولا يسقط
هنا تكمنُ أداةُ التاجر الأهمّ حين لا تبلغُ العرقلةُ حدَّ الاستحالة، وموضعُها المادة (198) من القانون المدني. فإذا بقي التنفيذُ ممكناً لكنه صار مُرهِقاً إرهاقاً يهدّدُ المدينَ بخسارةٍ فادحة، جاز للقاضي، بسلطته التقديرية، أن يردَّ الالتزامَ المرهقَ إلى الحدّ المعقول، فيوزّعَ عبءَ الظرف الاستثنائي بين الطرفين دون أن يفسخَ العقدَ بالضرورة. وقد أرسى شرّاحُ القانون المدني، وفي مقدّمتهم الفقيهُ عبد الرزاق السنهوري في موسوعته، أنّ هذه النظرية لا تُهدرُ قوّةَ العقد الملزمة، بل تُعيدُ إليه توازنَه على مقتضى العدالة وحُسن النية.
والتمييزُ بين الوصفين ليس ترفاً فقهياً، بل هو مفتاحُ النتيجة: فالأوّلُ يُسقطُ الالتزام، والثاني يُعدِّلُه، ومن هذه النقطة بالذات تبدأُ المعركةُ القانونيةُ الحقيقية في غرف التحكيم وأروقة المحاكم.
ثانياً: مخاطر الشركات المستورِدة
عند إنزال هذا التكييف على أرض الواقع، تبرزُ أربع مسائلَ قانونية لا تحتملُ التأجيل، تُشكّلُ معاً خريطةَ المخاطر التي ينبغي لكلّ شركةٍ مستورِدة أن تقرأها قبل أن تتحرّك:
(1) شرطُ القوّة القاهرة في عقود الاستيراد والتوريد
لم تعُد القوّةُ القاهرة شأنَ التجار وحدهم؛ فحين علّقت شركاتُ الملاحة رحلاتها، وجد المستورِدُ صغيراً كان أو كبيراً نفسَه أمام السؤال ذاته. وهنا تنكشفُ قيمةُ الصياغة العقدية: فمن ضمّن عقودَه شرطَ قوّةٍ قاهرةٍ محكماً، يُعدِّدُ الوقائع (الحرب، الحصار، إغلاق الممرات، قرارات السلطات) ويرتّبُ الآثار (وقفٌ، تمديدٌ، إنهاءٌ، توزيعُ الكلفة)، يقفُ على أرضٍ صلبة، بينما يقفُ صاحبُ الإحالة العامّة على رمالٍ متحركة. والقاعدةُ الأصولية هنا هي أن شرطُ القوّة القاهرة لا يُقرأُ بالنيّة، بل بالنصّ.
(2) عقودُ البيع وانتقالُ تبعة الهلاك
يظنُّ كثيرٌ من المستورِدين أنّ البائعَ يتحمّلُ كلَّ شيء حتى تَصِلَ البضاعة؛ والحقيقةُ أنّ مصيرَ الخسارة قد حُسِمَ لحظةَ الشحن. فبيوعُ التسليم عند الشحن (FOB، CFR، CIF) تنقلُ تبعةَ الهلاك إلى المشتري بمجرّد تجاوز البضاعةِ حاجزَ الشحن، إعمالاً لقاعدة أنّ المبيعَ يهلكُ على مِلك مالكه، أي أنّ المستورِدَ يتحمّلُ عبءَ التعطّل ولو لم تصل بضاعتُه بعد. أمّا بيوعُ الوصول (DAP، DDP) فتُبقي التبعةَ على البائع حتى التسليم في الوجهة. ومن ثَمّ فإنّ أوّلَ سؤالٍ يُطرَحُ على أيّ شركةٍ متضرّرة: بأيّ شرطٍ اشتريتَ؟ وتحكمُ هذه العلاقاتِ في شقّها الداخلي أحكامُ البيع في القانون المدني وقانون التجارة الكويتي (المرسوم بقانون رقم 68 لسنة 1980)، وهي قواعد مستندة على اتفاقيات ومعاهدات دولية.
(3) النقلُ البحري وغراماتُ التعطيل
ينظّمُ قانونُ التجارة البحرية الكويتي (المرسوم بقانون رقم 28 لسنة 1980) عقدَ النقل البحري ومسؤوليةَ الناقل عن هلاك البضائع أو تلفها أو تأخّر وصولها (أما حقوق المرسَل اليه فتنظمها قواعد قانون التجارة الكويتي المرسوم بقانون رقم 68 لسنة 1980). والإغلاقُ يُفجّرُ سلسلةً من المنازعات تَمسُّ كلَّ شحنة: مَن يتحمّلُ أجورَ تعطيل السفينة وأرضياتِ الحاويات المتراكمة؟ وهل يُعدُّ الالتفافُ حول رأس الرجاء الصالح «انحرافاً» مشروعاً تبرّرُه سلامةُ الرحلة، أم إخلالاً يوجبُ التعويض؟ وغالباً ما يكونُ التحكيمُ ميدانَ الفصل لا القضاءُ المحلي.
(4) التأمينُ على البضائع وأقساطُ مخاطر الحرب
ينظّمُ القانونُ ذاتُه التأمينَ البحري على البضائع. وارتفاعُ أقساط مخاطر الحرب بشكل مضاعف يُعيدُ حساباتِ كلّ صفقة. والمسألةُ الدقيقة التي تُغفِلُها كثيرٌ من الشركات، تتمثل في مدى تغطّية وثيقة التأمين القائمةُ هذا الخطر، أم أنّ «استثناء مخاطر الحرب» يُخرجُها ما لم تَشترِ غطاءً إضافياً؟ فكثيرٌ من المنازعات لا يدورُ حول وقوع الضرر، بل حول حدود التغطية وشروط الاستثناء.
ثالثاً: الوضع القانوني للمستورِدُ
ثمّة وجهٌ يغفلُ عنه كثيرون، حيث إن المستورِدُ ليس دائناً فحسب، بل مدينٌ في الوقت ذاته تجاه عملائه المحليين، متاجرِ التجزئة، والمطاعم، والمصانع التي تنتظرُ موادَّه. وفي هذه الجزئية هل يستطيعُ أن يحتجَّ في مواجهتهم بالقوّة القاهرة أو الظرف الطارئ كما احتُجَّ بهما في مواجهته؟ الجوابُ يتوقّفُ على صياغة عقوده هو، لا على ما أصابه من أعلى السلسلة؛ فالعرقلةُ لا تنتقلُ تلقائياً عبر حلقات التوريد، بل يحملُها أو يُسقطُها نصُّ كلِّ عقدٍ على حِدة. ومن هنا تتضاعفُ أهميةُ التناسق بين عقد الاستيراد من جهة وعقود التوزيع المحلية من جهةٍ أخرى.
والأثرُ لا يُدارُ بالانتظار، بل الإخطارُ الفوري صعوداً نحو المورّد ونزولاً نحو العميل، وتوثيقُ الاستحالة أو الإرهاق بمستندات رسمية (بيانات الموانئ، إعلانات السلطات، شهادات الغرف التجارية)، ثم تكييفُ الموقف بين قوّةٍ قاهرةٍ تُسقطُ الالتزام (م 215) وظرفٍ طارئٍ يُعدِّلُه (م 198).
رابعاً: أين يقفُ المستهلك؟
ينتقلُ أثرُ الإغلاق إلى المستهلك عبر مسألتي الندرةِ والغلاء. فارتفاعُ كلفة الشحن والتأمين وتعطّلُ سلاسل الإمداد ينعكسُ على أسعار الغذاء والدواء والسلع المستوردة، وهو ما يجعلُ حمايةَ المستهلك في الظروف الاستثنائية محلَّ اختبارٍ حقيقي.
