مقالات

الكاش الكثير.. هل هو قوة مالية أم فشل في إدارة السيولة؟

سلسلة «ميزانيتك لا تكذب.. لكنها لا تقول كل الحقيقة»

 

  • ميزانيتك تقول كم لديك في البنك.. لكنها لا تقول كم من هذا المال تستطيع استخدامه غداً

 

د. علي عويد رخيص

مراقب حسابات 72 أ – مكتب الواحة – عضو Nexia England

ورئيس لجنة مراقبي الحسابات بجمعية المحاسبين والمراجعين الكويتية

 

شركتان.. نفس الرصيد.. مصيران مختلفان

شركة مقاولات رصيدها 5 ملايين دينار. مديرها يفتخر: نحن أقوياء. شركة أخرى نفس الرصيد، لكن مشاريعها متوقفة ورواتب متأخرة. نفس الرقم في الميزانية، لكن الحقيقة مختلفة تماماً.

قد يكون مليونان مخصصين لخطابات ضمان، ومليون وديعة مرتبطة بتسهيلات، ومليون لرواتب وموردين قريبة. الرقم الظاهر 5 ملايين، لكن السيولة الحرة أقل بكثير. السؤال الصحيح ليس «كم لدينا؟» بل: «كم نستطيع استخدامه الآن دون تعريض عملياتنا للخطر؟»

* الكاش الكثير ليس بالضرورة نجاحاً

لا توجد قاعدة ثابتة تحتّم الاحتفاظ بنقد يغطي ثلاثة أشهر. الرقم المناسب يعتمد على طبيعة النشاط ودورة التحصيل والالتزامات والموسمية. ثلاثة أشهر مجرد نقطة بداية.

رصيد 5 ملايين ومصاريف شهرية 500 ألف لا يعنيان أن لديك 3.5 مليون «زائد». قد يكون جزء منه مخصصاً لتوسعات أو التزامات أو احتياطي مخاطر. المشكلة تبدأ عندما يبقى النقد الفائض بلا وظيفة واضحة، وعائده أقل من تكلفة التمويل أو التضخم.

في بيئة أسعار الفائدة المرتفعة، أصبحت تكلفة الفرصة البديلة أعلى. إبقاء مبالغ كبيرة في الحساب الجاري يعني التخلي عن عوائد حقيقية. حسب IAS 7، يجب تحليل مصدر النقد: هل جاء من النشاط التشغيلي أم من بيع أصل أم من الاقتراض؟

* الكاش القليل ليس فقراً أو ضعفاً في إدارة الشركة بل قد يكون ذكاءً واستعمالاً جيداً للنقد

منشأة لديها 200 ألف دينار فقط، لكنها تدور بضاعتها بسرعة وتحصل مستحقاتها بكفاءة، قد تكون أكثر كفاءة من منشأة لديها ملايين راكدة. وشركة تملك تسهيلات بنكية معتمدة وغير مستخدمة قد تكون في وضع سيولة أفضل من أخرى لديها ملايين نائمة دون خطة.

* الخطر الذي يكشفه IFRS 7

انظر إلى مخاطر السيولة لا إلى رصيد البنك فقط. هل لديك أرصدة مقيدة أو مرهونة؟ كثير من الميزانيات تظهر «نقد 3 ملايين» بينما تكشف الإيضاحات أن جزءاً مهماً منه مقيد. اسأل: كم هو النقد المتاح فعلياً الآن؟ ومن المخاطر التي يغفلها كثيرون: تركيز النقد في بنك واحد. حتى لو كان الرصيد كبيراً، فإن أي قيد عليه يحول الرقم الظاهر إلى سيولة وهمية.

* أين ذهب الربح؟

الربح ليس نقداً. قد تحقق الشركة أرباحاً بمليون دينار، لكن إذا ارتفعت الذمم المدينة، تظهر الأرباح بينما لم يدخل النقد بعد. السؤال ليس فقط «كم ربحنا؟» بل «أين ذهب الربح؟» قد تكون الشركة رابحة محاسبياً وتعاني ضغطاً نقدياً في آن واحد.

