الخوف الأحمر: المنافسة الأمريكية الصينية
بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
Elshebshiry@outlook.com
بين الحين والآخر، تعود إلى الساحة الأمريكية موجة من “الخوف الأحمر” — ذلك القلق التاريخي من القوى العظمى ذات التوجه المركزي. زيارة رئيس أمريكي إلى الصين، أو ارتفاع مؤشر اقتصادي صيني، أو حتى تفوق تقني في مجال معين، كلها كفيلة بإحياء التساؤل: هل المستقبل للصين؟ وهل تراجع أمريكا حتمي؟
الإجابة، كما يراها محللون أمريكيون مثل ماثيو هينيسي، محرر صحيفة وول ستريت جورنال ومؤلف كتاب Visible Hand: Wealth of Notions on the Miracle of the Market.
هي “لا تقلقوا، ليس كذلك”. لكن هذه الطمأنينة تحتاج إلى قراءة متأنية، بعيدًا عن التبسيط أو الاستعلاء كما يبدو في مقال الكاتب الأخير الخوف الأحمر.
نقاط قوة أمريكا: أكثر من مجرد أرقام
لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك مزيجًا فريدًا من الثروة والقوة والجاذبية الثقافية. أغلب أكبر شركات التكنولوجيا في العالم — مثل Apple وMicrosoft وGoogle وNvidia — أمريكية، والسبب ليس الصدفة، بل نظام اقتصادي مفتوح، وسيادة قانون مستقرة نسبيًا، وبيئة تشجع الابتكار. ففي عام 2026، تصدرت شركات مثل Nvidia بقيمة سوقية بلغت 5.709 تريليون دولار، تليها Alphabet (Google) بـ 4.811 تريليون دولار، وApple وMicrosoft بقيم سوقية تتجاوز 3 تريليونات دولار لكل منهما. إضافة إلى ذلك، تمتلك أمريكا نفوذًا ثقافيًا هائلًا: من دوري كرة السلة NBA إلى هوليوود والموسيقى العالمية، مما يجعلها مرجعية حضارية للكثيرين حول العالم. وحتى عندما يتعلق الأمر بالقوة العسكرية، فالرقم القياسي الأمريكي حافل بقدرات تقنية وتنظيمية لا يستهان بها.
لكن ماذا عن الصين؟ هل هي “نمر من ورق”؟
وصف الكاتب ماثيو هينيسيغي مقاله الأخير بعنوان آلخوف الاحمر“Red Scare” الصين بأنها تمتلك “تطبيق TikTok فقط” وأن جنودها “لم يُختبروا فعليًا”. هذا الاختزال يغفل حقائق كثيرة. اقتصاديًا: الصين هي ثاني أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، والأكبر من حيث تعادل القوة الشرائية (PPP). ففي عام 2025، كان الناتج المحلي الإجمالي للصين (PPP) أكبر بحوالي 1.3 مرة من اقتصاد الولايات المتحدة. نعم، دخل الفرد لا يزال أقرب إلى المكسيك منه إلى الولايات المتحدة، لكن وتيرة النمو الصيني على مدى أربعة عقود لم يشهد لها التاريخ مثيلًا، وانتشلت مئات الملايين من الفقر. تقنيًا: بعيدًا عن TikTok، لدى الصين Huawei في الاتصالات، وBYD وNio في السيارات الكهربائية، وDJI في الطائرات بدون طيار، وشركات فضائية تنافس ناسا في مجالات محددة. في عام 2025، تجاوزت BYD شركة Tesla كأكبر بائع للسيارات الكهربائية في العالم، حيث باعت حوالي 2.26 مليون سيارة كهربائية. كما أن DJI تهيمن على سوق الطائرات بدون طيار العالمي بحصة سوقية تقدر بـ 70-80%. أما TikTok، فقد وصل عدد مستخدميه النشطين شهريًا إلى 1.99 مليار مستخدم عالميًا في عام 2026. وتغزو علامات تجارية مثل Shein وTemu الأسواق الغربية، محققة إيرادات بمليارات الدولارات. ثقافيًا: قد لا يكون لديهم حتى الآن “تايلور سويفت” أو “بيونسيه” بقدرة جماهيرية عالمية، لكن صناعة السينما الصينية تنمو، وأفلام مثل “The Wandering Earth” تحقق إيرادات ضخمة محليًا، والكتاب مثل ليو تسيشين (ثلاثية الأجسام الثلاثة) أصبح لهم جمهور عالمي، والعلامات التجارية مثل Shein وTemu تغزو الأسواق الغربية.