وهنا تتضافرُ ثلاثةُ تشريعات: قانونُ حماية المستهلك رقم 39 لسنة 2014 الذي كفلت مادتُه التاسعة للمستهلك حقَّ السلامة وجودةِ السلع والتسويةِ العادلة والتعويضِ عمّا يصيبُه من ممارسات ضارّة، وأناط الرقابةَ بـ اللجنة الوطنية لحماية المستهلك بوزارة التجارة والصناعة؛ والمرسوم بقانون رقم 10 لسنة 1979 في شأن الإشراف على الاتجار في السلع وتحديد أسعار بعضها (المعدَّل)، وهو السندُ الذي يُجيزُ للدولة ضبطَ الأسعار في الأحوال الاستثنائية؛ والقانون رقم 20 لسنة 2019 بإصدار القانون (النظام) الموحد لمكافحـة الغـش. فالتاجرُ الذي يستغلُّ الظرفَ لمضاعفة الأسعار دون مسوّغٍ من ارتفاع كلفته الحقيقية، أو يحتكرُ السلعةَ أو يحجبُها، يقعُ تحت طائلة المساءلة.
ومما لا شك فيه، أن ارتفاعُ بعض الأسعار قد يكونُ انعكاساً مشروعاً لكلفةٍ فعليةٍ ارتفعت، لكنّ الاستغلالَ والاحتكارَ يظلّان فعلان غير مشروعان يستوجبُ الإبلاغَ عنهما والمساءلة فيهما. والحدُّ الفاصلُ بينهما هو معقوليةُ الكلفة، لا مجرّدُ ارتفاع السعر.
خامساً: ماذا تفعلُ الشركةُ الآن؟
1- راجِعْ عقودَ الاستيراد والتوزيع وشروطَ التسليم لتعرفَ مَن يتحمّلُ التبعةَ قبل اتخاذ أيّ موقف.
2- وثِّقْ مبكّراً كلَّ واقعة استحالةٍ أو إرهاقٍ بمستنداتٍ رسمية تصلحُ دليلاً أمام القضاء أو التحكيم.
3- أخطِرْ كتابةً وفوراً المورّدين والعملاء والبنوك وشركات التأمين، حفاظاً على المواعيد والحقوق.
4- افحَصْ وثيقةَ التأمين وتأكّدْ من تغطيتها لمخاطر الحرب، أو بادِرْ إلى شراء الغطاء الإضافي.
5- صُغْ شروطاً أرشدَ للمستقبل: قوّةً قاهرةً محدّدةَ الوقائع والآثار، وشرطَ مراجعةٍ سعرية، وتحكيماً واضحاً صعوداً ونزولاً في سلسلة التوريد.
6- للمستهلك: ميِّزْ بين الغلاء المشروع والاستغلال، وبادِرْ إلى الإبلاغ عن أيّ احتكارٍ أو تسعيرٍ تعسّفي.
وختاماً، نجد مضيقُ هرمز يقف بين حدَّي الإغلاقٌ والإغراق، فمن جهة الإغلاق، يتوقّفُ الممرُّ فتقفُ الحاويات في عرض البحر، وتُوصَدُ في وجه المستورِد بعضُ الأسواق، ومن جهة الإغراق، تَغرقُ السلعُ والمنتجاتُ المستوردةُ حين تطالُها الهجماتُ الصاروخيةُ، ويَغرقُ المستهلكُ معها في موجة الغلاء على البرّ، وبين هذين الحدَّين، يُذكّرُنا القانونُ التجاري بأنه وُلِد ابنًا للمخاطر؛ فهو في جوهره منظومةٌ لتوزيع تبعات ما لا يُتوقَّع بين أطراف التبادل، فبين قوّةٍ قاهرةٍ تُسقطُ الالتزام، وظرفٍ طارئٍ يُعدِّلُه، ومستهلكٍ يحميه القانونُ من الاستغلال، يبقى العقدُ المُحكَمُ والتوثيقُ الجيّد طوقَ النجاة الذي يَحُولُ دون الغرق حين تُغلَقُ الممرّات. ومن أحسنَ صياغةَ عقده اليوم، أحسنَ حمايةَ حقّه غدًا.




