مقالات

بين الابتكار والحماية… كيف تبحر الشركات الكويتية في بحر التحول الرقمي بأمان

 

بقلم: المحامي هشام الفهد

 

حكاية من قلب المستقبل: عندما يسبق الطموح الرقمي اليقظة القانونية.

في زمنٍ تتسارع فيه نبضات التكنولوجيا، وتتراقص فيه البيانات على إيقاع خوارزمياتٍ معقدة، يجد السوق الكويتي نفسه أمام مفترق طرقٍ تاريخي. فبينما تتسابق الشركات، مدفوعةً بطموحٍ جامحٍ نحو التحول الرقمي، لتبني أحدث الابتكارات وتُعزز من كفاءتها التشغيلية، يكمن تحدٍ خفيٌ قد يُهدد هذه المسيرة الواعدة: الفجوة بين الطموح الرقمي والامتثال القانوني السيبراني. فكم من شركةٍ كويتيةٍ، استثمرت بسخاءٍ في البنية التحتية الرقمية، وفتحت أبوابها لعالمٍ من الفرص اللامحدودة، وجدت نفسها فجأةً أسيرةً لهجومٍ سيبرانيٍ مدمر، أو متورطةً في نزاعاتٍ قانونيةٍ معقدةٍ بسبب ضعف التوثيق الإلكتروني، أو غياب الوعي الكافي بمتطلبات الأمن السيبراني؟

إنها ليست مجرد سيناريوهات افتراضية، بل هي حقائق مؤلمة تُشير إلى أن الابتكار، وإن كان محركًا للنمو، إلا أنه قد يُصبح سيفًا ذا حدين إذا لم يُصاحبه درعٌ قانونيٌ متين. ففي عالمٍ تتزايد فيه التهديدات السيبرانية وتتطور فيه أساليب الاحتيال الرقمي، تُصبح الثقافة القانونية السيبرانية ليست ترفًا، بل ضرورةً قصوى لضمان استمرارية الأعمال وحماية الأصول الرقمية.

من سنغافورة إلى إستونيا: دروسٌ في بناء الحصون الرقمية

لنتأمل تجارب دولٍ سبقتنا في هذا المضمار، وكيف استطاعت أن تُحول التحديات الرقمية إلى فرصٍ للنمو والازدهار، من خلال بناء أطرٍ قانونيةٍ وتنظيميةٍ قوية:

سنغافورة: الاقتصاد الرقمي الرائد والحوكمة الشاملة

تُعد سنغافورة نموذجًا يُحتذى به في بناء اقتصادٍ رقميٍ رائد. فمن خلال إطار عمل الاقتصاد الرقمي ، لم تكتفِ سنغافورة بتشجيع الشركات على تبني التقنيات الحديثة، بل وضعت استراتيجيةً شاملةً لرقمنة الصناعات، وتعزيز التنافسية، وتحويل قطاع الإعلام والاتصالات. ولم يكن هذا ليتحقق لولا وجود حوكمةٍ قويةٍ، وسياساتٍ ومعاييرَ واضحةٍ، وقوانينَ صارمةٍ لخصوصية البيانات، ونظامٍ متطورٍ للأمن السيبراني . لقد أدركت سنغافورة أن الرقمنة ليست مجرد تقنية، بل هي إطار عمل قانوني وتنظيمي متكامل يُعزز الثقة ويُقلل المخاطر.

إستونيا: الهوية الرقمية والشفافية اللامحدودة

أما إستونيا، فقد أذهلت العالم بمفهوم الإقامة الإلكترونية ، الذي يُتيح لأي شخصٍ في العالم تأسيس وإدارة شركةٍ في إستونيا إلكترونيًا بالكامل. هذا الابتكار لم يُعزز فقط من سهولة ممارسة الأعمال، بل بنى بيئةً أعمالٍ رقميةً تتسم بالشفافية والموثوقية العالية. فمن خلال الهوية الرقمية الفريدة، والمسؤوليات الواضحة للمقيمين الرقميين، والتركيز على الشفافية الضريبية والمالية، أصبحت إستونيا منارةً للتحول الرقمي الآمن والفعال .

الكويت: بين التشريع الطموح وضرورة تفعيل اليقظة

لم يغفل المشرع الكويتي عن أهمية مواكبة هذا التحول العالمي. فقد أصدر قانون المعاملات الإلكترونية رقم 20 لسنة 2014، الذي يُعد خطوةً رائدةً في الاعتراف بحجية المعاملات والتوقيعات الإلكترونية ومساواتها بالتقليدية، مما يُمهد الطريق أمام الشركات لتبني الحلول الرقمية بثقةٍ أكبر. كما جاء قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 63 لسنة 2015 ليُشكل درعًا قانونيًا ضد التهديدات السيبرانية، ويُحدد العقوبات الرادعة للمخترقين والمحتالين .

ولكن، يظل التحدي الأكبر في السوق الكويتي يكمن في تفعيل هذه التشريعات وتعميق الوعي بها. فكثيرٌ من الشركات لا تزال تُعاني من:

* ضعف الوعي القانوني: حول حجية التوقيع الإلكتروني، ومتطلبات حفظ البيانات، ومسؤوليات الأمن السيبراني.

* صعوبات الإثبات: في بعض النزاعات القضائية المتعلقة بالمستندات الإلكترونية، مما يُبرز الحاجة إلى توحيد المفاهيم القضائية.

* الحاجة إلى تعزيز الأمن السيبراني: كضرورة وطنية ومهنية، وليس مجرد خيارٍ تقني.

دعوة إلى “الامتثال الرقمي الاستباقي”: استثمارٌ في الحصانة

يا رجال الأعمال، ويا قادة البنوك، إن التحول الرقمي ليس وجهةً نصل إليها، بل هو رحلةٌ مستمرةٌ تتطلب يقظةً دائمةً وتكيفًا مستمرًا. إن “الامتثال الرقمي الاستباقي” هو مفتاحكم للنجاح في هذه الرحلة. ويعني ذلك:

1- بناء ثقافة قانونية سيبرانية: داخل شركاتكم، تُدرك أهمية حماية البيانات، وتُفهم مخاطر الهجمات السيبرانية، وتُطبق أفضل الممارسات في التعامل مع المعلومات الرقمية.

2- تفعيل أدوات القانون الكويتي: استغلوا الإمكانيات التي يُوفرها قانون المعاملات الإلكترونية، واعتمدوا التوقيعات والعقود الإلكترونية بثقة، مع التأكد من استيفائها للمتطلبات القانونية.

3- الاستثمار في الأمن السيبراني: ليس كبندٍ في الميزانية، بل كاستثمارٍ استراتيجيٍ يُحمي أصولكم الرقمية ويُعزز من ثقة عملائكم وشركائكم.

4- التعاون مع الخبراء: استشيروا المستشارين القانونيين والمتخصصين في الأمن السيبراني لضمان امتثالكم لأحدث المعايير والتشريعات.

إن المستقبل الرقمي يحمل في طياته فرصًا هائلة، ولكنه يتطلب منا أن نكون على قدر المسؤولية في حماية هذه الفرص. فباليقظة القانونية، والامتثال الاستباقي، والتعلم من تجارب الدول الرائدة، يمكن للشركات الكويتية أن تبحر في بحر التحول الرقمي بأمانٍ وثقة، وتُحقق الازدهار المستدام في عصرٍ لا يعترف إلا بالابتكار المحمي.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى