العميل لا يحتاج أن تخبره بأنه مميز… بل أن تجعله يشعر بذلك

بقلم/ فارس مساعد عبدالله
كثيراً ما يسمع العميل عبارة «لأنك من عملائنا المميزين»، لكن ما يأتي بعدها يكون غالباً عرضاً تسويقياً أو خصماً مؤقتاً. وأحياناً يتلقى اتصالاً آلياً يطلب منه تقييم الخدمة من واحد إلى خمسة، فيجيب وينتهي الأمر، من دون أن يعرف هل قُرئ رأيه فعلاً أو أثّر في شيء.
هذه الوسائل مفيدة لقياس الرضا، لكنها تبقى في الغالب استبيانات مختصرة. أما الاستماع الحقيقي إلى العميل والاستفادة من تجربته في التطوير، فأمر مختلف تماماً.
مبادرة لفتت انتباهي
تلقت زوجتي اتصالاً من قسم التسويق في شركة ترفيهية تدير متجراً متخصصاً في الأنشطة الفنية والأعمال اليدوية للأطفال، كالرسم على الكانفس، وتلوين السيراميك، وصناعة السلايم.
وبحكم زياراتها الدورية، تم اختيارها من بين العملاء الدائمين، ودُعيت مع ابنتي للمشاركة في مجموعة نقاش مركزة، تضمنت جلسة مجانية وكرت ألعاب.
خلال الجلسة، طُرحت عليهما أسئلة حول تجربتهما في المكان، وتم الاستماع إلى آرائهما وتدوين ملاحظاتهما. واللافت أن التواصل لم يتوقف بانتهاء الجلسة؛ فقد تواصلت مسؤولة التسويق معهما مجدداً، وعرضت عليهما عدداً من المنتجات المقترحة للتلوين لأخذ رأيهما فيها.
كما لفت انتباه زوجتي أسلوب الموظفة المسؤولة عن الجلسة، إذ كانت لطيفة وقريبة من الأطفال، وتجيد التعامل معهم ومع أولياء الأمور بصورة تتناسب مع طبيعة المكان. وقد يبدو ذلك تفصيلاً بسيطاً، لكنه يوضح أهمية اختيار موظفين يناسب أسلوبهم طبيعة النشاط والجمهور المستهدف.
هذه أول مرة أمر فيها، ولو بصورة غير مباشرة، بتجربة من هذا النوع. وقد أعجبتني لأنها جعلت العميل يشعر فعلاً بأن صوته مسموع، وأن رأيه له قيمة.
ليست دعوة للبيع
من وجهة نظري، لم تكن هذه المبادرة تسويقاً بقدر ما كانت محاولة للاستفادة من تجربة العميل في سبيل التطوير.
فالاتصال لم يكن بهدف بيع باقة جديدة، أو الإعلان عن خصم، أو دفع العميل إلى شراء خدمة إضافية، بل للاستماع إلى عميل حقيقي يزور المكان بصورة متكررة، ومعرفة ما يعجبه وما يمكن تحسينه.
وهنا يظهر الفرق بين استخدام عبارة «عميل مميز» كشعار تسويقي، وبين ترجمتها إلى تجربة يشعر بها العميل فعلاً.
الفرق بين التقييم والاستماع
التقييم من واحد إلى خمسة قد يخبر المشروع بأن العميل راضٍ أو غير راضٍ، لكنه لا يفسر السبب.
أما الحوار المباشر فيكشف تفاصيل قد لا تصل إليها الاستبيانات المختصرة، مثل الأنشطة التي يفضلها الأطفال، ومدى مناسبة الأسعار والباقات، وسهولة الحجز، والنظافة والسلامة، وطريقة تعامل الموظفين، ومدى ملاءمة الأنشطة للأعمار المختلفة.
| الرقم يعطي مؤشراً، أما الحوار فيعطي فهماً. |
خصوصاً حين يأتي هذا الحوار من عميل دائم يملك تجربة تراكمية، لا انطباعاً عابراً، ويعرف مستوى الخدمة عبر الوقت ويلاحظ تغيرها.
وبالطبع، يحتاج هذا النوع من المبادرات إلى وقت وموارد قد لا تتوافر لكل شركة، خصوصاً الصغيرة منها. لكنه يبقى نموذجاً يستحق أن تسعى إليه الشركات، ولو بصورة أبسط تتناسب مع إمكاناتها.
رسالة للمجتمع والشركات
بعيداً عن تفاصيل هذه التجربة تحديداً، أرى أن ما حدث يستحق أن يُطرح كفكرة عامة تستحق الانتشار، لا كترويج لمكان معين.
نحتاج كمجتمع إلى تقدير الشركات التي تستمع إلى عملائها بجدية وتشركهم في التطوير. وفي المقابل، تحتاج الشركات إلى النظر إلى العميل باعتباره مصدراً للمعرفة، لا مجرد رقم في المبيعات أو نتيجة في استبيان.
فتنظيم مجموعة نقاش مع العملاء يتطلب استعداداً لسماع النقد، لا البحث عن المديح فقط. وهذا النوع من المبادرات يساعد الشركات على اتخاذ قرارات أقرب إلى احتياجات عملائها الفعلية، بدلاً من بنائها على التخمين.
تجربة تستحق التشجيع
أتمنى رؤية هذا الأسلوب في مطاعم ومقاهٍ ونوادٍ ومراكز تعليمية وترفيهية ومتاجر تجزئة أكثر.
فالعميل لا يحتاج دائماً إلى خصم جديد أو نقاط إضافية. أحياناً يحتاج فقط إلى أن يشعر بأن استمراره تمت ملاحظته، وأن رأيه مسموع، وأن تجربته قد تساهم في تطوير المكان.
هذه وجهة نظري الشخصية حول تجربة أعجبتني، وأرى أن تشجيعها قد يدفع شركات أخرى إلى تبني مبادرات مشابهة.
العميل لا يحتاج أن تخبره بأنه مميز.
يحتاج أن تجعله يشعر بذلك.