* مفارقة الكاش

أحياناً تكون الشركة التي لديها 10 ملايين أضعف مالياً من شركة لديها مليون واحد، لأن الأولى مثقلة بالتزامات قصيرة الأجل بينما الثانية لديها تدفقات تشغيلية قوية وتسهيلات غير مستخدمة. الحجم لا يصنع السيولة.. القدرة على الوفاء هي التي تصنعها.

* ماذا يكشف IFRS 18؟

IFRS 18 يجبر المنشأة على فصل نتائج النشاط التشغيلي عن مصادر الدخل الأخرى. قد يبدو صافي الربح قوياً، لكن عند الفصل تكتشف أن النشاط الأساسي أضعف مما يوحي به الرقم النهائي. القوة الحقيقية في قدرة النشاط الأساسي على توليد أرباح وتدفقات نقدية مستدامة، لا في عوائد الودائع المؤقتة.

* اختبار الـ30 يوماً

اسأل الإدارة: لو توقفت الإيرادات 30 يوماً، كم يوماً تستطيع المنشأة الاستمرار دون اقتراض أو بيع أصل؟ هنا تظهر السيولة الحقيقية. قد تكون الشركة غنية بالأصول ورابحة ولديها 5 ملايين، لكنها لا تستطيع دفع رواتبها بعد أسبوعين. هذه ليست مشكلة أرباح.. إنها مشكلة سيولة.

* أربعة مؤشرات عملية

أولاً: نسبة كفاية السيولة = النقد المتاح ÷ المصاريف النقدية الشهرية (مؤشر إداري لا قاعدة ثابتة). ثانياً: تقرير النقد المقيد – حدد الأرصدة المرهونة مع سبب القيد ومدته. ثالثاً: نسبة النقد الحر = النقد المتاح فعلياً ÷ إجمالي النقد. رابعاً: العائد على النقد = إيراد الفوائد ÷ متوسط رصيد النقد. قارن العائد بالسيولة والمخاطر وتكلفة البدائل قبل أي قرار.

5 ملايين في البنك.. لكن كم منها حقيقي؟

البند المبلغ
النقد وما في حكمه 5,000,000 د.ك
نقد مقيد / مرهون (2,000,000) د.ك
التزامات تشغيلية قريبة (1,000,000) د.ك
النقد المتبقي بعد الالتزامات 2,000,000 د.ك

 

* أسئلة لمجلس الإدارة

1- كم لدينا من النقد فعلياً؟

2- كم منه مقيد؟

3- كم نحتاج لتغطية 30 و60 و90 يوماً؟

4- كم ناتج عن النشاط التشغيلي وكم عن قروض أو بيع أصول؟

5- ما تكلفة إبقاء النقد جارياً؟

6- ما العائد الممكن من الفائض دون تعريض السيولة للخطر؟

7- وهل لدينا سياسة مكتوبة لمستويات النقد التشغيلي والاحتياطي والفائض؟

* القرار الإداري

لا تترك النقد الفائض بلا وظيفة. قسّمه إلى: تشغيلي، مقيد، احتياطي، وفائض قابل للتوظيف. قارن بين عائد النقد وتكلفة التمويل وتكلفة الفرصة البديلة. وأفصح عن القيود الجوهرية حتى يفهم مستخدم القوائم مقدار السيولة المتاحة فعلياً.

الخاتمة

الميزانية قد تقول إن لديك 5 ملايين. لكنها لا تقول: هل هذا النقد حر أم مقيد؟ ضروري أم فائض؟ يولد عائداً أم يفقد قيمته؟ وهل تستطيع استخدامه غداً؟

لا تسأل فقط «كم لدينا؟» بل اسأل: «كم منه حر، وكم منتج، وكم منه ضروري، وكم منه نائماً؟» فالسيولة ليست ما يظهر في رصيد البنك.. السيولة هي قدرتك على الوفاء بالتزامك غداً صباحاً، دون بيع أصل بخسارة أو الاقتراض تحت الضغط.

 

ميزانيتك لا تكذب.. لكنها لا تقول كل الحقيقة.

ابدأ غداً بسؤال واحد: كم من رصيد البنك متاح للاستخدام خلال الـ30 يوماً القادمة دون المساس بالعمليات؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى