«امنحوا خفض التضخم فرصة».. “والر” يخفف رهانات رفع الفائدة في سبتمبر
بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
Elshebshiry@outlook.com
في وقت تترقب فيه الأسواق العالمية بيانات التضخم الأمريكية بحثاً عن إشارات توضح المسار المقبل للسياسة النقدية، جاءت تصريحات كريستوفر والر، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، لتمنح المستثمرين قدراً من الارتياح. فقد أوضح والر أنه يميل إلى إبقاء أسعار الفائدة من دون تغيير خلال اجتماع سبتمبر، إذا أكدت البيانات استمرار انحسار الضغوط التضخمية.
وفي عبارة لافتة مستوحاة من أغنية شهيرة لفرقة «البيتلز»، قال والر: «امنحوا خفض التضخم فرصة». وتحمل العبارة رسالة واضحة مفادها أن تراجع التضخم يحتاج إلى مزيد من الوقت، وأن التسرع في تشديد السياسة النقدية قد لا يكون الخيار الأفضل ما دامت البيانات تسير في الاتجاه الصحيح.
غير أن هذه الرسالة لا تعني أن الاحتياطي الفيدرالي اتجه نحو سياسة نقدية أكثر تيسيراً؛ فوالر أبقى الباب مفتوحاً أمام رفع الفائدة إذا جاءت بيانات التضخم أعلى من المتوقع أو أظهرت أن الضغوط السعرية لم تنحسر بالقدر الكافي.
قرار سبتمبر بين الترقب والتشدد
تكتسب تصريحات والر أهمية خاصة لأنها جاءت في مرحلة حساسة بالنسبة إلى السياسة النقدية الأمريكية. فقد بدأت الأسواق في تسعير احتمال فعلي لرفع أسعار الفائدة خلال اجتماع 15 و16 سبتمبر، بعد سلسلة من التصريحات التي اتسمت بنبرة متشددة من جانب مسؤولين في الاحتياطي الفيدرالي، فضلاً عن الانقسام الذي ظهر خلال اجتماع يوليو، عندما أيد ثلاثة مسؤولين رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس.
في هذا السياق، لا تبدو تصريحات والر تحولاً كاملاً في موقف الفيدرالي بقدر ما تمثل دعوة إلى التريث. فالبنك المركزي لا يريد أن يعلن انتصاره على التضخم قبل الأوان، لكنه لا يرغب أيضاً في رفع الفائدة لمجرد التحوط، من دون أدلة جديدة تشير إلى عودة الضغوط السعرية.
التضخم في قلب المعادلة
أصبح التضخم العامل الأكثر حسماً في تحديد القرار المقبل للفيدرالي، ولا سيما مع استمرار متانة الاقتصاد واستقرار سوق العمل نسبياً. ويرى والر أن الاقتصاد الأمريكي لا يحتاج، في الوقت الراهن، إلى مزيد من التيسير النقدي، وهو ما يتيح للبنك المركزي التركيز على إعادة التضخم إلى هدفه البالغ 2%.
في المقابل، لا يرى ضرورة لرفع الفائدة بصورة استباقية ما دامت البيانات تؤكد استمرار التقدم في خفض التضخم. وهنا تظهر المعادلة الدقيقة التي يواجهها الفيدرالي: فالتضخم لا يزال أعلى بوضوح من المستوى المستهدف، لكن اتجاهه العام قد يكون آخذًا في التحسن.
ومن ثم، فإن رفع الفائدة قبل التأكد من عودة التضخم إلى التسارع قد يفرض كلفة غير ضرورية على النشاط الاقتصادي وسوق العمل. ولهذا يولي والر أهمية لقراءة التضخم خلال فترة تمتد ثلاثة أشهر على أساس سنوي، بدلاً من التركيز المفرط على بيانات شهر واحد قد تتأثر بعوامل مؤقتة أو متقلبة.
فإذا أظهرت قراءات الأشهر الأخيرة استمرار التراجع، فقد يكون الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية، وانتظار مزيد من الأدلة، هو الخيار الأكثر اتزاناً.
تقرير التضخم.. الاختبار الحقيقي
تأتي بيانات مؤشر أسعار المستهلكين لشهر أغسطس في مقدمة المؤشرات التي ستراقبها الأسواق، إذ من المقرر صدورها قبل أيام قليلة من اجتماع الاحتياطي الفيدرالي، لتكون آخر قراءة رئيسية للتضخم قبل اتخاذ القرار.
ورغم أن مؤشر أسعار المستهلكين ليس المقياس المفضل لدى الفيدرالي، فإن والر يعتبره مؤشراً مهماً إلى الاتجاه المحتمل لمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس الأساسي الذي يعتمد عليه البنك المركزي في تقييم التضخم.
وكان مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي قد ارتفع بنسبة 3.7% على أساس سنوي في يوليو، وهي نسبة لا تزال بعيدة عن هدف الفيدرالي البالغ 2%. لذلك لن تكتفي الأسواق بالبحث عن انخفاض عابر في التضخم، بل ستركز على سؤال أكثر أهمية: هل أصبح هذا الانخفاض اتجاهاً مستداماً، أم أنه مجرد تحسن مؤقت؟
الرسوم الجمركية والطاقة.. هل يتراجع أثرهما؟
يرى والر أن بعض العوامل التي دفعت التضخم إلى الارتفاع خلال الفترة الماضية قد لا تواصل تأثيرها بالقوة نفسها. وفي ما يتعلق بالرسوم الجمركية، يعتقد أن جزءاً كبيراً من أثر زيادات التعريفات قد انتقل بالفعل إلى الأسعار، ما يعني أن تأثيرها التضخمي الإضافي قد يكون محدوداً خلال الفترة المقبلة.
أما أسعار الطاقة، فعلى الرغم من ارتفاعها مجدداً بفعل الحرب في الشرق الأوسط، فلا يرى والر حتى الآن أدلة قوية على انتقال هذا الارتفاع إلى بقية مكونات الأسعار. ومع ذلك، تظل الطاقة مصدراً مهماً للمخاطر؛ فاستمرار ارتفاعها قد يرفع تكاليف النقل والإنتاج والخدمات، كما قد يؤثر في توقعات المستهلكين والشركات بشأن التضخم.
وتشمل المخاطر الأخرى التي أشار إليها والر ارتفاع أسعار بعض السلع المرتبطة بالاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب احتمال فرض زيادات جديدة على الرسوم الجمركية. وهذه العوامل، حتى إن بدت محدودة في أثرها المباشر، قد تعقد مهمة الفيدرالي إذا اجتمعت مع استمرار قوة الطلب.
الأسواق تلتقط إشارة التريث
استقبلت الأسواق تصريحات والر بإيجابية؛ إذ ارتفعت أسعار الأسهم، في حين تراجعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية، وخفّض المستثمرون رهاناتهم على رفع الفائدة خلال اجتماع سبتمبر.
ويبدو هذا التفاعل مفهوماً. فانتقال عضو في مجلس المحافظين من موقف يميل إلى التشديد إلى موقف أكثر ميلاً للانتظار يعني أن رفع الفائدة الفوري لم يعد السيناريو الأساسي بالضرورة، بل أصبح رهناً بصدور بيانات اقتصادية مفاجئة أو أكثر سخونة من المتوقع.
لكن الأسواق لم تتخل في الوقت نفسه عن توقعاتها بإمكان اضطرار الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع الفائدة مرة أخرى قبل نهاية العام، إذا ظل التضخم أعلى من المستوى المستهدف أو ظهرت مؤشرات على تباطؤ مسار التراجع.
الفيدرالي أمام خطرين متعاكسين
تزداد معضلة الاحتياطي الفيدرالي تعقيداً مع وقوفه بين خطرين متعاكسين. فمن جهة، قد يؤدي التسرع في رفع الفائدة إلى إضعاف الاقتصاد وسوق العمل أكثر مما ينبغي. ومن جهة أخرى، قد يؤدي التساهل مع التضخم إلى ترسيخ معدلاته فوق مستوى 2%، الأمر الذي يجعل العودة إلى الهدف أكثر صعوبة وكلفة.
لهذا تبدو استراتيجية «الانتظار ومراقبة البيانات» منطقية في المرحلة الحالية، ما دام الاقتصاد قادراً على تحمل مستويات الفائدة القائمة، وما دامت المؤشرات لا تقدم دليلاً قوياً على عودة التضخم إلى الارتفاع.
وتؤكد تصريحات والر أن الفيدرالي لا يريد الالتزام مسبقاً بمسار محدد لأسعار الفائدة. فالبنك المركزي يفضل الاحتفاظ بمرونة القرار، وترك المجال مفتوحاً أمام الخيار الذي تفرضه البيانات، لا أمام التوقعات أو الضغوط السياسية والسوقية.
الرسالة الأهم إلى الأسواق
لا تكمن الرسالة الأساسية في أن الاحتياطي الفيدرالي أصبح أكثر ميلاً إلى خفض الفائدة، بل في أن رفعها خلال سبتمبر لم يعد أمراً محسوماً. فالسيناريو الذي يفضله والر حالياً هو الإبقاء على الفائدة ضمن نطاق 3.50% إلى 3.75% إذا استمر التضخم في التراجع، مع الاحتفاظ بخيار رفعها إذا جاءت البيانات أكثر سخونة.
وبذلك أصبح تقرير التضخم الأمريكي المرتقب اختباراً حقيقياً لرهانات الأسواق. فإذا جاءت البيانات ضعيفة وأكدت استمرار انحسار الضغوط السعرية، فقد تتعزز توقعات تثبيت الفائدة، بما قد يدعم الأسهم وسندات الخزانة. أما إذا جاءت أعلى من المتوقع، فمن المرجح أن تعود رهانات رفع الفائدة بقوة، خصوصاً أن والر حذر من أن المستوى الحالي للفائدة لا يقيد الطلب الاقتصادي إلا بدرجة محدودة.
في النهاية، تبدو رسالة والر واضحة: الاحتياطي الفيدرالي ليس مستعداً للتسرع في تشديد السياسة النقدية، لكنه لم يعلن في الوقت نفسه الانتصار على التضخم. وبين هذين الموقفين، ستحدد بيانات التضخم المقبلة ليس فقط قرار سبتمبر، بل أيضاً، إلى حد كبير، شكل السياسة النقدية الأمريكية خلال ما تبقى من عام 2026