أما الادعاء بأن “لا أحد يريد أن يكون صينيًا” فهو يتجاهل أن ملايين الناس حول العالم يتعلمون اللغة الصينية، ويهاجر إليها عمال مهرة من كوريا واليابان وأوروبا، وأن مدنها الكبرى — شنغهاي وشنتشن — تعد من أكثر المدن جذبًا للمواهب في آسيا.
مقارنة غير منصفة: أمريكا والصين في سياقات مختلفة
المشكلة في خطاب “الخوف الأحمر” المعاصر أنه غالبًا ما يقارن أمريكا بالصين كما لو كانتا في نفس مرحلة التطور التاريخي. أمريكا قوة عظمى راسخة منذ قرن، بينما الصين دولة نامية ضخمة ما زالت تتعامل مع تحديات داخلية هائلة: شيخوخة السكان، التفاوت الاقتصادي، القيود السياسية، والتلوث البيئي. ففي عام 2024، بلغت نسبة السكان الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فما فوق في الصين 14.67%. صحيح أن النظام السياسي الصيني يختلف جذريًا عن النظام الغربي، وهناك انتقادات حول حرية التعبير وحقوق الإنسان. لكن قياس نجاح دولة فقط بقدرتها على إنتاج نجوم هوليوود أو رياضيين في الدوري الأمريكي هو قياس أحادي.
دروس من الاتحاد السوفيتي: ليس كل عملاق من ورق
الكاتب استشهد بالاتحاد السوفيتي كنموذج لـ”نمر من ورق” انكشف هشاشته في أفغانستان. ربما كان محقًا في أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع الهيمنة. لكن السوفييت انهاروا لأسباب داخلية مركبة — اقتصادية وسياسية — وليس لأنهم لم ينتجوا “كاتبًا عالميًا” أو “علامة أزياء”. الصين اليوم ليست نسخة من الاتحاد السوفيتي. تعلمت من أخطاء الماضي، وانفتحت اقتصاديًا جزئيًا، وبنَت سلاسل توريد معقدة تجعلها شريكًا لا غنى عنه للعالم. حتى ولو كانت هذه السلاسل تعاني من عدم الكفاءة في بعض القطاعات، فإنها مع ذلك تنتج 30% من السلع الصناعية العالمية.
خلاصة: منافسة، لا نهاية للتاريخ
الرأي الأكثر نضجًا هو أن أمريكا والصين في سباق طويل الأمد — ليس سباقًا وجوديًا “إما نحن أو هم”، بل منافسة على النماذج التنموية. لكل منهما نقاط قوة وضعف. أمريكا تتفوق في الابتكار الجذري، الجامعات، الثقافة الشعبية، وجذب المواهب. الصين تتفوق في سرعة التنفيذ، التحول الصناعي، البنية التحتية، والقدرة على التخطيط طويل المدى. الخوف الحقيقي ليس من أن “تصبح الصين أمريكا” أو أن “تتفوق على أمريكا”، بل من أن ينشغل الجانبان بالاتهامات والاستعلاء بدلًا من التعاون في قضايا مشتركة: تغير المناخ، الأوبئة، الذكاء الاصطناعي، ونزع السلاح. الخلاصة الأكثر عقلانية هي التي قالها دبلوماسيون صينيون وأمريكيون حكماء: “العالم واسع بما يكفي لاستيعاب ازدهار كل من الولايات المتحدة والصين”. وربما المستقبل لا يحمل اسم بلد واحد، بل يحمل اسم “تعاون صعب لكن ضروري”.




