مقالات

الكويت تعيد رسم منظومة القضاء الاقتصادي.. ماذا يعني ذلك للمستثمرين ورجال الأعمال؟

 

بقلم: محمد عثمان – مدير تدقيق داخلي
CPA, CIA, CMA,CSCA, CRMA, CISA, CRISC, CERM, CFE, PMP, PBA, ISO 31000 Senior Lead Risk Manager

 

تتجه الكويت إلى إعادة تنظيم منظومة القضاء المتخصص في القضايا الاقتصادية والتجارية، في خطوة تعكس اتجاهاً نحو توسيع نطاق التخصص القضائي ليشمل مختلف المنازعات ذات الطبيعة الاقتصادية، بدلاً من التركيز على سوق المال وحده.

ومن أبرز ملامح هذا التغيير إلغاء الإطار الخاص بـ«محكمة أسواق المال» واستبداله بمنظومة أوسع تتمثل في الدوائر الاقتصادية المتخصصة.

فما الذي يعنيه هذا التغيير عملياً؟ وهل سيؤثر على المستثمرين والشركات ورجال الأعمال؟

من «محكمة أسواق المال» إلى القضاء الاقتصادي المتخصص

منذ عام 2010، كانت الكويت تعتمد على محكمة متخصصة للنظر في القضايا المرتبطة بأسواق المال والشركات والأوراق المالية. وكان الهدف من إنشاء هذه المحكمة هو توفير قضاء يمتلك قدراً أكبر من المعرفة بطبيعة المعاملات المالية والاستثمارية وتعقيداتها.

لكن طبيعة النشاط الاقتصادي تطورت خلال السنوات الماضية، وأصبحت المنازعات التجارية والاستثمارية والمالية أكثر تنوعاً وتشابكاً، الأمر الذي دفع باتجاه توسيع مفهوم القضاء المتخصص ليشمل الاقتصاد بمفهومه الأوسع.

وفي هذا السياق، جاء المرسوم بقانون رقم 91 لسنة 2026 بتعديل بعض أحكام قانون هيئة أسواق المال، متضمناً إلغاء الأحكام المرتبطة بمحكمة أسواق المال، بالتزامن مع إنشاء إطار أوسع للدوائر الاقتصادية المتخصصة.

ما هي الدوائر الاقتصادية؟

الفكرة الأساسية ليست إلغاء التخصص القضائي، وإنما إعادة تنظيمه وتوسيعه.

وبموجب النظام الجديد، ستكون هناك دوائر اقتصادية متخصصة على أكثر من درجة من درجات التقاضي، تشمل:

* المحكمة الكلية.

* محكمة الاستئناف.

* محكمة التمييز.

وتتولى هذه الدوائر النظر في مجموعة واسعة من المنازعات ذات الطبيعة الاقتصادية والتجارية والمالية والاستثمارية.

كما يقوم النظام على الاستفادة من قضاة لديهم خبرة وتدريب في المجالات الاقتصادية والتجارية، بما يساعد على التعامل مع القضايا التي تتطلب فهماً لطبيعة الأعمال والمعاملات المالية والاستثمارية.

ومن الجوانب المهمة أيضاً التوسع في استخدام الوسائل الإلكترونية في إجراءات التقاضي، بما يتماشى مع الاتجاه العام نحو التحول الرقمي في الخدمات القضائية.

ماذا يعني ذلك للشركات والمستثمرين؟

الأثر العملي لهذا التغيير سيظهر بصورة أكبر مع بدء تطبيق النظام الجديد، إلا أن هناك عدداً من النقاط التي تستحق الاهتمام.

1- التركيز على سرعة الفصل في المنازعات

بالنسبة للشركات والمستثمرين، الوقت عنصر مهم في أي نزاع تجاري أو استثماري.

فكلما طال النزاع، زادت التكاليف المرتبطة به، وقد تتأثر معه التدفقات النقدية والقرارات الاستثمارية واستمرارية بعض الأنشطة التجارية.

ومن المقرر أن يتضمن النظام الجديد آليات تساعد على تنظيم الدعاوى وتجهيزها قبل عرضها على الدوائر المختصة، إلى جانب تبسيط الإجراءات والاستفادة بصورة أكبر من التقنيات الإلكترونية.

وهذا قد يساعد في تقليل الوقت اللازم للتعامل مع بعض المنازعات، وإن كانت سرعة الفصل الفعلية ستظل مرتبطة بطبيعة كل قضية وحجمها وتعقيدها.

2- تخصص أكبر في القضايا الاقتصادية

القضايا الاقتصادية ليست دائماً مجرد خلاف قانوني بسيط بين طرفين.

فقد تتضمن القضية، على سبيل المثال، عقوداً تجارية معقدة، أو معاملات مالية، أو مسائل مرتبطة بالشركات، أو استثمارات، أو أوراقاً مالية، أو التزامات تنظيمية.

وجود دوائر متخصصة في هذه المجالات يمكن أن يساعد على التعامل مع هذه التفاصيل ضمن إطار قضائي أكثر ارتباطاً بطبيعة النشاط الاقتصادي.

3- أهمية أكبر للمستثمرين

بالنسبة للمستثمر، لا يقتصر تقييم بيئة الاستثمار على الضرائب أو التمويل أو حجم السوق، وإنما يشمل أيضاً مدى وضوح القواعد القانونية وقدرة النظام القضائي على التعامل مع النزاعات بكفاءة.

ومن هذه الزاوية، فإن وجود قضاء اقتصادي متخصص يمكن أن يكون أحد العناصر الداعمة للثقة في بيئة الأعمال، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالاستثمارات الكبيرة أو المعاملات التجارية المعقدة.

لكن من المهم التمييز بين إنشاء منظومة قضائية متخصصة وبين الحكم مسبقاً على نتائجها؛ فالأثر الحقيقي سيقاس بعد بدء التطبيق وظهور الممارسة العملية والأحكام والإجراءات على أرض الواقع.

هل يعني ذلك انتهاء محكمة أسواق المال فوراً؟

ليس بالضرورة.

فبحسب الترتيبات الانتقالية، تستمر القضايا المقيدة أمام محكمة أسواق المال وفق القواعد المقررة لها إلى حين الفصل فيها نهائياً، بينما تتعامل المنظومة الجديدة مع القضايا التي تدخل في نطاق اختصاصها وفق النظام الجديد.

وهذه المرحلة الانتقالية مهمة لتجنب حدوث فراغ أو ارتباك في القضايا القائمة عند الانتقال من النظام السابق إلى النظام الجديد.

متى يبدأ تطبيق النظام الجديد؟

من المقرر أن يبدأ العمل بنظام الدوائر الاقتصادية اعتباراً من 1 أكتوبر 2027.

وتوفر الفترة السابقة على التطبيق فرصة للجهات المعنية لاستكمال الترتيبات اللازمة، سواء فيما يتعلق بتأهيل القضاة، أو تجهيز البنية التحتية، أو تطوير الأنظمة الإلكترونية، أو تدريب الموظفين والكوادر ذات العلاقة.

لماذا يمثل التغيير أهمية لبيئة الأعمال؟

يمكن النظر إلى التعديل باعتباره جزءاً من توجه أوسع نحو تطوير البيئة التشريعية والقضائية المرتبطة بالنشاط الاقتصادي في الكويت.

فالشركات لا تحتاج فقط إلى قوانين واضحة، وإنما تحتاج أيضاً إلى آلية فعالة لتطبيق هذه القوانين عند حدوث النزاع.

ولذلك، فإن وجود قضاء اقتصادي متخصص قد يكون مهماً في ملفات مثل:

* المنازعات بين الشركات والمساهمين.

* النزاعات التجارية والاستثمارية.

* المنازعات المتعلقة بالمعاملات المالية.

* القضايا المرتبطة بالشركات والأعمال.

* المنازعات ذات الصلة بالأنشطة الاقتصادية المنظمة.

ماذا يعني ذلك لرجال الأعمال؟

بالنسبة لرجل الأعمال أو المستثمر، الأهم هو النظر إلى الموضوع من زاوية عملية.

فعند الدخول في استثمار أو إبرام عقد تجاري، لا يكفي أن يعرف المستثمر حقوقه والتزاماته، بل من المهم أيضاً أن يعرف كيف سيتم التعامل مع النزاع إذا حدث خلاف.

ومن هنا تأتي أهمية وجود منظومة قضائية متخصصة تستطيع التعامل مع طبيعة المنازعات الاقتصادية، إلى جانب وضوح الإجراءات وسرعة التعامل معها.

الخلاصة

الانتقال من نموذج «محكمة أسواق المال» إلى منظومة أوسع من الدوائر الاقتصادية المتخصصة يمثل تغييراً في هيكل القضاء الاقتصادي في الكويت، وليس مجرد تغيير في الاسم.

والفكرة الأساسية هي الانتقال من تخصص يركز بصورة رئيسية على أسواق المال إلى تخصص اقتصادي أوسع يشمل مجموعة أكبر من المنازعات التجارية والمالية والاستثمارية.

أما بالنسبة للمستثمرين والشركات، فسيكون المعيار الأهم خلال السنوات المقبلة هو كيفية تطبيق النظام الجديد عملياً: مدى سرعة الفصل في القضايا، ومستوى التخصص، وكفاءة الإجراءات، ومدى الاستفادة من التحول الرقمي.

وبالتالي، فإن أهمية الإصلاح لن تتحدد بالنص التشريعي وحده، وإنما بما سيظهر من نتائج عند دخوله حيز التطبيق في 1 أكتوبر 2027.

وفي النهاية، يبقى الهدف الأساسي من هذه الخطوة هو بناء منظومة قضائية أكثر تخصصاً وقدرة على مواكبة طبيعة الاقتصاد الحديث، بما يتناسب مع تطور النشاط التجاري والاستثماري في الكويت.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى